9. التواضع .

عرض الموسوعة
9. التواضع .
3693 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" التواضع "

خلق الإنسان من تراب وإلي التراب يعود فهو تراب يمشي فوق تراب ، إذا تواضع لعظمة ربه رفعه الله إلي أعلي عليين ، وإذا تكبر واستعلي تردي إلي أسفل سافلين ، ولا كرامة لعبد عند الله إلا إذا لبس ثوب الطاعة .

من ازداد إيمانا وعلما ويقينا ازداد تواضعا لله وانكسارا ، والتواضع صفة يحبها الله في عبده المؤمن الصادق الذي يعرف كيف كانت بدايته : كان نطفة من ماء مهين ثم صار علقة فمضغة فعظاما فكسي الله العظام لحما وأخرجه إلي الدنيا سميعا بصيرا عاقلا مدركا وسواه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين .

وبعد رحلة الحياة سيعود إلي الأرض " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخري " ، وعند مغادرة الحياة في لحظة والله قادمة سيري الحياة كلها سرابا وخداعا ، ومن هنا فلا يتكبر علي أحد من خلق الله ، لأنه لا يدري أينا مقبول عند الله ، " وعباد الرحمن الذين يمشون علي الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " .

* ما الذي يريده الناس من دنياهم ؟ يريدون الغني يريدون العزة يريدون الرفعة ؟ أين المفاتيح لهذا كله ؟ المفاتيح هنا في يد نبينا القائل فيما رواه مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة : " ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله " .

* التواضع ليس مظهرا يراه الناس فهذه صورته أما حقيقته فتبدأ من القلب ، إنكسار القلب لله حينما يري الإنسان أنه في ملك الله لا شيء ، جاء إلي الحياة والأرض هي الأرض والسماء هي السماء والجبال هي الجبال والنجوم هي النجوم ، وسيخرج من الحياة وما تغير فيها شيء إنما هو عابر سبيل مرتحل ، إقامته علي الأرض محدودة مؤقتة وليست إقامة مؤبدة " ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلي حين " .

والتواضع هو خفض جناح الذل والرحمة لعباد الله فلا يحقر من خلق الله أحدا ، فرب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم علي الله لأبره ، أخرج الحاكم في المستدرك عن أبي مسعود أن رجلا كلم النبي يوم الفتح فأخذته الرعدة – أي الهيبة من النبي - ، فقال النبي : " هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . بل وأخبر أصحابه أنه رعي الغنم في مكة .

روي البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال : " ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم " . فقال أصحابه : وأنت ؟ فقال : " نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة " . وعمل الأنبياء في رعي الغنم فيه حكم عجيبة ، فالراعي يتميز بأربع صفات يحتاج إليها القائد المربي الذي سيربي أمة بمنهج الله :

1- الرحمة : فيسوقها برفق ولا يتعجلها حتي لا يحطم بعضها بعضا .

2- الصبر : حتي تأخذ حظها من مرعاها .

3- التواضع : فتري الراعي يحمل العرجاء والضعيفة والصغيرة التي لا تقوي علي المسير .

4- حسن الرعاية : فيتخير لها مواطن العشب والكلأ .

* من التواضع قبول الحق ممن يحب وممن يبغض ، يقول عمر بن عبد العزيز : ليس بيني وبين الحق عداوة . أخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وقال ابن كثير سنده صحيح : عن جبير بن نفير أن نفرا قالوا لعمر بن الخطاب : والله! ما رأينا رجلا أقضى بالقسط ولا أقول بالحق ولا أشد على المنافقين منك يا أمير المؤمنين ! فأنت خير الناس بعد رسول الله ، فقال عوف بن مالك : كذبتم والله! لقد رأينا خيرا منه بعد النبي ، فقال : من هو يا عوف ؟ فقال : أبو بكر ، فقال عمر : صدق عوف وكذبتم ، والله ! لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك وأنا أضل من بعير أهلي. لم يفرح بكلمة باطل خرجت من مجامل بل رد الحق لأهله تواضعا منه ولم ينقص ذلك من قدره بل رفع والله من قدره .

