12. بر الوالدين .

عرض الموسوعة
12. بر الوالدين .
2635 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" بر الوالدين "

* روى أحمد والنسائي وابن حبان عن ثوبان أن النبي قال : " لا يزيد في العمر إلا البر ، ولا يرد القدر إلا الدعاء ، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " ، ووروى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال : سألت النبي أي العمل أحب إلي الله ؟ فقال : الصلاة علي وقتها ، قلت : ثم أي ؟ قال : بر الوالدين ، قلت : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله " .

أحب الأعمال إلي الله الصلاة فهي صلة العبد بمولاه ، وبر العبد بوالديه فهما أقرب الناس إليه ، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله في الأرض وإيصال الحق إلي الخلق .

لا خير في حياة تخلو من البر و الخير والمعروف ، والإيمان هو الذي تَطِيب به الحياة لأنه يعلمنا حب الخير والبر والمعروف ، فإذا ذاق الناس طعم الإيمان تري في الحياة المودة والرحمة والإحسان ، بمعرفة الله تُحفظ حقوق العباد ، فالإسلام هو الذي يحفظ الحقوق لأصحاب الحقوق ، فهو يحفظ حق الآباء وحق الأبناء ، يحفظ حق الزوج وحق الزوجة ، يحفظ حق الصغير وحق الكبير ، فإذا ضاع الإسلام من حياة الأمة ضاعت معه كل الحقوق .

* " وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " ، أَمَر أمرا مقضيا أن نعبده وحده لا شريك له ، فلا نرجو إلا رحمته ولا نخشى إلا عذابه ، ولا يشغلنا عنه مال ولا ولد ، نتعلم أمره حتي نقوم عليه ، نفر من معاصيه حتي نصون أنفسنا من غضبه وعقابه ، فالله أهْل لأن يُحب وأهل لأن يُطاع ، هل وجدنا من ربنا غير الإحسان ؟ فهل جزاء الإحسان يكون الجحود والعصيان ؟ أم جزاء الإحسان هو الإحسان ؟

الحياة بلا نور الإيمان عذاب وحيرة وضياع ، والمؤمن وحده هو الذي يفهم معني البر والإحسان ، وكثيرا ما يأتي في مواضع من القرآن الأمر بالإحسان إلي الوالدين بعد توحيد الله والعبودية له وحده لا شريك له ، فالله هو خالقنا ورازقنا وولي نعمتنا ، إلها حكيما وربا واسعا عليما ، والوالدان هما سبب وجودنا في هذه الحياة ، فالحياة بصراعها تجعل أبصار الناس مشدودة إلي الأمام وقلما يلتفتوا إلي الأجيال السابقة المولية ، هذا الجيل الذي أعطي كل ما عنده حتي جفَّ وذبل وأصابته الشيخوخة يجب أن يُعرف له حقه ولا يُنكر له جميل إحسانه وعظيم تضحياته .

فقد أعطي الآباء زهرة حياتهم وثمرة أموالهم وكدهم لأبنائهم ، كم من السهر والتعب والنصب تحملوه ، وهم مدفوعون إلي هذا بالفطرة ، وأصبحوا كالبذرة التي أعطت غذاءها للنبتة الصاعدة .

فهذا الذي أعطي رحيق حياته ليري أولاده في أحسن حال ، هل يكون جزاؤه الرحمة والإحسان أم الجحود والكفران ؟ والإحسان إلي الوالدين ليس من قبيل المنّ والتفضل بل هو حق واجب فرضه الله رب العالمين وفاءا وعرفانا لأصحاب الحق والمعروف .

