16. علو الهمة .

عرض الموسوعة
16. علو الهمة .
2131 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" علو الهمة "

روي أحمد والترمذي عن عبد الله بن بسر قال : قال رسول الله : " خير الناس من طال عمره وحسن عمله " .

لا عبرة لعمر طويل وسنين عديدة إلا بما كان فيها من عمل صالح وسعي مشكور تبيض به الوجوه يوم القيامة ، وقلوب الصالحين دائما علي الخاتمة ، فعلي حسن الخاتمة بكت قلوب المتقين ، فاللهم ونحن في يوم جمعة ارزقنا عمرا مديدا مباركا في طاعتك ، وأسعدنا فيه بتقواك ولا تشقنا فيه بمعصيتك ، وارزقنا جميعا حسن الخاتمة ، وأخرجنا من الدنيا برضاك عنا يا أكرم الأكرمين .

الإسلام علم المسلم كيف يعيش وكيف يموت ، فمن عاش علي شيء مات عليه ، ومن مات علي شيء بعث عليه ، من عاش مؤمنا مسلما طاهرا مستقيما طائعا تقيا خاشعا فسيموت موحدا طيبا طاهرا .

* إن الأمم لها منحنيات في الصعود والهبوط ، ولها أسباب لعزها وبقائها ، كما لها أسباب لذلها وفنائها ، إلا هذه الأمة الخاتمة فإنها لا تزول من الوجود حتى قيام الساعة ، لأن عناصر البقاء والقوة لا تكمن في كثرة عددها الذي قد ينقص ، ولا في عتادها الذي قد يضعف ، ولا في كثرة أعدائها مهما بلغت قسوتهم وشراستهم ، وإنما بقاؤها في منهجها ، ومنهجها في كتاب ربها وسنة نبيها ، وهذا المنهج محفوظ بعناية الله لا بعناية البشر ، فقد ينهزم المسلمون ولكن الإسلام لا يضعف ولا يشيب كمنهج للحياة :

روي أحمد وابن جرير عن أبي أمامة أن رسول الله قال : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين ! لا يضرهم من خالفهم إلا أصابهم من لأواء وهم كالإناء بين الأكلة حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك ، قالوا : يا رسول الله ! وأين هم ؟ قال : ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس " . نصر الأمة . عز الأمة . قوة الأمة . شرف الأمة . كرامة الأمة . كل ذلك يبدأ من داخلها ، وهزيمة الأمة . وذل الأمة . وتسلط أعداء الأمة . كل ذلك يبدأ من داخلها ، ولذلك لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

* يوم نصر الله الدين كان هناك رجال ونساء وشباب وأطفال يحبون ربهم ويتبعون نبيهم ويحترمون دينهم ، فهؤلاء ينزل عليهم النصر وتنزل عليهم السكينة :

قال ابن هشام في السيرة : وقد كان مسيلمة بن حبيب ، قد كتب إلى رسول الله من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله : سلام عليك ; أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك ، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريشا قوم يعتدون . فقدم عليه رسولان له بهذا الكتاب . قال نعيم بن مسعود : سمعت رسول الله يقول لهما حين قرأ كتابه : " فما تقولان أنتما ؟ " قالا : نقول كما قال ، فقال : " أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما " . ثم كتب إلى مسيلمة : " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله ، إلى مسيلمة الكذاب : السلام على من اتبع الهدى . أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " .

ذكر القرطبي في تفسيره عن ابن إسحاق : عن كعب الأحبار قال: ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم أخو بني مازن بن النجار الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة حين جعل يسأله عن رسول الله ، فجعل يقول: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ فيقول : نعم ، ثم يقول : أتشهد أني رسول الله ؟ فيقول له : لا أسمع ، فيقول مسيلمة : أتسمع هذا ، ولا تسمع هذا ؟ فيقول : نعم .

فجعل يقطعه عضوا عضوا، كلما سأله لم يزده على ذلك حتى مات في يديه. ولما وصل بر استشهاده لأمه نسيبة بنت كعب أم عمارة احتسبته عند الله .

* في القرآن شفاء . نور . برهان . هدى ورحمة لقوم يؤمنون . يشخص القرآن داءا عضالا قد يصيب أي أمة مؤمنة إذا توالت عليها الهزائم والمحن فأماتت فيها العزائم والهمم ، ثم يصف الدواء الشافي لمرض ضعف الهمة :

لا يتصور في التاريخ قهر وظلم وجبروت وطغيان كجبروت فرعون وظلمه وطغيانه ، فقد ذبح الأطفال واستحيا النساء وقتل الأبرياء ، وادعي الألوهية ، وسام قوم موسى سوء العذاب .

