القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

13. رعاية المسنين وكبار السن .

الموسوعة
13. رعاية المسنين وكبار السن .
7494 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" رعاية المسنين في الاسلام "

روي أحمد والترمذي عن عبد الله بن بسر قال : قال رسول الله : " خير الناس من طال عمره وحسن عمله " ، ليست العبرة بطول الأعمار وعدد السنين ، إنما العبرة بما كان في سنوات العمر من وبر ومعروف وإحسان ، فرب يوم واحد من حياة إنسان قدم فيه لله طاعة بصدق وإخلاص أثقل عند الله في الميزان من عمر أمة تافهة جاهلة غافلة ، فبركة الأعمار بما فيها من خير وطاعات .

كم رأينا في هذه الدنيا من أغنياء فهل رأينا الغنى دام لأحد ؟ وكم رأينا من أقوياء فهل دامت القوة لأحد ؟ وكم رأينا من أصحّاء فهل دامت الصحة لأحد ؟ وكم نرى بعيوننا من أحياء فهل يُخلد في هذه الدنيا أحد ، " ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلي حين " .

وعلمنا ديننا أن نشكر من أسدى إلينا معروفا ، فمن أحسن إلينا وجب علينا رد الإحسان إليه أو الدعاء له بالخير والرحمة والغفران ، روي أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله : " ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه " .

* توقير ذي الشيبة في الإسلام من علامات الأدب وحسن الخلق ، فمن شاب في الإسلام شيبة وجب توقيره واحترامه فقد سبقنا بطاعة الله ساجدا وراكعا ربما قبل أن نولد ، ومرت عليه السنون وهو طائع لربه مقبل عليه ، وأولي الناس بالطاعة هما الوالدان فلهما أكبر الفضل بعد الله علي ولدهما " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " . ولا يقتصر البر علي الوالدين بل يتعداهما إلي إكرام وتوقير ومساعدة كل ذي شيبة في الإسلام وكبار السن ، فهذه أخلاق الأنبياء التي ذكرها القرآن في مواضع منها :

* 1- قوله تعالي في قصة موسى : " ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " ، خرجت المرأة للعمل مضطرة وذكرت العلة وهي أن أباها شيخ كبير ، فكيف كانت مروءة المسلم أمام حاجة وضرورة بدت من ضعيفين : المرأة والشيخ الكبير ؟ إنها المسارعة إلي المعونة ابتغاء وجه الله ، فسقى لهما موسى ثم توجه إلي ربه بالدعاء يسأله من فضله وجوده وكرمه .

* 2- كيف كانت شفقة يوسف بأبويه عندما قال لإخوته بعدما علموا أمره : " اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين . ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون . قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم . فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون " .

ماذا فعل يوسف بأهله وخاصة والديه حينما أقبلوا عليه بمصر ؟ ذكرت الآيات أنه اختصهما بمزيد الحفاوة والاحترام والتكريم : " فلما دخلوا علي يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين . ورفع أبويه علي العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا " . هذا أدب النبوة في معاملة الوالدين والمسنين من كبار السن .

* وهذا نبينا الذي جعله الله مثالا للكمال في الأدب والخلق والمعاملة كيف كان يكرم كبار السن ويحترم شيبتهم وينزل الناس منازلهم ؟؟

1- روي أحمد في مسنده : عن أَسماء بنت أَبى بكر الصديقِ قالت : لما دخل رسول اللَّه مكة ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يقوده ، فلما رآه رسول الله قال : " هلا تركت الشيخ في بيته حتى اكون انا آتيه فيه " . قال أبو بكر : يارسول الله هو احق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه . قال : فأجلسه بين يده ثم مسح صدره ثم قال له : " أَسْلِمْ " . فأَسلم .