يقول الأحنف بن قيس كنا مع عمر فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ! انطلق معي فأعدني على فلان فإنه قد ظلمني، فرفع الدرة فخفق بها رأسه وقال: تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم حتى إذا شغل في أمر من أمر المسلمين أتيتموه أعدني أعدني ، فانصرف الرجل وهو يتذمر أي يجترئ عليه ويرفع صوته في عتابه . فقال : علي الرجل، فألقى إليه المخفقة – الدرة - فقال: امتثل، فقال: لا والله ولكن أدعها لله ولك! قال: ليس هكذا، إما أن تدعها لله إرادة ما عنده أو تدعها لي فأعلم ذلك . قال : أدعها لله .
قال : فانصرف ثم مضى حتى دخل منزله ونحن معه فافتتح الصلاة فصلى ركعتين وجلس فقال : يا ابن الخطاب! كنت وضيعا فرفعك الله، وكنت ضالا فهداك الله، وكنت ذليلا فأعزك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين فجاءك رجل يستعديك فضربته! ما تقول لربك غدا إذا أتيته ؟ قال : فجعل يعاتب نفسه في ذلك معاتبة ظننا أنه من خير أهل الأرض .

إذا فعلت ذنبا فافعل كما فعل عمر ، اخل بنفسك واذرف دمعك بين يدي ربك وقل كما قال الخليفة الراشد : ماذا تقول لربك غدا إذا أتيته ؟ ماذا نقول لربنا غدا إذا وقفنا بين يديه ؟

يا من أعطاه الله من عدم وفقر وفاقة لا تنس الماضي : كيف كنت وكيف أصبحت ؟ وسل نفسك من أعطاك ولو شاء لسلب منك ما أعطاك ؟ فالحياة كلها أغيار ، كم من ذليل عز وكم من عزيز أصبح ذليلا ؟ كم من غني صار فقيرا وكم من فقير صار غنيا ؟ كم من صحيح صار مريضا وكم من مريض أصبح صحيحا ؟ " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلي الله والله هو الغني الحميد " .

* أحق من تواضعنا لهما بعد الله هما الوالدين ، ومن توقير الولد لأبيه ألا يناديه باسمه تبجيلا واحتراما ولا يجلس قبله ولا يرفع عليه صوته ، وأنْ لاَ يرفَعَ بصرَهُ إلي والديه خضوعًا وتواضعًا لهمَا، وأن لا يرفعَ صوتَهُ عليهِمَا برَّا بهما وإحسانا إليهما " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " ، وقال رسول اللَّه فِي التواضع للأمِّ : " الزم رجلها فَثَمَّ الجنة " رواه ابن ماجه .

لقد ضرب لنا الصالحون أروع الأمثلة فِي التواضع مع الوالدين فمنهم مَنْ لمْ يأكل معهما خشية أن تسبق يده إلى طعام يشتهيانه ، ومنهم مَنْ لم يرفع بصره إليهما أبدًا تواضعًا لهما ، ومنهم مَنْ يُقَبِّلُ رأس والديه ، ومنهم من يُقَبِّلُ يد والديه ، والرجاء في الله أن تعود هذه الكنوز من الأخلاق إلي الأمة فهذا رصيدها من الخير والبركة والصلة والرحمة ، ولا خير في حياة بغير دين ولا خير في مال ومتاع بغير إيمان . قال الحسن رحمه الله : هل تدرون ما التواضع ؟ التواضع : أن تخرج من منزلك فلا تلقى مسلماً إلا رأيت له عليك فضلاً .