* والوصية بالأم خاصة لأنها ذاقت من الألم ما لم يعرفه أحد إلا الأمهات ، وكانت بين الحياة والموت ليخرج الوليد إلي الحياة ، " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا علي وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير " ، رأي عبد الله بن عمر رجلا من أهل اليمن يحمل أمه في الطواف ، فقال يا ابن عمر: هذه أمي أحملها فوق ظهري أطوف بها وأطعمها وأسقيها وأقضي لها حوائجها فهل وفيت حقها ؟ قال : لا ، ولا بزفرة واحدة من آلام وضعها ، قال : ولم ؟ قال : لأنها تحملت الألم ترجو حياتك وأنت تحملها تنتظر موتها .

تسعة أشهر تحمل جنينها في أحشائها كم نغَّص عليها نومها وراحتها ؟ تزداد ضعفا ووهنا ليزداد الجنين قوة وبناءا ، وإذا خرج إلي الحياة لا قدرة له علي إطعام نفسه ولا قدماه تحملاه ليخط خطوة واحدة علي الأرض بقدميه ولا قدرة له علي الكلام ليفصح عما يريده ، وإذا مرض أو تألم عكفت عليه ساهرة دموعها علي خدها ترجو شفاءه .

والسؤال : هل رأي أحد منا أمه كم عانت بسببه وهو صغير ؟ هذه مرحلة من الحياة لا يعيها ولا يتذكرها الإنسان ، فإذا بدأ يعقل ويفهم ربما رأي إحسان أبيه في النفقة والطعام ، أما حين كان صغيرا فلم ير اليد التي كانت تحمله وتحن عليه ، لم ير اليد التي كانت تطعمه وتسقيه ، لهذا عظَّم الإسلام شأن الأم وأعطاها ثلاثة أضعاف البر عن الأب .

فالحمد لله علي نعمة الإسلام الذي علمنا كيف نعرف الحقوق لأصحاب الحقوق ، قل الحمد لله علي نعمة القرآن الذي علمنا كيف نحفظ الفضل لأهل الفضل ، حتي أن الحسن بن علي بن الحسين كان من سادات التابعين ، وكان كثير البر بأمه حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة ، فقال : أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها ، فأكون قد عققتها.

* أحلك فترات حياة الإنسان حين يبلغ من الكبر عتيا ، فتضعف حواسه وتذهب قواه ، وهذا ما صوره القرآن في شأن الوالدين للبر بهما في تلك الفترة فقال سبحانه :

" إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما " عندك : أي التجأ إليك عند الكبر حينما يبيض الشعر وينحني الظهر وتبدو علامات المرض والضعف فانظر إلي هذا الكيان الذي تحمل من أجلك وأنفق عليك ، فحقه الآن عليك رد الجميل وحسن المعاملة . " وقل لهما قولا كريما " لا غلظة فيه ولا نهر ولا قسوة ، بل تلطف معهما في هذه السن وتذكر أن إحسانك لوالديك سيكون سببا في بر أولادك بك عند كبرك ، فمن بَرَّ أبويه بره أبناؤه والجزاء من جنس العمل .

* شكا رجل أباه إلي النبي أنه يريد أخذ ماله ، فدعا به ، فإذا شيخ كبير يتوكأ علي عصا فسأله : لماذا تريد أخذ ماله ؟ فقال : يارسول الله إنه كان ضعيفا وأنا قوي وفقيرا وأنا غني فكنت لا أمنعه شيئا من مالي ، واليوم أنا ضعيف وهو قوي وأنا فقير وهو غني ويبخل عليَّ بماله ، فبكي رسول الله وقال : ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى " ثم قال للولد : " أنت ومالك لبيك " رواه الطبراني وابن ماجه عن جابر وأبو يعلى عن ابن عمر بألفاظ متقاربة ، نعم فالولد هو كسب أبيه .

وإذا أراد الوالدان من ولدهما شيئا لا يستطيعه فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، ورحم الله والدا أعان ولده علي بره ، ولكن كيف يكون الرد عند العجز وعدم الاستطاعة ، انظر إلي أدب القرآن في الرد : " وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا " ، فلا يرد بالمنع والرفض بل بالكلمة الطيبة والوعد الصادق أملا في فضل الله وفرجه القريب فإن مع العسر يسرا .

