26. الاستقامة .

عرض الموسوعة
26. الاستقامة .
1761 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" الاستقامة "

راحة القلب وراحة البال مقصود العقلاء ، فليس هناك عاقل يبحث عن الهم والغم ويسعي للتعب والشقاء ، ولا طمأنينة للقلب ولا راحة ولا سعادة للعبد إلا بالطاعة ، فالمقطوع عن الله حائر ضائع لا راحة له ، والمسلم مطالب بأمرين :

1- مطالب بطاعة الله .

2- ومطالب بالاستقامة علي هذه الطاعة حتي يلقي الله .

فالاستقامة خير من ألف كرامة ، وهي علامة الصدق في كل عبد يريد وجه الله والدار الآخرة ، فهو ليس عبدا للنعمة ولكنه عبد للمنعم ، وليس عبدا للعطاء ولكنه عبد للمعطي ، عبد لله علي كل حال مهما تغيرت عليه الأحوال . لا غني يطغيه ، ولا فقر ينسيه ، لا يقبل علي الله حال الصحة واليسر والرخاء ويعرض عنه حال العسر والشدة والبلاء ، لا تغيره الأحوال مهما تقلبت به الأقدار ، بل قلبه ثابت علي اليقين والإيمان وجوارحه مستقيمة علي أمر الله ، فهذا هو العبد الصادق مع الله حقا ، " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " ، اللهم اجعلنا منهم .

* أوحي الله إلي نبيه قوله : " قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ " ، وروي مالك في الموطأ أن النبي قال لأصحابه : " اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا " . وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عباس أن أبا بكر قال: يا رسول الله قد شبت . قال شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت. وفي رواية ابن عباس قال : " أجل شيبتني هود وأخواتها " ، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي علي السري قال : "رأيت النبي فقلت : يا رسول الله روي عنك أنك قلت : شيبتني هود . قال : نعم . فقلت : ما الذي شيبك منه قصص الأنبياء وهلاك الأمم ؟ قال : لا ، ولكن قوله : " فاستقم كما أمرت " .

* الإيمان ليس كلمة باللسان ولا دعوي يدعيها الإنسان ، ولكنه حق راسخ في القلب نطق به اللسان واستقامت عليه الجوارح ، فكم من الناس كان صادق الهمة مقبلا علي طاعة ربه ، يعمر بيوت الله ويجالس العلماء ، تراه تاليا للقرآن ، وصولا للرحم ، سخيا كريما منفقا بنفس طيبة ، يغيث ملهوفا ويعود مريضا ، ينفس كرب مكروب ويمسح جراح كسير أو مسكين ، ثم تراه بعد فترة قد ضعفت همته وخارت عزيمته وانقطع عن هذا الخير ، فهذا قد أطاع ولكنه ما استقام ، ما السبب في هذا كله ؟ تضعف الهمة عن الاستقامة بالجهل والغفلة وصحبة السوء والبيئة الفاسدة ، فيضعف معها الإيمان ويتسرب نوره من القلب حتي تقعد الهمة بصاحبها عن خير عظيم كان فيه .

فالعبرة كلها بالاستقامة ولو علي عمل صالح واحد حتي تلقي الله به ، روي مسلم عن عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، ومن سنته الديمومة علي الطاعات فلا يمل ولا ينقطع ، وروي البخاري ومسلم أيضا عنها قالت : كَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ .

* أيها المسلم الموحد أنت غال عند الله ، ففي قلبك كلمة عظيمة كلمة التوحيد أثقل في الميزان من السموات والأرض ، فلا ترخص نفسك بالغفلة فالحياة كلها ساعة فاجعلها طاعة ، والباحث عن الراحة هنا في هذه الدار والله واهم ، فلا راحة للمؤمن دون لقاء الله ، أن يلقي الله علي الإيمان ، يلقاه موحدا طاهرا نقيا تقيا طائعا . ولله در القائل :

أحـــــزان قلبي لا تــــزول * حـــتى أبشـــــر بالقبــــول

وأري كــــتابي باليمـــــين * وتســـــــر عيني بالرســــول

اللهم أكرم هذه العيون برؤيا الرسول ، وارزقنا شفاعته ، واجمع بيننا وبينه كما آمنا به ولم نره ، ولا تفرق بيننا وبينه حتي تدخلنا مدخله .

* روي مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ، قال : " قل : آمنت بالله ثم استقم " . قد يترقي الإيمان بالطاعات ويزداد بفعل الخيرات ولكن أين من يثبت ويدوم علي ما وصل إليه من الخير وزيادة الإيمان ؟

والاستقامة تتعلق بالقوال والأفعال والحوال والنيات ، ولذا فإن بعض أهل العلم قالوا : إن الاستقامة على ثلاثة أقسام وهي :

استقامو باللسان ، واستقامة بالجنان - أي القلب - ، واستقامة بالنفس .

واستقامة اللسان هي الأصل في استقامة المسلم ، قال رسول الله فيما رواه أحمد : " لاَ يَسْتَقيمُ إِيمانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقيمَ قَلْبُهُ، ولا يَسْتَقيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقيمَ لِسانُهُ " ، وَقال فيما رواه الترمذي : " إِذَا أَصْبَحَ ابنُ آدمَ فإِنَّ أَعْضاءَهُ تكفِّرُ اللِّسانَ وَتَقُولُ : اتَّقِ اللهَ فِينَا ؛ فإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا " .

وأما الاستقامة بالجنان فتكون بالمحافظة على صدق العزيمة وقوة الإرادة .

واما الاستقامة بالنفس فتكون بالمداومة على الطاعة والعبادة .

