22. الحلم والتأني والتؤدة .

عرض الموسوعة
22. الحلم والتأني والتؤدة .
3629 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" الحلم والتؤدة والتأني "

أخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الأوزاعي قال : " أتى النبي يهودي فسأله عن المشيئة قال: المشيئة لله ، قال: فإني أشاء أن أقوم ، قال: قد شاء الله أن تقوم، قال: فإني أشاء أن أقعد، قال: فقد شاء الله أن تقعد، قال: فإني أشاء أن أقطع هذه النخلة، قال: فقد شاء الله أن تقطعها، قال: فإني أشاء أن أتركها، قال: فقد شاء الله أن تتركها، قال: فأتاه جبريل فقال : قد لُقِّنت حجتك كما لُقِّنها إبراهيم ، قال: ونزل القرآن { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين } .

جعل الله للإنسان مشيئة وإرادة ، ولكن أي مشيئة هي النافذة ؟ وأي إرادة هي الواقعة ؟ " وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين " .

الكل يريد ، وإرادة الله وحده هي النافذة ، " ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين " . طبيعة الإنسان العجلة ، فهو عجول ، أي شيء يريده ويتمناه يريد وقوعه في التو واللحظة ، يرفع يديه بالدعاء وقبل أن يفرغ من دعائه ويخفض يديه يريد أن يري الإجابة ، وينسي أنه عبد ، وأن الأمور يجري بمشيئة الله لا بمشيئة العباد . والقرآن يؤكد علي هذه الطبيعة وهي العجلة ، وأنها فطرة فينا : " خلق الإنسان من عجل " ، " وكان الإنسان عجولا " .

* ومن هنا حذرنا النبي من العجلة وأمرنا بالتروي والتأني والصبر والحلم فقال : " العجلة من الشيطان والتأني من الله "رواه الترمذي بسند حسن عن سهل بن سعد ، لأن العجلة والاستعجال لن يقدم ولن يؤخر من قضاء الله شيء ، فلله سنن في الحياة لا تتبدل ولا تتغير ، البذور لها دورتها في الإنبات والحصاد ، والقمر ينتقل في منازله خلال شهر ، والجنين في بطن أمه تسعة أشهر ، كما لله سنن في النصر والتمكين لعباده المؤمنين إذا لم تتحقق فلا نصر ولا تمكين ، كالذي له أرض صالحة للإنبات لم يلق فيها بذرة واحدة وهطل عليها المطر وهو ينتظر الحصاد ، فهل سيجني ثمرة واحدة حتي لو نزل المطر ؟ أين الذي زرعه حتي يحصده ويجنيه ؟ من سنن النصر :

· ألفة القلوب واتحاد الكلمة .

· الصبر والاستقامة .

· التقوى والتوكل .

روي الطبراني في الكبير عن خباب قال أتينا رسول الله وهو متوسد برداء له في ظل الكعبة فقلنا يا رسول الله : ألا تدعو الله لنا ألا تستنصر لنا ، فجلس محمرا وجهه غضبانا ثم قال : لقد كان من قبلكم وإن أحدهم لتحفر له الحفرة ثم يوضع فيها ثم يوضع المنشار على رأسه ثم يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه فما يصرفه ذلك عن دينه ولكنكم تستعجلون ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه " .

وقبل هذا كان يمر علي آل ياسر وهم يعذبون فيقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة .

* فالعجلة قبل استكمال شروط القبول والإجابة من أكبر المفاسد علي الفرد والأمة ، كمن أنزل الجنين قبل أوانه أو استعجل قطف الثمرة قبل نضوجها ، فنزول الجنين قبل أوانه لا يكتب له حياة ولا بقاء ، والثمرة قبل أوانها تحمل معها المرض والآفات : لما اشتدت وطأة عذاب فرعون علي بني إسرائيل وقالوا لموسى : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ، فقال لهم موسى : عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ، ثم دعا ربه وكان هارون يؤمن علي دعائه :

" ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم " ، فكيف كانت الإجابة ؟

" قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون " . قيل : كان بين الدعاء والإجابة أربعون عاما من الاستقامة والصبر والتقوى . نصر الله قريب ولكن لم يأت أهله ، فإذا جاء أهله تحقق وعد الله والله لا يخلف الميعاد .

* القرآن يعلمنا الطريق : من أين نبدأ ؟ وكيف نبدأ ؟ الإجابة مع الدعاء ما لم يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال : " يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول : دعوت فلم يُستجب لي " .

* والعجلة والتأني ضدان لا يجتمعان ، ولكن هناك مواطن أمرنا الله فيها بالمسارعة ، وأخرى أمرنا فيها بالصبر والتأني ، قال بعض العلماء : العجلة مذمومة إلا في ستة مواضع :

· أداء الصلاة إذا وجبت ، فخير الفريضة ما وافق وقتها .

· تزويج البكر إذا بلغت ، " أيسرهن مؤمنة أكثرهن بركة " .

· دفن الميت إذا حضره أجله .

· إطعام الضيف إذا نزل ، فالضيف يأتي برزقه ويرحل بذنوب القوم .

· قضاء الدَيْن إذا حَلَّ موعده .

· والتوبة من الذنب .

فالمسارعة والمبادرة والسبق يكون إلي المغفرة والطاعات ، " فاستبقوا الخيرات " ، " وسارعوا إلي مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين" ،" وفي ذلك فليتنافس المتنافسون "

وفي أول ليلة في القبر تستقبل الأرض ابنها الذي نبت منها وعاد إلي جوفها ، فإن كان مؤمنا تقيا صالحا تقول له : قد كنت تمشي علي ظهري سريعا في طاعة الله بطيئا عن معصية الله فاليوم تري صنيعي بك فتضمه كضمة الأم الحانية ، وإن كان كافرا فاجرا تقول له : قد كنت تمشي علي ظهري سريعا في معصية الله بطيئا عن طاعة الله فاليوم تري صنيعي بك ، قال : فتنضم عليه حتي تختلف أضلاعه .