* التواضع ولين الجانب وخفض الصوت والمسارعة إلي الخدمة وعدم إظهار الضجر والسخط والطاعة والتوقير هذه كلها من حسن البر والأدب حال حياتهما ، فكيف هو البر بهما بعد موتهما ؟؟

أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة عن أبي أسيد قال: كنا عند النبي فقال رجل: يا رسول الله، هل بقي عليَّ من بِرِّ أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به ؟ قال : " نعم . الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ". وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر عن رسول الله قال : " إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه " .

الإنسان يدعو بخير إلي من أحسن إليه أو أسدي إليه معروفا ، فكيف بالدعاء للوالدين ؟ " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " ، أخرج البيهقي، عن أنس قال : قال رسول الله : " إن العبد يموت والداه أو أحدهما، وإنه لهما عاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله بارا " .

* يعلمنا ربنا في قصص القرآن أن البر من أخلاق الأنبياء ، كما يُتقرب إلي الله بالصلاة والذكر والعلم والدعاء والصدقة فإنه يُتقرب إليه ببر الوالدين ، فمن أثقل ما يوضع في الموازين يوم القيامة حسن الخلق وهو مع الوالدين أشد وأهم ، قال يحي : " وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا " وفي شأن عيسي قال : " وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا " وهنا فرق بين قول يحي في قوله بوالديه لأنه جاء من أب وأم وفي شأن عيسي في قوله " وبرا بوالدتي " لأنه جاء من أم دون أب .

* ومن أعجب صور البر والطاعة والأدب بين والد وولده ما كان من شأن إبراهيم مع إسماعيل عليهما السلام ، فهاجر كانت مع ولدها وحدها ولا يأتيها إبراهيم من الشام إلا زائرا ، وقد جاءه الولد علي كبر من السن ، فلما بلغ معه السعي وفرح به وتعلق قلبه برؤيته يري إبراهيم فيما يري النائم أنه يذبح ولده ، ورؤيا الأنبياء حق وصدق ، تنام عيونهم ولا تنام قلوبهم ، ولماذا جاء الأمر مناما لا يقظة ؟؟ ليكون أرفق به وأيسر ، وهذه من مظاهر اللطف في التكليف ، والوحي في المنام مجرد إشارة وليس وحيا صريحا وهكذا المؤمن تكفيه إشارة ولمحة لينفذ أمر ربه . وكيف سيبلغ الأمر للولد ويعرضه عليه ؟ ولماذا شاوره فيه ؟ وكيف سيقوم بالتنفيذ ؟ وما هو وقع الخبر علي أمه وهي في غربتها ليس معها إلا ولدها فزوجها إبراهيم مقيم بالشام ولا يأتيها إلا زائرا ؟ كل ذلك يعلمنا عظمة الإيمان في الصدور ، وأن صلاح الآباء له أبلغ الأثر في صلاح الأبناء : " فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أري في المنام أني أذبحك فانظر ماذا تري قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين " .

1- شاوره ليرفعه إلي مستوي قبول الأمر بطواعية واختيار لا بجبر وإكراه فلا مشورة مع نص ، وليحظي الولد بأجر الطاعة لله وامتثال أمره وهكذا يجب أن تكون مع ولدك وأن تأمره بالصلاة والعلم وحسن الخلق بالمعروف والحسني ، كن صبورا حكيما رؤوفا رحيما " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " .

2- وقال الولد لأبيه : " يا أبت افعل ما تؤمر " فهذا أمر الله لا أمرك أنت .

3- وتأتي اللحظات الأخيرة فيقول إسماعيل لأبيه : يا أبت اشدد رباطي كي لا أضطرب . واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن ، واستحدَّ شفرتك وأسرع إمرارها علي حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد ، وضعني علي وجهي فإنك إذا نظرت إلى وجهي رحمتني و أدركتك رقة وقد تحول بينك وبين أمر الله سبحانه .

