15. غرس القيم في الأبناء .

عرض الموسوعة
15. غرس القيم في الأبناء .
2459 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" غرس القيم في قلوب الأبناء "

* روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أوينصرانه ، أويمجسانه " .

الإنسان يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها شاء أم أبي ، فالقلوب المولودة علي الفطرة كالصفحة البيضاء تكتب فيها ما شئت أو كالأرض الخصبة الخالية تزرع فيها ما شئت ، فما الذي سنزرعه في قلوب أولادنا ؟ ما الذي نسطره في صفحة قلوبهم النقية نقاء الفطرة ؟ هذا هو أوجب الحقوق وأولها مساءلة يوم القيامة " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة " .

أولادنا لهم علينا حقوق مادية يسألنا الله عنها يوم القيامة من طعام وشراب وكسوة ، كما لهم علينا حقوق إيمانية هي أولي وأوجب من حقوق الطعام والشراب ، أوجب حقوق الولد أن تعلمه أن له ربا يجب أن يُطاع أمره ، وأن له نبيا هو له قدوة وإماما تجب عليه طاعته والاهتداء بسنته وهديه ، ويعلمه تعظيم القرآن وعمارة المساجد وحب الصالحين وتوقير العلماء والكبار وكل ذي شيبة في الإسلام ، وهذه وصية لقمان لولده : " ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور " ، علم ولدك كيف يمشي وكيف يتكلم وكيف يتعامل مع الناس ، هذه كلها حقوق أبنائنا علينا فهل وفينا بها ؟

عن سمرة بن جندب قال : لقد كنت على عهد رسول اللَّه غلاماً فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا أن ههنا رجالاً هم أسن مني . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

* أم مريم زوجة عمران كانت لا تلد فرأت يوما طائرا يطعم صغاره فتحركت فيها عاطفة الأمومة وأحبت أن يكون لها ولد ، فأخبرت زوجها عمران فقال لها : إذا دعوت الله يستجب لك ، فحملت من يومها وما لبث عمران أن مات ، ولما تحقق حملها نذرت أن تجعل ما في بطنها متفرغا لخدمة بيت المقدس في طاعة الله : " إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " .

ولم تكن تعلم أنها تحمل أنثي ، فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثي والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثي أي في خدمة بيت المقدس فقد كان كل من فيه رجال ، فكيف ستكون أنثي بين الرجال ؟ كان عند الصالحين عفة وكرامة ويخافون علي أعراضهم كنور عيونهم ، ولكن الأم الصالحة حينما وضعت وليدتها علمتنا ثلاثة أشياء هامة ، وهذه نصيحة للأمهات الحوامل في صحة النية في مولودها الذي تحمله قبل أن تري عيناه الدنيا ، وتعليم لنا في الغاية من الإنجاب والذرية :

1- حسن التسمية واختيار الاسم الحسن فهذا من حق الولد علي أبيه ، " وإني سميتها مريم " ومريم تعني المرأة الصالحة أو العابدة .

2- الدعاء لها بالحفاظة من الشيطان وهو سبب كل معصية وبلاء ، فلم تطلب الاستعاذة من المرض أو الفقر وإنما عوذتها بالله من الشيطان الرجيم : " وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " ، ولم تقل من المرض الأليم أو الفقر الشديد ، وأدخلت في الدعاء ذريتها مع ابنتها ، أي فقه وأي فهم كان لهذه الأم التقية الصالحة ؟ وهذا درس للأمهات والجدات الصالحات ، فكم من قادة وعلماء وأئمة قادوا هذه الأمة إلي كل خير وفتح عظيم كان وراء نجاحهم أمهات صالحات قانتات عابدات .

3- أحسنت النية في هذه المولودة قبل ولادتها فنذرت هذا المولود لطاعة الله : " إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم " ، محررا أى فارغا من كل عمل إلا من طاعة الله .

قصص القرآن هو قصص الحق الذي يعلمنا النية في إنجاب الذرية ، ويعلمنا كيفية الدعاء لها بالخير ، ويعلمنا سنن الهدي التي يُنشئون عليها ليعرفوا حق ربهم وحق آبائهم وغاية وجودهم في الحياة .