* والتأني يتأكد في مواضع : منها الحكم علي الناس ، فلا ينبغي المسارعة إلي سوء الظن ، وأي إنسان يبلغك عن أخيك شرا فاعلم أنه شيطان ، ولا تظنن بأخيك السوء وأنت تجد لكلمته في الخير محملا ، والنبي مع سعة صدره كان لا يحب أن يسمع شيئا عن أحد من أصحابه فقال : " لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإن أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود .

* عن قتادة أن النبي بعث الوليد بن عقبة مصدقا إلى بني المصطلق ، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم - في رواية: لإحنة كانت بينه وبينهم - ، فرجع إلى النبي فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام .

فبعث نبي الله خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل ، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلا ، فبعث عيونه فلما جاؤوا أخبروا خالدا أنهم متمسكون بالإسلام ، وسمعوا أذانهم وصلاتهم ، فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه ، فعاد إلى نبي الله فأخبره ، فنزلت هذه الآية ، فكان يقول نبي الله : " التأني من الله والعجلة من الشيطان " .

وفي رواية : أن النبي بعثه إلى بني المصطلق بعد إسلامهم ، فلما سمعوا به ركبوا إليه ، فلما سمع بهم خافهم ، فرجع إلى رسول الله فأخبره أن القوم قد هموا بقتله ، ومنعوا صدقاتهم .

فهَمَّ رسول الله بغزوهم ، فبينما هم كذلك إذ قدم وفدهم على رسول الله فقالوا : يا رسول الله ، سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه ، ونؤدي إليه ما قِبَلنا من الصدقة ، فاستمر راجعا ، وبلغنا أنه يزعم لرسول الله أنا خرجنا لنقاتله ، والله ما خرجنا لذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

إياك والعجلة والتسرع في الحكم قبل التثبت والتأني .

* وأما في شأن الأرزاق فيكفينا قوله سبحانه : " فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور " . ما كان لك فسوف يأتيك ولو كان بين جبلين ، وما لم يكن لك فلن يأتيك ولو كان بين الفكين . فالسعي للمكتوب المقدور واجب مطلوب ، ولكن دون الهلع والخوف والقلق .

أخرج ابن أبي شيبه والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله : " أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به ، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه ، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها وأجلها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله ، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته " .

وروي أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم في المستدرك عن ثوبان عن النبي قال :

" إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد العمر إلا البر " .

* لذلك عصمنا الله تعالي من أمرين أن نقع فيهما : الخيبة والندامة وذلك بما شرعه لنا من : الاستشارة والاستخارة . في أي أمر مباح إذا أردت أن تتزوج أو تزوج ولدك أو ابنتك ابدأ بالاستخارة ، إذا أردت سفرا للتجارة أو سفرا مباحا للراحة والاستجمام فابدأ بالاستخارة ، فلا تدري أيكون في هذا السفر سرور وراحة أم غم وهمّ وتعب ومشقة ، إذا أردت صفقة للتجارة أو أردت الانتقال من عمل إلي عمل فابدأ بالاستخارة .

ولعظم الاستخارة قال جابر فيما يرويه البخاري في صحيحه : كان رسول الله يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول :

" إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، وعاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري، وعاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به . قال : ويسمى حاجته باسمها " .

* ذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال : قال موسى : يارب أي خلقك أكرم عليك ؟ قال : الذي لايزال لسانه رطبا بذكري ، قال : يارب فأي خلقك أعلم ؟ قال : الذي يلتمس إلى عمله علم غيره ، قال : يارب أي خلقك أعدل ؟ قال : الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس ، قال : يارب أي خلقك أعظم ذنبا ؟ قال : الذي يتهمني ، قال : يارب وهل يتهمك أحد؟ قال : الذي يستخيرني ولا يرضى بقضائي " .

* إذا أردت أن تعرف نبض الإيمان في هذه الأمة فقد أعطانا النبي المقياس لهذا الأمر حيث روي مسلم وابن ماجه عن عمر أن النبي قال : " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين " .

فإذا تأخر النصر وظهر الباطل فانظر ما الذي تجتمع عليه الأمة ؟ هل تجتمع علي شهوات الغي في بطونها وفروجها أم تجتمع علي الحق تتعلمه لتفهمه وتعمل به ؟ هذه هي أسباب الرحمة وأسباب رفع البلاء ودفع العذاب جاء ذكرها في عدة آيات منها :

1- " ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض " .

2- " إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .

3- " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون " .

* يسأل سائل : ما الذي عليَّ عمله ؟ ابدأ بنفسك وبأهل بيتك وأقاربك ومعارفك فأصلح نفسك وادع غيرك يأتي الخير علي يديك ويكون لك عذر عند السؤال بين يدي الديان يوم القيامة ، روى الطبراني في الكبير عن أبي قرصافة عن النبي قال : " من أحب قوما حشره الله في زمرتهم " .

فكن ممن يُكَثِّر سواد قوم مؤمنين ، وعليك بالجليس الصالح فهو كحامل المسك ، وإياك وجليس السوء فهو كنافخ الكير ، والصاحب ساحب إما للخير وإما للشر .

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الموسوعات المتشابهة الموسوعة التالية
جديد الموسوعات
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net