أيها الأبناء تعلموا درس البر من إسماعيل الصغير ، ما قال لأبيه تركتني رضيعا صغيرا وحيدا مع أمتي في غربتي ، فلما كبرت جئتني بالذبح ؟؟!! فالأسرار كلها في العيون وإذا التقت العين بالعين ربما أخذته رقة فامتنع .

وتهيأ الاثنان لتنفيذ الأمر ، واستعلي إيمانهما علي كل ضعف ، ويصور القرآن هذا المشهد الفريد من عظمة التضحية وحسن البر والطاعة من الولد لربه ولوالده ومن الوالد الكريم لربه سبحانه فلا مزاحمة في قلبه لمحبة أحد سواه : " فلما أسلما وتله للجبين . و ناديناه أن يا إبراهيم . قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين " .

والولد الصالح نِعْم المعين لأبيه علي طاعة ربه ، فبيت الله الحرام بناه إبراهيم وولده البار إسماعيل : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " .

بر الآباء هو الرصيد المدخر للإنسان عند الكبر ، فمن كان صالحا مستقيما بارا بوالديه رزقه الله ذرية صالحة بارة به عند كبره ، والمعروف عند الله لا يضيع ، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملا .

* روى الترمذي والحاكم عن عائشة قالت : قال رسول الله : " دخلت الجنة فسمعتُ فيها قراءة ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : حارثة بن النعمان ، فقال : كذلكم البر . كذلكم البر " ، قالت عائشة : وكان باراً بأمه . كيف وصل حارثة إلي هذه الدرجة من البر ليبشره النبي بالجنة ؟؟ إن الإيمان هو الذي يصنع النفوس الطاهرة ويربي فيها التقوي والإحسان .

وهذا أبو هريرة إذا أراد أن يخرج من دار أمه وقف علي بابها فقال : السلام عليك يا أمي ورحمة الله وبركاته فتقول : وعليك يا بني السلام ورحمة الله وبركاته ، فيقول : رحمك الله كما ربيتني صغيرا ، فتقول : ورحمك الله كما سررتني كبيرا .

هذا هو بر الصالحين بآبائهم يتقربون به إلي الله رغبة في رضاه ، فرضا الله من رضا الوالدين ، وليس هناك من ذنب تُعجل عقوبته في الدنيا كالعقوق وقطيعة الرحم .

* لولا الرحمة التي وضعها الله في قلوب الآباء لهلك الأطفال ، وكل مظاهر الرحمة للأمومة في عالم الإنسان والحيوان ما هي إلا قطرة من رحمة التي وسعت كل شيء ، ذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال : رأى رسول الله يوم أوطاس امرأة تعدو وتصيح ولا تستقر، فسأل عنها فقيل: فقدت بنيا لها. ثم رآها وقد وجدت ابنها وهي تقبله وتدنيه، فدعاها وقال لأصحابه : " أطارحة هذه ولدها في النار ؟ " قالوا : لا . قال : " لم ؟ " قالوا : لشفقتها. قال : " الله أرحم بكم منها " .

* ويقول ابن مسعود قال : كنّا مع رسول الله في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرةً معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرّش وتصيح ، فجاء النبي فقال : " من فجع هذه بولدها ؟ فقلنا : نحن ، فقال : " ردوا ولدها إليها " رواه أبو داود . ما هذه الرحمة العجيبة في قلوب الأمهات حتي في عالم الحيوان ! ألا يا ليت الإنسان يتعلم مما حوله ، فالراحمون يرحمهم الرحمن .

رحمة الأمومة مظهر لرحمة واحدة من رحمات الله ، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة

عن رسول الله قال : " جعل الله الرحمة مائة جزء ، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا ، وأنزل في الأرض جزءا واحدا ، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن يصيبه " .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 9 = أدخل الكود
جديد الموسوعات
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net