18. حق المسلم على المسلم .

عرض الموسوعة
18. حق المسلم على المسلم .
4889 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" حق المسلم على المسلم "

روي البخاري ومسلم عن أنس عن النبي قال : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" .

الحياة لا تطيب إلا بالإيمان ، ولا تري بين الناس رحمة وفي القلوب محبة ومودة إلا بالإسلام ، فالإسلام جاء ليبني أمة صالحة طاهرة ، يؤلف بين قلوبها ويوحد صفوفها ويجمع كلمتها وتلتقي القلوب فيه علي الخير والحق ، فالمسلم لا يعيش في هذه الحياة منعزلا منفردا مترهبنا في جزيرة معزولة عمن حوله ، وإنما هذا الدين يجمع شتات البشر مهما اختلفت الألوان واللغات والأجناس ، وسلوا العائدين من العمرة عمن وجدوا في الطواف وعما سمعته آذانهم ، من كل بقاع الأرض كلهم جاء يرجو الرحمة والمغفرة ، تسمع من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وعن يسارك من يقول : رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم .

من الذي جمع هؤلاء من مشارق الأرض ومغاربها ؟ إنه الإسلام ، هذا الدين ، ولا يمكن أن يجمع الناس مع هذا الاختلاف إلا الحق ، فالحمد لله علي نعمة الإسلام الذي ألف بين قلوب عباده علي طاعته ، وجعل لكل مسلم حقوقا علي أخيه المسلم ، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله كما أخبرنا رسول الله فيما رواه البخاري عنه في صحيحه .

* الأخوة في هذه الحياة علي وجهين :

1- أخوة النسب : كأخيك لأمك وأبيك أو أخيك لأب أو أخيك لأم ، وهذه أخوة منقطعة يوم القيامة ، لأنه إذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ولا يتساءلون ، بل هناك الفرار حتي من أقرب الناس إلي الإنسان " يوم يفر المرء من أخيه . وأمه وأبيه . وصاحبته وبنيه . لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه " .

2- وهناك أخوة الإيمان : وهذه هي الباقية التي تدوم ، لأنها كانت في الله ولله ، وما كان لله دام واتصل ، وما كان لغير الله انقطع وانفصل ، " إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم " .

* من أوائل الأمور التي قام بها النبي عند هجرته إلي المدينة ثلاثة أشياء هامة وهي :

1- أصلح بين الأوس والخزرج .

2- آخي بين المهاجرين والأنصار .

3- قام ببناء المسجد ليربي فيه الرجال ويصنع فيه خير أمة .

كان سعد بن الربيع من أكثر الأنصار مالا، وعبد الرحمن بن عوف قد هاجر من مكة ولا شيء معه والله تعالي يقول " أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ " ، نظر سعد إلي عبد الرحمن وقال له: إني من أكثر الأنصار مالا، فتعال أقاسمك مالي، وعندي داران اختر إحداهما أتركها لك، وعندي زوجتان انظر إلي أحبهما إليك أطلقها لتتزوجها .

ننظر إلي هذا الإيثار ، يؤثر الرجل بنصف ماله وداره ، وبإحدى زوجتيه ؟؟ أرأينا مثل هذا في تاريخ أمة من الأمم ؟ أرأينا صحابة نبي من الأنبياء أو مصلح من المصلحين له أنصارا وتلاميذ بلغوا هذا الأفق الراقي من الجود والكرم والإيثار ؟

لكن عبد الرحمن بن عوف قابل هذا الإيثار الكريم بتعفف نبيل، سخاء يقابله عفة ، قال له : بارك الله لك في مالك وبارك الله في دارك، وبارك لك في أهلك ، إنما أنا امرؤ تاجر فدلني علي السوق ، ذهب عبد الرحمن إلي السوق ليبيع ويشتري فوفقه الله وربح ، وكان كلما اشتري شيئا

ربح فيه ، يقول : لقد رأيت نفسي ولو أني رفعت حجرا كأني أجد تحته ذهبا أو فضة .