2- جاءت قريش إلى الحصين والد عمران ـ وكانت تعظمه ـ فقالوا له : كلم لنا هذا الرجل ، فإنه يذكر آلهتنا، ويسبهم ، فجاءوا معه حتى جلسوا قريبًا من باب النبي ، فقال النبي : " أوسعوا للشيخ " وعمران وأصحابه متوافرون فقال حصين : ما هذا الذي بلغنا عنك ، أنك تشتم آلهتنا ، وتذكرهم ... ؟ فقال : " يا حصين كم تعبد من إله ؟ " قال : سبعًا في الأرض، وواحدًا في السماء ، فقال : " فإذا أصابك الضر من تدعو ؟ " قال : الذي في السماء ، قال : " فإذا هلك المال من تدعو ؟ " قال : الذي في السماء ، قال : " فيستجيب لك وحده وتشركهم معه ؟؟!! أرضيته في الشكر أم تخاف أن يغلب عليك ؟ " قال : ولا واحدة من هاتين ، قال : " يا حصين ، أسلم تسلم "

قال : إن لي قومًا وعشيرة ، فماذا أقول ؟ قال : يا حصين إن أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك ، فأسلم حصين فقال قل : " اللهم ألهمني رشدي ، وقني شر نفسي " ، فقالها حصين ، فقام إليه عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه .

فلما رأى ذلك النبي بكى ، وقال : " بكيت من صنيع عمران دخل حصين وهو كافر فلم يقم إليه عمران ، ولم يلتفت ناحيته ، فلما أسلم قضى حقه فدخلني من ذلك الرقة " فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه : " قوموا فشيعوه إلى منزله " . فلما خرج من سدة الباب رأته قريش ، فقالوا : صبأ وتفرقوا عنه " روى الترمذي بعضه .

* وهؤلاء أصحابه كيف تعلموا منه هذه الأخلاق العالية فكانوا أئمة في الهدى وقدوة لمن بعدهم ؟

1- روي الحاكم في المستدرك : أَن ابن عباس أخذ بركاب زيد بن ثابت - وكان زيد شيخا كبيرا – فقال له زيد : تَنَحَّ يا ابن عم رسول الله ؟ فقال ابن عباس : إنا هكذا نفعل بكبرائنا وعلمائنا ، فنزل زيد وقال : أرني يدك ، فأخرج له يده فقبلها وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا . وقد بيَّنَ رسول اللَّه أن إكرام المسنين وتوقيرهم من إجلال الله تعالى ، فقد روي أبو داود عن أبي موسى قال : قال : " إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم " .

2- وهذا مشهد من مشاهد الغيب أخبر به نبينا ليعلمنا كيف يرقى البر بأصحابه إلي أعلي درجات الفردوس ، روي أحمد والترمذي والحاكم عن عائشة قالت : قال رسول الله : " نمت فرأيتني في الجنة ، فسمعت قارئاً يقرأ ، فقلت: من هذا ؟ قالوا : حارثة بن النعمان ، فقال : " كذلكم البر كذلكم البر " وكان حارثة من أبر الناس بأمه .

3- وروي مسلم وأبو داود عن عائشة قالت : قال رسول الله : " أنزلوا الناس منازلهم ". وكان الصحابة ينزلون الناس منازلهم ويكرمون كريم كل قوم ، روي الترمذي عن أنس قال : جاء شيخ يريد النبي فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له فقال النبي : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا؛ ويوقر كبيرنا " .

وهذه هي صفة المسلم التي تميزه عن غيره في صراع الحياة ، هناك أجيال ضحت بزهرة عمرها وأعطت رحيق شبابها كالبذرة التي قدمت ما عندها للنبتة الصاعدة ، جفت البذرة من أجل زرعة جديدة ، وحان وقت الوفاء ، لهذا كان من هدي النبي وسنته أن يبدأ بالكبير حتى في أصغر الأمور ، روي أبو يعلى الموصلي بإسناد صحيح عن ابن عباس ، قال: كان رسول اللّه إذا استقى قال: " ابدؤوا بالكبراء ، أو قال : بالأكابر " ، وقد أمر الصغير أن يبدأ بالسلام علي الكبير ، وروي البخاري وأبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : " يسلم الصغير على الكبير ، والمار على القاعد ، والقليل على الكثير " .

* بعض الضعفاء والمسنين قد يُستهان بهم ، بينما النصرة علي الأعداء والبركة في الأرزاق مع كبار السن من آباء وأمهات وأجداد وجدات بسبب دعائهم وبكائهم ، روي البخاري عن مصعب بن سعد قال: رأى سعد أن له فضلا على من دونه ، فقال النبي

: " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " ، وهذا إنما يكون بدعائهم وبكائهم وافتقارهم إلي الله ، ورب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم علي الله لأبره .

