29. الرفق .

عرض الموسوعة
29. الرفق .
2663 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" فضيلة الرفق وذم الغلو في الدين "

* تقول عائشة : " ما خُيِّر رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه " رواه البخاري ومسلم ، " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " ، شريعته سمحة ، دينه ينسجم مع الفطرة السوية و يصافح العقول السليمة ، لا تري فيه مظهرا للغلو والحرج والعنت .

" هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء علي الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولي ونعم النصير" .

* حينما عُرضت دعوة الإسلام علي البشرية دخل الناس في دين أفواجا ، بل من دخلوا فيه أصبحوا دعاة إليه ، أسلموا طواعية دون إكراه ، ودعوا إليه حبا وتعظيما لما لمسوه فيه من طهر وسماحة وتيسير ، ما هو السر في هذا ؟ السر هو ما لمسوه في هذا الدين من العدل والرحمة والتيسير ، دين يهدي إلي حياة طاهرة نقية ، لا شر فيها ولا ظلم ولا فجور ولا فساد ، يري الناس في ظله الأمان والطمأنينة ، ويتذوقوا في الحياة طعم اليسر وحلاوة الإيمان بمعرفة الله ، ومن هنا فليس هناك آفة أضر علي الدين وتنخر في أساسه وتقوض بنيانه وتهدم أركانه أشد من الغلو في الدين .

قال النبي : " إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي " رواه البزار عن جابر ، وقال أيضا : " إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة " رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة .

وحينما أرسل رسول الله أبا موسي الأشعري ومعاذ بن جبل إلي اليمن قال لهما : " يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا تختلفا " رواه البخاري ومسلم ، هذه سنته وهذا منهجه .

* إن التوسط فضيلة بين رذيلتين الإفراط والتفريط ، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة ، وإذا رأي من أصحابه تشديدا يوقعهم في الحرج والعنت فكان يطامن من هذا الغلو في العلو ، وإذا رأي ضعفا في الهمم وفتورا في العزائم كان يستنهض همة الضعيف ليرتفع به إلي أفق ذوي الهمم العالية ، فخير الأمور أوسطها . لقد كان يري أحيانا في أصحابه همة عالية تجاوز حد الاعتدال فكان يأخذ بزمام صاحبها إلي ما يضمن له ديمومة الطاعة ودوام الاستقامة حتي لا يُبَغِّض أحد إلي نفسه طاعة الله ، وهذه مظاهر الغلو التي ردها إلي التوسط والاعتدال :

1- دخل المسجد فوجد حبلا ممدودا بين ساريتين فقال : " لمن هذا الحبل ؟ " قالوا : لزينب حتي إذا فترت تعلقت به ، فقال : " حلوه ليصلي أحدكم نشاطه فإذا تعب فليرقد " رواه النسائي وابن ماجه عن أنس . فليست العبادة تعذيبا للبدن ، ولا أغلالا وقيودا يعذب بها الإنسان نفسه ، وإنما هي أنس ومناجاة وسعادة في خلوة العبد بالرب .

2- حينما جاء ثلاثة رهط إلي بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ، وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ ، وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي " متفق عليه من رواية أنس ، لقد نظروا إلي كمية الأعمال وليس إلي النوعية ، والعبرة دائما بنوعية الأعمال لا بكثرتها وكميتها ، وقد نوه القرآن إلي ذلك في أكثر من موضع منها قوله تعالي : " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " ولم يقل : ليبلوكم أيكم أكثر عملا .

3- بينما النبي يخطب ، إذا هو برجل قائم ، فسأل عنه فقالوا : أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي : " مروه فليتكلم وليستظل وليقعد ، وليتم صومه " رواه أحمد والبخاري عن ابن عباس .

4- وعن أنس : أن النبي رأى شيخا يهادي بين ابنيه ، قال: " ما بال هذا ؟ " . قالوا : نذر أن يمشي . قال : " إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني ". وأمره أن يركب . رواه البخاري ومسلم .

5- يقول عبد الله بن عمرو بن العاص : أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا مذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه، ذكر ذلك للنبي ، فقال: (القني به). فلقيته بعد، فقال: (كيف تصوم). قلت: كل يوم، قال: (وكيف تختم). قلت: كل ليلة، قال: (صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر). قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: (صم ثلاثة أيام في الجمعة). قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: (أفطر يومين وصم يوما). قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: (صم أفضل الصوم، صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة) . رواه البخاري .

وكان ابن عمرو يقول بعد ذلك : فليتني قبلت رخصة رسول الله ، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار، ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما، وأحصى وصام أياما مثلهن، كراهية أن يترك شيئا فارق النبي عليه .

6- ولما فرض الحج قال أبو هريرة : خطبنا رسول اللّه فقال : " أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا "، فقال رجل: أكل عام يا رسول اللّه ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول اللّه : "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم"، ثم قال: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " رواه مسلم ، وقال : " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته " رواه مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه .

إن النبي هو المعلم والمربي لهذه الأمة ، وإن كان ما مر صور من الغلو لم يشفع لها حسن نية أصحابها وعلو همتهم ، فهناك صور أخري من الغلو وراءها سوء النية والأدب وكانت سببا في فتن كثيرة للأمة .