* هل هناك علامات يعرف بها المتواضع في ديننا ؟ نعم . إذا لقيت أخاك فابدأه بالسلام وابتسم في وجهه لله تخرج من الكبر وتدخل دائرة التواضع وترضي ربك ويباهي بك ملائكته ، يقول لك قائل : أسلم عليه والعين في العين فيدير وجهه ولا يرد سلامي ، فاعلم عندها أنه هو الصغير عند الله إن لم يكن له عذر ، واعلم أن المتكبر فارغ من الخير ، منتفخ علي فراغ وخيبة وخسران : غصن الشجرة إذا كانت فيه ثمرة تراه منحنيا متدليا ، فإذا كثرت الثمار فيه تراه يكاد ينكسر من كثرة ما يحمله ويكاد يصل إلي الأرض ، أما الغصن الفارغ فإنك تراه شامخا عاليا وهذا دليل فراغه من كل خير ولا ثمرة فيه ، " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " ، روي الطبراني وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة عن النبي قال : " إن أحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون " .

تواضع تكن كالنجم لاح لناظر * على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يعلو بنفسـه * إلى طبقات الجو وهو وضيـع

* المتكبر كرجل يقف علي جبل عال يري الناس صغارا ويرونه صغيرا ، روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي قال : " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته إذ خسف الله به الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة " .

قال سفيان بن عيينة : من كانت معصيته في شهوة فارج له التوبة فإن آدم عليه السلام عصى مشتهياً فاستغفر فغفر له، فإذا كانت معصيته من كبر فاخش عليه اللعنة. فإن إبليس عصى مستكبراً فلعن . روي مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : " يقول الله عز وجل : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار " .

قال البراء بن عازب : كان النبي ينقل التراب يوم الخندق حتى أغبر بطنه يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينـا

فأنزلن سـكينة علينـا إن الأُلى قد بغـوا علينـا

إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع بها صوته : أبينا ، أبينا " .

روي مسلم عن حياض بن حمار عن النبي قال : " إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد "

نعم ، رحم الله امرءا عرف قدر نفسه ، بلغ عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن ابنه اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه : إنه بلغني أنك اشتريت خاتما بألف درهم ، فبعه وأطعم منه ألف جائع ، واشتر خاتما من حديد بدرهم ، واكتب عليه "رحم الله امرأ عرف قدر نفسه".

* يقول الله تعالى : " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " ، كان الغريب إذا جاء من خارج المدينة يري الصحابة جلوسا والنبي بينهم كواحد منهم لا يتميز عليهم فيسأل الرجل : أيكم محمد ؟ فيشيرون إليه ويقولون : هذا هو .

وقد كان آية في الرحمة والشفقة والتواضع ، يَمُرُّ على الصبيان فيُسلم عليهم ويمسح رؤوسهم ، وفِي بيتِه يكون في مهنة أهلِه وكان يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويحلب الشاة ، ويقم البيت ، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة ، ولم يكن ينتقم لنفسه قط ، وما ضرب امرأة ولا خادمًا ، ويأكل مع الخادم ، ويجالس المساكين ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتيهما، ويبدأ مَنْ لقِيه بالسلام .

* وتعلم الصحابة من نبيهم لين الجانب والتواضع لخلق الله ، وهذه الأخلاق هي التي جذبت قلوب الناس إلي الإسلام فدخلوا في دين الله أفواجا ، كان عمر يسير مع بعض أصحابه , فلقيته امراءة من قريش وكان واضعا يده على كتف صاحبه فقالت له يا عمر : فوقف لها ، قالت : كنا نعرفك مدة عميرا ثم صرت من بعد عمير عمر ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين ، فاتق الله يا ابن الخطاب وانظر في أمور الناس ، فإنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ، ومن خاف الموت خشي الفوت . فقال صاحبه : يا أمة الله لقد أبكيت أمير المؤمنين . فقال عمر له : اسكت ! أتدري من هذه ؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من سمائه فقال : " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير " فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدي به .

إن الماء إذا نزل لا يستقر علي قمم الجبال وإنما ينزل منها إلي السهول والوديان ، وكذلك الرحمة تنتقل من قلوب المتكبرين إلي قلوب المتواضعين .

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 8 = أدخل الكود
جديد الموسوعات
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net