وحينما بعث موسى ، كان يظن قومه من بني إسرائيل أنهم تخلصوا من جبروت الطاغية فرعون ، ولكن الأمور ظلت كما هي ، بل جاء التهديد لنبيهم بالقتل علي يد فرعون ، وجاءوا لنبيهم يقولون له : " قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون " .

* أول داء وعرض من أعراض موت الهمة هو العجلة في رؤية النتائج دون أن يتركوا لسنة الله أن تأخذ مجراها ، وابن آدم في دمه العجلة ، يرفع يديه بالدعاء وقبل أن يخفض يديه يريد أن يرى الإجابة ، ولو يعجل الله لكل ظالم عقابه وعذابه لما بقي علي الأرض أحد ، ولكن علم الله محيط بجميع خلقه ، ومشيئة الله نافذة لا محالة ، والله لا يعجل لعجلة احد .

" قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " ولم يقل للأقوياء ولا للأغنياء وإنما للأتقياء .

هذا هو الذي واجهه موسى فماذا يفعل ؟ ومن أين يبدأ لعلاج امة مريضة طال عليها أمد الظلم والهر والطغيان وطال ليلها حتى لا يبدو لفجره طلوع ؟ إنه أمام أمة مقهورة . وفيها العجلة والسخط والضجر . وماتت فيها العزائم ، لأنها ألفت الذل والهوان .

انظر كيف يربي الأنبياء أقوامهم . لأن التاريخ يقص علينا أحوال أمم غابرة هلك فيها من هلك ونجا فيها من نجا ، وكان للنجاة والهلاك سنن ثابتة لا تتغير أبدا ، ولكن أين من يقرؤها ويفقهها ؟

1- إنه ذكرهم بقوة الله . فالسموات والأرض في قبضته ، فلا يستعينوا بعدو ولا يعتمدوا علي منافق ولا يتيقنوا علي نفوسهم وقوتهم ، بل استعانتهم بالله وتعلقهم به وحده يعطيهم القوة والاستعلاء حتى تصير الحياة رخيصة في عيونهم كما ضحى بها السحرة حينما دخل نور الإيمان إلي قلوبهم ، فاستخفوا بفرعون وبطشه ، فعاش السحرة شهداء عند ربهم يرزقون ، وهلك فرعون كما هو مصير كل فرعون جبار عنيد .

2- ذكرهم بالصبر وعدم العجلة حتى ينزع منهم الملل ويضع أقدامهم علي طريق الطاعة والاستقامة

3- وذكرهم أن العبرة بالخواتيم ، والعاقبة للمتقين .

فهذه ركائز القوة : إيمان . وصبر . وتقوى . وهذه عناصر الاستقامة في أي شريعة وملة ودين .

* ثم جاءت مرحلة التكليف بالأعمال ، فالنصر والتمكين له ثمنه من العرق والدموع والتضحية ، فالدنيا ليست ميدانا للنوم والأكل والشرب والشهوة ، لأن الجنة غالية ، واستفهام القرآن لمن يريدونها براحة الأبدان واسترخاء العقول يبين لهم أن الأنبياء وأتباع الأنبياء لم يدخلوها إلا بعد دفع الثمن ، فكيف بمن هم دونهم علما وتقوى وخشوعا وورع ؟؟ " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " .

ماذا فعل موسى ؟ " فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين " .

1- نزع من قلوبهم رهبة المخلوق ، فلا يخافون الفقر ولا الموت ، " وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين . فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين . ونجنا برحمتك من القوم الكافرين " .

هذه قاعدة البناء ويجب التذكير بها كل حين ، أن لن ينفعنا إلا الله ، ولن ينصرنا إلا الله ، ولن يحمينا إلا الله ، ولن يكفينا إلا الله ، " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " .نعم الله هو مولانا ، فنعم المولى ونعم النصير .

2- ثم بدأ يهيئ الأمة إيمانيا ، هل تدرون كيف كان المخرج من هذه البلية التي كانوا فيها من بطش فرعون وقومه ؟ إنه أمرهم أن يحولوا الأرض كلها إلي محراب ليس فيه إلا الطاعة والذكر والتسبيح ، فلا مظهر لفسوق وعصيان ومخالفة : " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوأا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين " .

من البيوت توجه سهام الدعاء للنصر لأن البيوت تتعرض لسهام الأعداء لدمار الأسرة وأكل الأوقات في الغفلات وضياع الطاقات في إماتة الهمم وفساد القلوب وخراب العقول .