* وللغلو جذور في التاريخ كلها دالة علي ثلاثة أمور :

1- فساد في الفهم والتصور ،

2- يتبعه فساد في السلوك والعمل ،

3- ثم ينتهي إلي فساد في البلاغ والدعوة ، كان يقسم غنائم علي بعض المؤلفة قلوبهم ثم أتاه رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتيء الجبهة كث اللحية مشمر الإزار محلوق الرأس فقال له: اتق الله يا رسول الله! فقال: ويحك! ألست أحق أهل الأرض أن أتقي الله، ثم أدبر...، ثم نظر إليه رسول الله وهو مقف فقال : " ها! إنه سيخرج من ضئضئي هذا قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " رواه أبو داود والنسائي عن أبي سعيد وهو في الصحيح بمعناه . فكان هذا الرجل هو رأس الخوارج وجدهم الأكبر حيث خرجوا من نسله وكان سبب فساد وفتنة في الأمة .

* قُتل رجل من بني إسرائيل وكان ذا مال ولا وريث له إلا ابن أخيه ، فتعجل الوريث قتل مورثه وألقاه بين قريتين فاتهمت كل قرية الأخري بقتله وكادوا يقتتلون فيما بينهم ، ثم قالوا علام نقتتل وفينا نبي يوحي إليه هيا بنا إلي موسي لنسأله ، فتوجه موسي لربه فأوحي إليه أن يأمرهم أن يذبحوا بقرة ، فقالوا أتهزأ بنا ، وما علاقة ذبح بقرة بهذا القتيل ؟

" وإذ قال موسي لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " .

فأوحي الله إليه بأوصافها أنه لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ، فسألوا عن لونها ، فقال لهم : صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ، فماطلوا وطلبوا زيادة وصف لها ، فقال : لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها ، فلم يجدوا هذا الوصف إلا عند رجل أبي أن يبيعها لهم إلا بوزنها ذهبا ، إنهم لو ذبحوا أي بقرة لأجزأتهم ولكن شددوا علي أنفسهم فشدد الله عليهم . فلما فعلوا ما أُمروا به ، أمرهم أن يأخذوا جزءا من هذه البقرة فيضربوا به القتيل ، فقام حيا فسألوه من قتلك ؟ قال : ابن أخي ، ثم خر ميتا .

وقد تفرع علي ذلك حكما فقهيا وهو : أن قاتل مورثه لا يرث ، واستند لذلك الفقهاء فوضعوا هذه القاعدة الفقهية الأصولية وهي : " من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه " .

* نعم قد يكون هناك خلاف في فهم النص وليس خلاف في مشروعية النص ، وهذا الخلاف في الفهم مشروع مادام قائما علي الأصول مبنيا علي الدليل ، وهنا يكون الانتصار للحق وليس الانتصار للنفس .

يقول أبو سعيد الخدري : خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: " أصبت السنة وأجزأتك صلاتك " وقال للذي توضأ وأعاد : " لك الأجر مرتين " رواه أبو داود والنسائي . وما الحرج أن يتعدد الصواب لا أن يتعدد الحق فالحق واحد ، وإنما الطريق الموصلة إلى ها الحق قد تتعدد وكلها صواب مبني على اجتهاد صحيح وأدلة شرعية صحيحة ، كل ذلك مع الأدب واحترام الآخرين دون سب وتجريح أو قذف بالبدعة والفسوق ؟؟ّ!! .

* قال الله تعالى : " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل علي الله " ، المسلمون أسعد الناس بدينهم وكتابهم ونبيهم وشريعتهم ،

يتمتعون بالحلال الطيب ويرضون ربهم في حياة طيبة وعدهم الله بها في كتابه ، فاليسر كله في صدق المتابعة للكتاب والسنة ، أما قال الله تعالي لنبيه ومصطفاه " ونيسرك لليسري " .

لقي أبو بكر حنظلة فقال: كيف أنت يا حنظلة ؟! قال قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله . يذكرنا بالنار والجنة. حتى كأنا رأي عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله ، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات. فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فوالله! إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله . قلت: نافق حنظلة. يا رسول الله! فقال رسول الله : "وما ذاك ؟ " قلت : يا رسول الله! نكون عندك . تذكرنا بالنار والجنة . حتى كأنا رأى عين. فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات. نسينا كثيرا. فقال رسول الله : "والذي نفسي بيده! إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. ولكن، يا حنظلة! ساعة وساعة" ثلاث مرات . رواه مسلم والترمذي .

الذي فرَّط في دينه وضيَّع حق الله وحق عباده فهذا تفريط مذموم ، والذي عسَّر يسيرا وضيق واسعا وألزم نفسه بما لم يلزمه به الشارع وشدد علي نفسه وعلي الأمة حتي أوقعها في الحرج فهذا غلو وإفراط مذموم ، إذا ما هي صفة هذه الأمة ؟ القرآن يجيب :

" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الموسوعات المتشابهة الموسوعة التالية
جديد الموسوعات
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net