* فما هي ثمار الاستقامة والمداومة علي الطاعات ؟؟؟

1- المستقيم محبوب عند الله ويباهي به ملائكته لأنه أعطي برهان الصدق فيما يرجوه من فضل الله وعطائه ، فهو يمشي في هذه الدنيا علي الأرض وعينه علي الآخرة التي سيرحل إليها ، لا يعبد الله علي حرف ، وليس عبد المنفعة إن أعطي شكر وأطاع وعبد وصام وصلي ، وإن ضيق عليه سخط وفرط وضيع ، بل هو عبد لله في الصحة والمرض والمنشط والمكره والعسر واليسر والفقر والغني ، لا تغيره الأحوال والأزمان ، هو مع الله في كل حال ، وإذا أحب الله عبدا أحبه جبريل وأحبه الملأ الأعلي ووضع له القبول في الأرض .

روي البخاري عن أبي هريرة عن النبي فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالي قال : " وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عبدي يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ استعاذني لأُعِيذَنَّهُ " .

2- ومن ثمار الاستقامة النجاة من الكرب والشدة وقبول الدعاء ، كم من شدة وكرب كشفه الله ، وكم من ضائقة لا يري الإنسان لها مخرجا قد فرجها الله وجاء باليسر بعد العسر والفرج بعد الشدة ؟

روي أحمد عن ابن عباس عن النبي قال : " تعرف إلي الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وما أصابك لم يكن ليخطئك ، واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا " .

3- ومن ثمار الاستقامة سعة الأرزاق والبركة فيها ، قال سبحانه " وألوا استقاموا علي الطريقة لأسقيناهم ماءا غدقا " ، والله ما ضاع تقي ، وما تعلق عبد بالله فخذله الله ، يقول ابن مسعود : صاحب المعروف لا يقع ، وإذا وقع وجد متكئا .

* قد تأتي علي الإنسان مواقف من الألم يفقد معها صوابه ، ولكن قوة الإيمان تعصمه فيستقيم مهما كانت شدة الأهوال ، ولا نعلم لحظة مرت علي هذه الأمة أشد ألما من لحظة فراقها لنبيها ولكنه عندها تجلي أروع موقف لمعني الاستقامة ، عن أبي سعيد الخدري قال : خطب رسول الله الناس وقال : " إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ذلك العبد ما عند الله " .

قال : فبكى أبو بكر وقال : بل فداك أبي وأمي يا رسول الله ، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد خير ، فكان رسول الله هو المخيّر ، وكان أبو بكر أعلمنا " .

فلما انتقل إلي الرفيق الأعلي ذهل عمر وقال : ما مات رسول الله ، ولا يموت حتي يهلك الله المنافقين ، ومن قال هذا فرقت بين رأسه وجسده ، وجلس علي أرضا وانقطع لسان عثمان فلا يتكلم بكلمة وفاطمة تقول : " يا أبتاه ! أجاب ربا دعاه، يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه ، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه " . فلما اختلفوا في الأمر ذهب سالم بن عبيد إلى الصديق بمنزله وكان بالسوانح في ضاحية المدينة وأخبره، وكان الصديق حين صلى الفجر ورأى رسول الله بخير انصرف إلى منزله ، فجاء فكشف عن وجه رسول الله فقبّله فقال : بأبي أنت وأمي، طبت حيا وميتا ، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا ، ثم خرج وعمر يكلم الناس ،

فقال : اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وتلا قوله تعالى :

" وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " .

فنشج الناس يبكون ، وقال عمر : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق ، فعقرت حتى ما تقلّني رجلاي ، وهويت إلى الأرض ، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله قد مات .

قال أنس : لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله المدينة أضاء منها كل شيء ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء ، وما نفضنا أيدينا عن التراب وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا .

وما لبث أن ارتد بعض العرب فأراد عمر من أبي بكر أن يقبل منهم الصلاة دون الزكاة وقال له : ارفق بالناس ، فهذا الرجل الحليم الأسيف الكثير البكاء ماذا كان جوابه ؟

ضرب أبو بكر الرقيق على صدر عمر القوي ضربة قوية وقال له : أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا عمر ؟! رجوت نصرتك فجئتني بخذلانك يا عمر ؟ والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه . هذا هو المستقيم وتلك هي الاستقامة ، أبي أن يفرط في أمر واحد من أوامر الله ، والتشبه بالكرام فلاح .

* روي البخاري عن سهل بن سعد أن النبي قال : " وإنما الأعمال بالخواتيم " ، عيون الصادقين علي حسن الخواتيم ، فالعبد يموت علي ما عاش عليه ويبعث علي ما مات عليه ، وأعظم بركات الاستقامة علي الطاعة والمداومة علي العمل الصالح هي حسن الخاتمة .

روي أحمد في مسنده والترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك عن أنس عن النبي قال : " إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله، قيل: كيف يستعمله ؟ قال : يوفقه لعمل صالح قبل الموت، ثم يقبضه عليه " .

* البشريات تأتي للمؤمن في أحلك لحظات عمره وهي لحظات الاحتضار حينما تبلغ الروح الحلقوم وهو يعاني سكرات الموت في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة ، والرجل الحكيم والله يتحير عند ذلك المصرع – اللهم هونه علينا – تأتيه الملائكة تطمئنه بأنه قد نجح وأفلح ونجا فلا خوف عليه بعد اليوم ، ولا تعب ولا نصب بعد اليوم ، والملائكة من الجنة ينتظرونه علي مد بصره ما أن يفرغ ملك الموت من قبض روحه حتي يصعدوا بها كأطيب ريح مسك علي وجه الأرض :

" إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ " .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الموسوعات المتشابهة الموسوعة التالية
جديد الموسوعات
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net