17. الوفاء .

عرض الموسوعة
17. الوفاء .
1895 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" الوفاء "

الوفاء بالعهود برهان صدق الإيمان ، فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، فالمؤمن لا تراه أبدا بوجهين ولا بلسانين ، فالصدر فيه قلب واحد لا قلوب متفرقة ، والأوفياء يفهمون معني ما عاهدوا الله عليه ، فلا يخونون ولا يغدرون ولا يوعدون فيخلفون بل يوفون بعهودهم إذا عاهدوا ، فالمؤمن وقاف عند حدود الله ، " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا "، حقا " إنه لا دين لمن لا عهد له " .

لا يخرج الوفاء من قلب إلا إذا كان موصولا بالله ومليء نورا وعلما ويقينا ، قلب يذوق حلاوة الإخلاص ويفهم معني العطاء والتضحية ، يعرف الفضل لأهل الفضل ، يعترف بالجميل ويرد الإحسان بالإحسان " فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان " .

* ليلة الهجرة ترك النبي عليا لرد أمانات الناس التي كانت عنده لأصحابها ، وكان يمكن له أن يهرب بها أو يرسلها إلي من طردوا من بلادهم وأخرجوا من ديارهم ظلما وعدوانا ، فتكون لهم عوضا عما فقدوه ، ولكن ما هكذا تكون الأمانة ولا هكذا يكون الوفاء بالعهود ولا هكذا وصانا ربنا الذي يقول : " وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون " . وأثني علي أهل الوفاء فقال : " ومن أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " .

وفي رحلة الهجرة وعدت قريش لمن يأتي بالنبي حيا أو ميتا مائة ناقة ، فتحرك الكثيرون للطلب رغبة في هذا العطاء والإغراء وكان منهم سراقة بن مالك الذي أدرك النبي وصاحبه أبا بكر في الطريق ، فما أن رآه أبو بكر حتي خاف لا علي نفسه وإنما علي النبي أن يصاب بسوء ، ولكن النبي طمأنه لأنه في معية ربه ودعا الله أن يكفيه شر سراقة فساخت أقدام الفرس في الأرض ووقع سراقة ، وحاول ثلاث مرات حتي قال سراقة في الثالثة : دعني يا محمد . أرسلني ولا أعود . فعرض عليه الإسلام وقال : يا سراقة هل لك أن تسلم ويعطيك الله سواري كسري بن هرمز !!! عرض عجيب في موقف عصيب وهو لا يزال مطاردا لم يصل للمدينة بعد . فانصرف سراقة مفكرا فيما قيل له وقد أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه .

وبعد سنين طويلة فتحت بلاد فارس ودخل الصحابة للمدائن وجيء بكنوز كسري وفيها سواريه وحملت إلي المدينة المنورة ، فلما نظر إليها عمر ووجد سواري كسري بن هرمز تذكر وعد النبي لسراقة فنادي عليه : يا سراقة !! فجاء سراقة وقد كبرت سنه وسقط حاجبيه علي عينيه فقال له : ألم يعدك رسول الله بسواري كسري بن هرمز ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال هاهما ودفعهما إليه ، فأخذهما سراقة وأخذ ينظر إلي عمر ويبكيان ، فماذا يفعل سراقة بالذهب وقد استنار قلبه بالإيمان فصار الذهب في عينيه هو والتراب سواء .

يا أهل الإيمان هذا هو الوفاء بالعهود ، لم يسقط بالتقادم ولا نسيه أهل الوفاء مع تقادم السنين فهل نحن فينا أخلاق الوفاء كما تزينت بها أخلاق من سبقنا من الصالحين ؟؟!! وهذه خمس صور للوفاء :

* أولا : الوفاء مع الله بالطاعة له سبحانه :

ومعرفته حق معرفته وعبادته حق عبادته وشكره حق شكره ، فالله هو إلهنا وولي نعمتنا وما بنا من خير ونعمة فمنه وحده سبحانه ، وانظر إلي دعاء النبي الذي رواه البخاري وهو يستغفر ربه مقرا له بنعمه عليه : " اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ ، خلقتني وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " .

تذكر عهد الله بالطاعة فهو من صلب العقيدة والإيمان " ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين . وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم " .

وكيف نكون أوفياء مع الله ؟ بالإيمان به وإخلاص العمل له ، ثم العمل بما أمر به وترك ما نهي عنه ، " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " .

كيف كان وفاء أعظم الأوفياء ؟ ألم يقم الليل حتي تفطرت قدماه ، ولما سألته عائشة : لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أحب أن اكون عبدا شكورا " .

لم يحضر أنس بن النضر غزوة بدر، فحزن لذلك، ثم قال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين فيه، ولئن أشهدني الله مع النبي قتال المشركين ليرينَّ ما أصنع. وهكذا أخذ أنس بن النضر عهدًا على نفسه يستدرك ما فاته من الثواب في بدر، فلما جاءت غزوة أحد انكشف المسلمون، وحدث بين صفوفهم اضطراب .

فقال أنس لسعد بن معاذ : يا سعد بن معاذ، الجنَّةَ ورَبَّ النَّضْر، إني لأجد ريحها من دون أحد ، ثم اندفع أنس يقاتل قتالا شديدًا حتى استشهد في سبيل الله، ووجد الصحابة به بضعًا وثمانين موضعًا ما بين ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بالسهم، ولم يعرف أحد أنه أنس بن النضر إلا أخته بعلامة في إصبعه. [متفق عليه]. كيف وفي أنس بن النضر بعهده مع الله ؟؟؟
فكان الصحابة يرون أن الله قد أنزل فيه وفي إخوانه قوله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} [الأحزاب: 23].

* ثانيا : الوفاء مع رسول الله :

بحبه وتعلم سيرته وأخلاقه والاقتداء بسنته وهديه وكثرة الصلاة عليه . يقول النبى يوم أحد من يدفعهم عنى وله الجنة فيأتي عمارة بن يزيد بن السكن أحد الأنصار ويظل يدافع ويدافع عن رسول الله حتى يسقط شهيداً على الأرض , فيقول النبى : ضعوا خده على قدمي - أى لا تضعوه فى التراب - ثم يرفع النبى رأسه إلى السماء ويقول : اللهم أنى أشهدك أنه قد وفى .

هل وفيت مع رسول الله مثلما وفى عمارة بن يزيد ؟ هل عمرت مسجدا هل تعلمت سورة من كتاب الله هل دعوت أحدا إلي الله ماذا فعلت لدينك وهل وفيت بعهدك مع رسول الله أن تحمل همه ودينه وتنشر هديه وسنته أليس هو القائل في حجة الوداع " بلغوا عني ولو آية " ، وقال : " فليبلغ الشاهد منكم الغائب " .

* ثالثا : الوفاء للوالدين :

بالرحمة عليهما وخفض الجناح لهما وخفض الصوت عند الحديث معهما فلا يغضبهما بل يبرهما بالطاعة والتوقير والاحترام لا سيما عند الكبر بل يمتد البر بهما بعد مماتهما بخمسة أمور وصانا بها نبينا :

روي أبو داود وغيره عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال : بينا نحن عند رسول الله إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول اللّه ، هل بقي من برِّ أبويَّ شيء أبرُّهما به بعد موتهما ؟. قال : " نعم ، الصلاة عليهما والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، وإكرام صديقهما " . " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً " .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله : " نمت فرأيتني في الجنة، فسمعت قارئا يقرأ ، فقلت من هذا ؟ " قالوا : حارثة بن النعمان ، فقال رسول الله : " كذلك البر كذلك البر كذلك البر" قالت عائشة : وكان أبر الناس بأمه .

* رابعا : الوفاء لمن أحسنوا إلينا :

أحسن لمن أحسن إليك ، ولا تقابل المعروف والإحسان بالجحود والنكران فليست هذه أخلاق الأوفياء ، يقول الإمام أحمد بن حنبل : ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أستغفر للشافعي وأدعو له . يقول أحد تلامذة أبى حنيفة : والله إنى لأدعو لأبى حنيفة قبل والدي فى الصلاة .

ويقول أبو حنيفة : ما مددت رجلي نحو دار أستاذي حماد وفاء له وإن بين بيتي وبيته لسبع سكك . روي أحمد عن عبادة بن الصامت عن النبي قال : " ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه " . هل تذكرت يوما أن تدعو لمن علمك حرفا أو آية أو دعاءا أو علما نافعا ، اللهم اغفر وارحم لمن علمونا واجزهم عنا خير الجزاء .