* في الحكمة : ولدك ريحانتك سبعاً تشمه وتضمه ، وخادمك سبعاً يسعى في حوائجك ، ووزيرك سبعاً تنتصر به وتعتمد عليه وتستأنس برأيه . يجب أن يراعي في كل مرحلة سنية زمنية آدابها في السنة ، فمن حياة النبي نتعلم كيف نزرع لنجني أعظم حصاد وأطيب ثمار ، فالولد غرس أبيه ، والأبوان يجنيان ثمرة غرسهما إذا كان الغرس صحيحا وعلي أصول راسخة متينة .

نري في السنة مراعاة ثلاثة أمور هامة في التعامل مع الأبناء :

أولا : الرحمة :

كان رسول الله أرحم الناس بالصبيان والصغار ، وإذا سمع بكاء الطفل خفف الصلاة رحمة بأمه وشفقة عليه ، ومرة صلي فأطال السجود حتي ظن الصحابة أنه قبض ، فقال لهم إن ابني هذا وأشار إلي الحسن أو الحسين قد اعتلي ظهري فكرهت أن أرفع قبل أن يقوم .

وروى النسائي عن معاوية بن قرة عن أبيه قال : كان النبي إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه ، فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه ، ففقده النبي فقال : مالي لا أرى فلانا ؟ قالوا يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك ، فلقيه النبي فسأله عن بنيه فأخبره أنه هلك ، فعزَّاه عليه ، ثم قال : يا فلان أيما كان أحبَّ اليك أن تُمتع به عمرك أولا تأتي غذا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك ؟ قال : يا نبي الله بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إليَّ ، قال : " فذلك لك " .

كان أولاد عمر يلعبون علي بطنه وهو مستلق علي ظهره فدخل عليه أحد عماله فكأنه استنكر ما رأي فقال له عمر : وكيف أنت مع أهلك وولدك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إذا دخلت بيتي سكت الناطق ، فقال له : اعتزل عنا ، إذا كنت لا ترحم بأهلك وولدك فكيف ترحم بأمة محمد ؟

ثانيا : التعليم :

عقل الولد فارغ للبناء وصفحة بيضاء للكتابة فيها ، والولد يشيب علي ما شبَّ عليه ، والمراحل الأولي هي التي يستقبل فيها علومه وفهومه ، لهذا كان يحرص السابقون من صالحي هذه الأمة علي تعليم القرآن من الصغر لأنه الشفاء والنور والعلم والحكمة ، روي النسائي وابن حبان عن أنس أن رسول الله قال : " إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه : أحفظ ذلك أم ضيعه ؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته " .

والسنة عامرة بتعليم الصغار للعقيدة الصحيحة والآداب والسنن والحلال والحرام :

· ففي العقيدة روى الترمذي عن ابن عباس قال كنت خلف النبي يوما فقال لي : " يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، إذا سألت فسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعَنْ باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، وإن اجتمعوا عَلَى أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف " .

· وفي السنن والآداب روي البخاري في صحيحه عن عمر بن أبي سلمى يقول :كنت غلاماً في حجر رسول الله وكانت يدي تطيش في الصحفة ، فقال لي رسول الله : " يا غلام ، سمِّ الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك " قال : فما زالت تلك طعمتي بعد .

· وفي تعليم الحلال والحرام روي أحمد والترمذي وصححه والدارمي وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والبيهقي عن الحسن بن علي سمعت رسول الله يقول : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة " .

والتعليم بالقدوة له أبلغ الأثر من ألف مقال .

ثالثا : الصبر :

التربية تحتاج إلي صبر وحكمة دون ضجر وعجلة ، فالمربي حقيقة هو الله ونحن سبب ، انظر كيف ترفق إبراهيم مع ولده في أمر الذبح حتي رفع أفقه معه لأعلي مستوي للإيمان والتضحية ، هل تجد أعظم صورة للحلم والصبر وطاعة الولد لوالده كما تراها في طاعة إسماعيل لأبيه : " رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ " .

فالولد يحتاج إلي احترام عقله وفكره وتقديره مع الصبر ، " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " لماذا قال : اصطبر ولم يقل : اصبر ؟ أي ابدأ بنفسك فأحسنها وأتقنها وداوم عليها لتكون لهم قدوة ، والمؤمن في بيته عليه بالصبر علي أهله وولده ، فالنفس البشرية عنيدة ماردة شاردة لا تنقاد بالأوامر بقدر ما تنقاد بالترغيب والمثابرة ، ولا يكتفي بإعطاء الأوامر فما أيسر هذا ، بل يبدأ بنفسه فيكون لهم نعم القدوة الحسنة ، ولا يطالبهم بالكمال وفيه النقصان ، فالرحمة والصبر من صفات المتقين المحسنين الذين يحبهم الله ويباهي بهم الملائكة .

* عامة من كانوا حول النبي في بداية البعثة شبابا صغارا ولكنه غرس فيهم الرجولة فشبوا أئمة كبارا وقادة عظاما : في بداية البعثة كان سن عمر بن الخطاب ستة وعشرين عاما ، وفي أول الهجرة كان عمر أنس بن مالك عشر سنين ، وعند وفاة النبي كان سن عائشة سبعة عشر عاما وابن عباس كان سنه ثلاثة عشر عاما ، وأسامة بن زيد عَقد له لواء الجيش وسنه سبعة عشر عاما ، وأرسل معاذ بن جبل أميرا علي اليمن وسنه تسعة عشر عاما ومات وسنه ثلاثة وثلاثون عاما .

والعبادلة الثلاثة رواة الأحاديث عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود كانوا شبابا صغارا ، بارك الله في شباب الأمة فهم الرجال إن شاء الله ، لا كما يُراد لهم من التخنث والميوعة والفساد ، وقد مدح القرآن سن الفتوة في مواضع منها :

قصة أصحاب الكهف وكانوا شبابا : " إنهم فتية آمنوا بربهم " ، ومدح الله إبراهيم حينما كسر أصنام قومه فأججوا له نارا وهم يتساءلون من فعل هذا بآلهتنا ؟ فقالوا : " سمعنا فتي يذكرهم يقال له إبراهيم " .

* من دعاء خليل الرحمن إبراهيم " رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء " ، ومن دعاء عباد الرحمن " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما " ، فالولد الصالح والذرية الصالحة من أجَلِّ وأعظم نعم الله علي الإنسان وهي النافذة المفتوحة لاستقبال الأجر والثواب بعد الممات ، روي مسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال : قال : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " .

الدعاء للذرية سنة من سنن الأنبياء ، فالولد غرس أبيه ، وإذا كان أولادنا نعمة تستوجب الشكر فإنهم أيضا أمانة في أعناقنا ورعية يُسأل عنها الراعي يوم القيامة هل حفظ الأمانة أم ضيعها ؟ " كفي بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمرو ، يضيعه بالتقصير في قوت الأبدان كما يضيعه بالتقصير في قوت القلوب والأرواح ، وإذا كان الإنسان يولد حافيا عاريا باكيا وأهله من حوله يضحكون سرورا، فكيف يعمل ليوم وفاته عندما يخرج من هذه الدنيا أيضا حافيا عاريا وأهله من حوله يبكون عليه حزنا وألما أن يكون هو في ذلك اليوم ضاحكا مسرورا ، لأنه تخلص من عناء الدنيا وأفضي إلي رب كريم رحيم ؟؟

الوقت أمانة وأولادنا أمانة فماذا نحن فاعلون ؟ اللهم ارزق أولادنا حفظ كتابك ، وحب نبيك ، وبر آبائهم ، وطاعة علمائهم .

اللهم بارك لنا في ذرياتنا ، واجعلهم قرة عين لنا في الدنيا والآخرة يا أكرم الأكرمين ، من كان منا له ولد صالح فزد في صلاحه وتقواه ، ومن كان له ولد غير صالح فخذ بناصيته إلي الخير وحبب إليه الإيمان والطاعة وكَرِّه إليه الفسوق والعصيان .

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الموسوعات المتشابهة الموسوعة التالية
جديد الموسوعات
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net