يده مبروكة ، لا يتاجر في شيء إلا ربح فيه، سرعان ما ربح ، وظهرت عليه آثار النعمة ، وجاء إلي النبي ورائحته تفوح عطرا ويلبس ثيابا جديدة ، وعرف منه أنه تزوج فقال له : أولم ولو بشاة . هذا الطراز العجيب الفريد من الرجال كيف أطل علي هذه الحياة بهذه الأخلاق التي لا مثيل ولا شبيه لها ؟ إنه صنع في الإسلام الذي نسج بين القلوب محبة من عند الله : " وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم " .

لهذا قال ابن مسعود للتابعين : أنتم أكثر صياما و أكثر صلاة و أكثر اجتهادا من أصحاب رسول الله و هم كانوا خيرا منكم ، قالوا : لما يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : هم كانوا أزهد في الدنيا و أرغب في الآخرة " .

* روي مسلم وأحمد عن أبي هريرة عن النبي قال : " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ " قِيلَ : مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: " إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ " . هذه الحقوق ليست منة ولا تفضلا من أحد علي أحد وإنما هي حقوق المسلم علي المسلم أكد عليها الشارع الحكيم وجعل أولاها أبسطها وأيسرها وهي :

1- السلام : أن تسلم عليه إذا لقيته ، فأبخل الناس من يبخل بالسلام ، والسلام والتحية مفتاح القلوب ، روي مسلم عن أبي هريرة عن النبي قال: " لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم "، وروي البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي فقال: أي الإسلام خير؟ قال:" تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " .

بشاشة الوجه عند اللقاء والمبادرة بإلقاء السلام وتبسمك في وجه أخيك ، هذه أعمال يسيرة ولا كلفة فيها ولا مشقة ولا نفقة ولكن لها أبلغ الأثر في تآلف القلوب ، لذلك شرع لنا رسول الله هذه السنة فيسلم الصغير علي الكبير والماشي علي القاعد ويسلم القليل علي الكثير .

والسلام اسم من أسماء الله وتحية الملائكة للمؤمنين في الجنة ، بل أمرنا إذا دخلنا بيوتا أن نبدأ بالسلام علي أنفسنا وعلي من لقيناه تحية من عند الله : " فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً " .

أحيوا تحية الإسلام ففيها سلام ورحمة وبركة ثلاثون حسنة ما أحوجنا إليها ، والمسلم مميز في سلامه وتحيته كما هو مميز في عقيدته وعبادته .

* 2- وأما إجابة الدعوة : ففيها تواصل ومحبة وهي من حقوق المسلم ، ومقصودها الدعوة إلي وليمة أو طعام أو ضيافة ، فإذا دعاك أخوك المسلم فأجب دعوته ما لم تكن إثما ، وهذا الحق يؤلف القلوب ويدخل السرور ويتأكد إذا صاحبه مناسبة فرح وسرور ، روي مسلم عن النبي قال : " مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ " ، ووري أبو داود : " مَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ " ، حتي لو دعاك أخوك وكنت صائما صوم نفل لك أن تفطر إكراما له ، أخرج البيهقي من حديث أبي سعيد الخدري قال : صنعت لرسول الله طعاما وأتاني هو وأصحابه فلما وضع الطعام قال رجل من القوم : إني صائم ؛ فقال رسول الله : " دعاكم أخوكم وتكلف لكم ، أفطر واقض يوما مكانه " وفي رواية " إن شئت " ورواه الطبراني وأبو داود عن جابر .

* 3- النصيحة : ومن حقوق المسلم عليك أن تشير عليه بالخير إن طلب منك ، فالدين النصيحة والمستشار مؤتمن ، ومن كمال الإيمان أن تحب له الخير كما تحبه لنفسك ، ومن أشار علي أخيه بأمر يعلم أنه ليس فيه مصلحة فقد غشه وخدعه ، روي البخاري ومسلم عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ " . فالْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يخذلُهُ ولاَ يحقرُهُ ، بلْ يُحبُّ لهُ مَا يُحبُّ لنفسِهِ ويكرَهُ لهُ مَا يكرَهُ لنفسِهِ ، وهذَا هوَ الإيمانُ الصادقُ .

ومن أرشد أخاه سرا فقد نصحه ، ومن نصحه جهارا فقد فضحه ، وشتان بين النصيحة والفضيحة والحكمة تقول : أد النصيحة علي أفضل وجه واقبلها علي أي وجه .