* خامسا : الوفاء بالعهود والعقود مع جميع الناس :

ويدخل فيه كل ما ألزمنا به أنفسنا من عقود الأمانات والمعاملات مما يجب الوفاء بها فالمسلمون عند شروطهم ، ومن هذه الصور لتلك العقود :

1- الوفاءُ بالدَّيْنِ ، فقدْ يستهينُ بعضُ الناسِ بوفاءِ الدَّيْنِ معَ العلمِ بأنَّ سدادَهَا مِنْ آكدِ الحقوقِ عندَ اللهِ تعالَى، روي البخاري عن أبي هريرة قال : قَالَ رسولُ اللهِ : " مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ " . ونفس الميت معلقة بدينه علي باب الجنة حتي لو مات شهيدا في سبيل الله ، روي مسلم عن أبي قتادة عن رسول الله أنه قام فيهم فذكر لهم : " أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال " فقام رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي ؟ فقال له رسول الله : " نعم . إن قتلت في سبيل الله ، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر " ثم قال رسول الله : " كيف قلت ؟ " قال : أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي ؟ فقال رسول الله : " نعم . وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر. إلا الدين . فإن جبريل عليه السلام ، قال لي ذلك " .

2- الوفاءُ بالكيلِ والوزنِ، وهذَا هوَ المجالُ الذِي يتعلقُ بحقوقِ الآخرينَ ومَا يترتبُ عليهِ فِي قوامِ حياتِهِمْ ومعاشِهِمْ ، والوفاءُ فيهِ يُصْلِحُ للناسِ أحوالَهُمْ ويحفظُ لهمْ حقوقَهُمْ ، فلا غش في سلعة ولا بيع ولا شراء ، فمن غشنا فليس منا ، قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ : " وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً " .

3- وأوجبَ العقود التي أمر الله بالوفاءَ بِهَا عقدُ الزواجِ ، فهُوَ مِنْ أوثقِ العقودِ، وشروطُهُ أولَى الشروطِ بالوفاءِ ،ااا روي البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر قَالَ : قال رسولُ اللهِ : " أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنَ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ " .

وهذا خير الأوفياء وتاج العابدين وإمام المتقين رسولُ اللهِ الذي جعلَهُ اللهُ تعالَى أسوةً حسنةً لنَا فِي الوفاءِ بالعهود . وهذهِ صورةٌ مِنْ صورِ الوفاءِ العظيمةِ يرويهَا البخاري عن عائشة قالت : ما غرت على أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة وما رأيتها ، ولكن كان النبي يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ، ثم يقطعها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة ، فيقول : " إنها كانت ، وكانت ، وكان لي منها ولد " . وفي رواية أحمد كانت السيدة عائشة تغار منها وهي في قبرها، فقالت للنبي ذات يوم : هل كانت إلا عجوزًا قد أبدلكَ الله خيرًا منها ؟ فغضب النبي غضبًا شديدًا، وقال لها : " والله ما أبدلني الله خيرًا منها ؛ آمنتْ بي إذ كفر الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء " . من الوفاء للزوجة أن تذكر صبرها وتحملها وتضحياتها فكم مرت أيام وشهور وسنين بحلوها ومرها فمن الوفاء ذكر حسناتها وغض الطرف عن هفواتها ، وأهل المعروف والإحسان هم أولي الناس بالوفاء .

* أخرج أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: جاء رسول الله بيتنا وأنا صبي صغير، فذهبت ألعب فقالت أمي لي: يا عبد الله تعال أعطيك. فقال رسول الله : " ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمرا قال: إما أنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة " . الولد يمتص القيم من أمه وأبيه فازرع فيهم الوفاء والصدق ، فالكلمة أمانة والوفاء بالكلمة دليل الصدق والبراءة من الكذب والنفاق .

روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان " .

يقول عبد الله بن عمرو بن العاص أن أباه لما حضرته الوفاة قال: أشهدكم أني زوجت ابنتي من فلان ، وذلك لأني أعطيته شبه وعد بذلك آنفاً ، وما أحب أن ألقى الله بثلث النفاق . الكلمة أمانة وكم من وعود وعدنا بها تحتاج إلي الوفاء قبل أن نلقي الله .

اللهم اجعلنا من أهل الوفاء بالعهود ممن إذا حدثوا صدقوا ، وإذا وعدوا أوفوا ، وإذا ائتمنوا أدوا الأمانات إلي أهلها .

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الموسوعات المتشابهة الموسوعة التالية
جديد الموسوعات
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net