ولا يظن أحد أن الدواء هو الهروب من ساحة الحياة ولزوم البيوت ، وإنما المراد أن تكون البيوت محاضن تربية مشغولة بالعلم النافع والعمل الصالح ، فإذا كانت البيوت التي هي محل الطعام والنوم والشهوة قد أصبحت كخلية النحل يسمع منها دوي قراءة القرآن ، وتلتف فيها الأسرة حول سيرة نبيها تتعلمها وحول سيرة أصحابه تدرسها ، حول القرآن تحفظه وتتلوه وتتعلم معانيه ، حول السنن تحييها وتنشرها .

هذه هي معالم الأمة المنصورة . الأمة المرحومة . الأمة التي لا يتخلى عنها ربها . من هنا البداية . فهذه أمة ولود فيها أمثال خالد بن الوليد . وصهيب . وسلمان . وبلال . وياسر . وعمار . ومعاذ . والبراء . خمائر النصر تجري في دمائها وعروقها إلي أن تجد من يسقيها ويرويها فتؤتي ثمارها بإذن ربها .

أعلم من سيرة أحد العلماء الدعاة في عصرنا الحاضر ، أن أمه كانت عمياء ، وكانت توقظه من الليل ليقرأ عليها سيرة الصحابة وتقول له : يا بني أنت الآن تسمعني وحدي ، وغدا سيسمع منك الألوف . وقد حصل وصار من علماء الأمة الكبار .

* لو بلغت الأمة إلي هذا الأفق من الفهم والوعي والبصيرة ، والجد والسعي والعزيمة في العمل والهمة والنشاط في الجهد ، فتأتي آخر مرحلة وهي مرحلة الدعاء . هنا يصبح الدعاء قويا . لأن الدعاء القوي المسموع هو الذي يسبقه عرق وتضحية ودموع :

" وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم . قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون " .

الفرق الوحيد بين دعاء هذه الأمة ودعاء من سبقها من الأنبياء والمرسلين ، هي أنها آخر أمة . هي أنها خاتم الأمم . وهي تابعة لنبيها خاتم الأنبياء . وخاتم الأنبياء حينما ضرب وسال دمه أبى هلاك القوم لأنه رحمة للعالمين ، فقال : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . فالدعاة رحمة علي جميع البشرية ، ومن لم يقبل هذه الرحمة فقد عرض نفسه لعذاب الله في الدنيا والآخرة .

حينما أحاطت الأحزاب بالمدينة . وأصيب الصحابة بخوف شديد ، فالمشركون أمامهم ، ولا يأمنون غدر اليهود من خلفهم ، فقالوا : ماذا نقول يا رسول الله ؟ قال لهم قولوا : اللهم استر عوراتنا . وآمن روعاتنا .

* روي مسلم وأحمد عن أبي هريرة عن النبي قال : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا ، لكن قل : قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان " .

الهمم أرزاق ، فكيف تعلو الهمم وتشتاق إلي المنازل العالية ؟ المؤمن الصادق لا يقنع بما هو عليه من طاعة وإيمان بل دائما تهفو نفسه إلي المنافسة لأعلي الدرجات وبلوغ القمة فيما يقربه من الله وينال به رضوانه ورضاه ، " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " .

* وقيل في الحكمة : من لم يمرن نفسه علي صعود الجبال ، عاش طيلة حياته بين الحفر . علو الهمة له أسبابه ومنها :

1- صحبة الصالحين ذوي الهمم العالية ، فإن رؤية الصادقين المجتهدين تقدح في النفس الغيرة للمنافسة وحسن الاقتداء ، فالسماع يختلف عن الرؤية ، فمهما سمع الإنسان عن الصدق والأمانة لن يتأثر قلبه كما لو رأي موقفا من إنسان فيه صدق وأمانة ، فلسان الحال أبلغ دائما من لسان المقال . قال ابن عطاء الله : لا تصحب إلا من ينهضك حاله و، ويدلك علي الله مقاله .

2- طلب العلم النافع الذي يدفع إلي العمل الصالح ، فالنفس مجبولة علي التأثر بما تسمعه من ترغيب وتشويق ، فتعلو فيها الهمة لحصول الموعود من الأجر والثواب ، وهذه هي بركة العلم في تغيير النفوس وإصلاح الأحوال وخشية القلوب ، " إنما يخشى الله من عباده العلماء " .

3- الدعاء الصادق من قلب خاشع والتملق والبكاء أمام الله ليمن علينا برزق الطاعة فهو أطيب الرزق وأحلاه وأدومه وأبقاه ، وكان من دعاء النبي : " اللهم إني أسألك علما نافعا وعملا متقبلا " رواه الطبراني عن جابر .

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الموسوعات المتشابهة الموسوعة التالية
جديد الموسوعات
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net