كما ومِنْ حقِّ أخيكَ عليكَ إذَا عطسَ وحمدَ اللهَ تعالَى فقالَ : الحمدُ للهِ. أنْ تشمِّتَهُ بقولِكَ : يرحمُكَ اللهُ . فأنتَ تدعُو لهُ بالرحمةِ، وهوَ يُجيبُكَ بقولِهِ: يهديكُمُ اللهُ ويصلح بالكم .

* 4- وأما عيادة المرض : فالمريض يحتاج إلي كلمة طيبة ووجه بشوش ودعاء صالح من أخ أو جار أو قريب ، فقد تكون عيادة المريض أبلغ أثرا من الدواء في نفس المريض وأسرع لشفائه ومعافاته مما هو فيه ، روي الترمذي عن أبي هريرة عن النبي قال : " من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا " .

كم من مريض طريح الفراش لا زائر له ، رغم أن الرحمة تغمر المريض وزائره ، ألا يكفيه ما جاء في الحديث القدسي يقول الله يوم القيامة : " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ، قال : يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أن فلانا مرض فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده " .

* 5- اتباع جنازته : ومِنْ حقِّ المسلمِ إذَا ماتَ أنْ تتبع جنازته، وتصلِيَّ عليهِ، وتواسي أهله في مصابهم وتشاركهم فيما هم فيه من ألم الفراق بالدعاء والتصبر ، فإنَّ المسلمَ محتاجٌ إلَى دعوةٍ صادقةٍ مِنْ أخيهِ ، روي مسلم عن ابن عباس أن رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: " مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً لاَ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئاً إِلاَّ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيه " .

وكان نبينا يقوم علي جنائز أصحابه ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة ويطلب ممن حضر الدعاء بالتثبيت لأن الميت يسأل فور دخوله قبره بل ويسمع قرع نعال المشيعين ، كما أخرج البخاري عن أنس عن النبي قال : " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه - حتى أنه يسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فيقعدانه .." .

إذا علمت بموت مسلم جار أو قريب أو بعيد ودعيت للجنازة فهذا حقه عليك لا تتهاون في تشييع أخوك إذا مات ، يقول لك بعضهم : أنا مشغول ولا وقت لدي !! هذا المشغول متي سيفرغ من أشغاله ؟ وهل ينتظر يوم موته فلا يجد أحدا يشيعه ويمشي في جنازته يدعو له بدعوة هو أحوج ما يكون إليها من كنوز الأرض وحطامها التي شغلته عن الله ؟؟ اللهم نسألك حسن الخواتيم .

* سائل يسأل : متي ينصر الله هذه الأمة ؟ ومتي تجتمع بعد فرقة وتلتقي بعد شتات ونزاع ؟ والجواب : حينما تتحول الأقوال إلي أفعال والمعلومات إلي معمولات ، ويصبح كلام الدين أعمال الدين ، فالأقوال وحدها لا تغير أمة ولا تصلح حالا إنما الأعمال هي التي يغير الله بها الأحوال ، وهذا كان أبلغ جواب أجابته عائشة

لمن جاء يسألها عن خلق رسول الله فقالت : كان خلقه القرآن .

من رآه أول مرة هابه لنوره وبهائه ووقاره ، ومن عاشره أحبه للينه وطيب عشرته وحسن أخلاقه ، ما دعا أصحابه لخير إلا وكان أول المسارعين إليه والقائمين به ، فأصبح لهم قدوة ، وأصبحوا يتعلمون من أعماله وأخلاقه كما يتعلمون من أقواله وكلامه .

* السابق بالخيرات هو الفائز بالرضوان فطوبي للسابقين ، روي مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : " من أصبح منكم اليوم صائما ؟ " قال أبو بكر : أنا . قال : " فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟ " قال أبو بكر : أنا . قال : فمن أطعم منكم اليوم مسكينا ؟ " قال أبو بكر : أنا . قال : " فمن عاد منكم اليوم مريضا ؟ " قال أبو بكر : أنا . فقال رسول الله : " ما اجتمعن في أمريء ، إلا دخل الجنة " .

   طباعة 
2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الموسوعات المتشابهة الموسوعة التالية
جديد الموسوعات
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net