قد تذهب قوة الأبدان مع الزمن الذي ينخر في العظام فتصبح واهية ، ولكن هناك قوة القلوب المؤمنة التي توجه سهام الدعاء في الليل مصحوبة بدموعها وخشوعها ، فهذه الدعوات وتلك الدموع لا تضيع عند الله هباءا ، فالله يسمع الدعاء ويحقق الرجاء ، وهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة .

* وما يزرعه الإنسان يجنيه ، والجزاء من جنس العمل ، فمن بر أباه وأعان غيره ووقف إلي جانب كسير ضعيف ، ووقر الكبير واحترم ذي الشيبة في الإسلام ، فذلك سيُرد إليه حال كبره أحوج ما يكون إليه ، روي الترمذي عن أنس قال : قال رسول الله : " ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه " .

* " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " .

وتعلم الصحابة من نبيهم لين الجانب والتواضع لخلق الله ، وهذه الأخلاق هي التي جذبت قلوب الناس إلي الإسلام فدخلوا في دين الله أفواجا ، كان عمر يسير مع بعض أصحابه , فلقيته امراءة من قريش وكان واضعا يده على كتف صاحبه فقالت له يا عمر : فوقف لها ، قالت : كنا نعرفك مدة عميرا ثم صرت من بعد عمير عمر ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين ، فاتق الله يا ابن الخطاب وانظر في أمور الناس ، فإنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ، ومن خاف الموت خشي الفوت .

فقال صاحبه : يا أمة الله لقد أبكيت أمير المؤمنين . فقال عمر له : اسكت ! أتدري من هذه ؟ هذه خولة بنت ثعلبة التي سمع الله قولها من سمائه فقال : " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير " فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدي به .

إن الماء إذا نزل لا يستقر علي قمم الجبال وإنما ينزل منها إلي السهول والوديان ، وكذلك الرحمة تنتقل من قلوب المتكبرين إلي قلوب المتواضعين .

* أحوال الإنسان في هذه الحياة تتقلب حالا من بعد حال ، فلا دوام لدنيانا علي حال ، الصحيح فيها يمرض ، والشاب يهرم ، والحي يموت ، فسبحان الحي الذي لا يموت أبدا ، الباقي الذي لا يزول أبدا ، القادر الذي لا يعجزه شئ . روي مسلم عن أبي موسى أن رسول الله قال : " إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" .

الذي يعيش لنفسه يعيش فقيرا ويموت حقيرا ، فلا محبة له في قلوب الناس ، ولا كرامة له عند الله ، والذي يرى مصائب الأمة ولا يتألم لما فيها من جراح فقلبه ميت ويحتاج الدعاء إلي الله أن يحيي قلبه ، ورعاية كبار السن وتوقير الكبير والنظر إلي الآباء والأجداد من رجال ونساء في البيوت لمسلمة علي أنهم ملوك البيت وريحانته ، وهذه قيم ضاعت في بلاد أصبح الكبير فيها يعاني وحشة وغربة في بيته وكأنه في قبر الموت قبل الموت ، ولله الحمد هذا ليس من ديننا ولا هكذا علمنا نبينا .

* روي مسلم عن أبي ذر أن رسول الله قال : " على كل نفس في كل يوم طلعت عليه الشمس صدقة منه على نفسه، قلت : يا رسول الله من أين أتصدق وليس لنا أموال ؟ قال : لأن من أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله ، وتأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتعزل الشوكة عن طريق الناس ، والعظم والحجر ، وتهدى الأعمى ، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها ، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث ، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك ولك في جماعك زوجتك أجر ، قال أبو ذر : كيف يكون لي أجر في شهوتي ؟ فقال رسول الله : " أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت أجره فمات أكنت تحتسب به ؟ قلت : نعم قال: فأنت خلقته ، قال : بل الله خلقه ، قال فأنت هديته ؟ قال : بل الله هداه ، قال : فأنت رزقته ؟ قال : بل الله كان يرزقه ، قال : كذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجر " .

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

8 + 4 =

/500
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
روابط ذات صلة
الموسوعة السابق
الموسوعات المتشابهة الموسوعة التالي

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net