30. صفات عباد الرحمن .

عرض الموسوعة
30. صفات عباد الرحمن .
5444 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" عباد الرحمن "

روي مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ؟ قال : " قل آمنت بالله ثم استقم " .

الله أمرنا بطاعته ليطهر قلوبنا ويزكي نفوسنا ، لا لأنه محتاج إلينا حاش لله ، فالكل عبيد الله شاءوا أم أبوا ، ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها .

كلنا يريد أن ينجو ويصل الحبال التي بينه وبين ربه ، ويطمع في عفوه ومغفرته ورضاه ، والنجاة لها سبيل واحد وهو أن نستقيم مع الله في كل حال وزمان ومكان ، وعلامة الاستقامة لزوم الطاعة في الصحة والمرض والفقر والغنى والعسر واليسر والمنشط والمكره ، في الشباب وفي الكبر في الحر والبرد في السفر والحضر .

فالذي يريد الله معبودا ومحبوبا وإلها قادرا حكيما وربا شاهدا عليما لا يساوم علي غيره ، ولا يلتفت لأحد سواه ، هل هناك أجلُّ من الله حتى نهابه ونخشاه ؟ هل هناك أعز من الله حتى نحتمي بحماه ؟ هل هناك أغنى من الله حتى نرجوه ونطمع في رضاه ؟ هل هناك أرحم بعباده من الله حتى نطمع في مغفرته ورضوانه ؟ " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم . وأن عذابي هو العذاب الأليم " .

* من هم عباد الرحمن الذين يحبهم ويباهي بهم ملائكته ؟ من هم عباد الرحمن الذين مدحهم وأثني عليهم في كتابه ؟ ما هي صفاتهم وأخلاقهم التي رفعتهم إلي هذه المنزلة العالية ؟ جاء وصفهم في القرآن الكريم ليكون ذلك منهج عمل ومعلم هداية لمن أراد أن يتحلي بحلية الإيمان ظاهرا وباطنا ، ويتقرب إلي ربه بما يرضيه حتى يعطيه ما يرجوه ويتمناه من خير الدنيا والآخرة .

" وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا . إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " . هؤلاء هم عباد الرحمن :

يمشون علي الأرض بتواضع وسكينة ووقار فلا تكبر ولا اختيال ، فالمؤمن مميز حتى في مشيه وحركته وانتقاله ، " ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا " ، وروي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة " .

وروي البخاري ومسلم عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " .

وروي في صفته أنه كان إذا زال زال تقلعا ، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا ، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب . التقلع : رفع الرجل بقوة. والتكفؤ : الميل إلى سنن المشي وقصده. والهون : الرفق والوقار. والذريع : الواسع الخطا ، أي أن مشيه كان يرفع فيه رجله بسرعة ويمد خطوه خلاف مشية المختال، ويقصد سمته وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة . وكانوا يقولون في وصف عمر : أنه إذا مشي أسرع ، وإذا ضرب أوجع ، وإذا تكلم أسمع .

فالمتواضع يمشي علي الأرض وهو يرى نفسه ترابا فوق تراب ، فلا يتعاظم علي أحد من خلق الله ، وإذا خاطبه جاهل بسفاهة لا يرد عليه بمثلها ، فالمؤمن عف اللسان ليس بفاحش ولا بذيء ، أخرج أحمد عن النعمان بن مقرن المزني : أن رجلا سب رجلا عند النبي ، فجعل الرجل المسبوب يقول : عليك السلام فقال رسول الله : " أما إن ملكا بينكما يذب عنك كلما شتمك هذا قال له : بل أنت . وأنت أحق به ، وإذا قلت له : عليك السلام قال : لا. بل لك أنت أحق به " .

وكان نبينا يحلم علي الجاهل السفيه ، ولا يرد السيئة بالسيئة ولكن يرد السيئة بالحسنة ويعفو ويصفح .

إذا نطق السفيه فلا تجبه ** فخير من إجابته السكوت
فإن كلمته فرجت عنه ** و إن خليته كمداَ يمــوت
وقال الشافعي :
يخاطبني السفيه بكل قبح ** فأكره أن أكون له مجيباَ
يزيد سفاهة فأزيد حلماَ ** كعود زاده الإحراق طيباَ

* وهذه هي أخلاق الصالحين : قال أبو الدرداء لرجل أسمعه كلاماً : " يا هذا لا تغرقنَّ في سبنا ودع للصلح موضعاً ، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله عزّ وجلّ فيه . وشتم رجل الشعبي فقال : إن كنتُ كما قلتَ فغفر الله لي ، وإن لم أكن كما قلتَ فغفر الله لك .

رجل قال لضرار بن القعقاع : والله لو قلتَ واحدةً لسمعت عشراً، فقال ضرار: والله لو قلتَ عشراً ما سمعتَ واحدة . وقال الأحنف بن قيس وكان حكيما : ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره ثلاث خصال :

أ – إن كان أعلى مني عرفتُ له قدره.
ب – وإن كان دوني رفعتُ قدري عنه.
جـ - وإن كان نظيري تفضلت عليه.

العمر أغلي من الرد علي سفاهة السفهاء ، وكل إناء بما فيه ينضح ، وعند المؤمن ما يشغله ويكفيه من طاعة ربه في رحلة الحياة ، والحياة كلها قصيرة ، وما أشبه الدنيا بسوق قام ثم انفض ، ربح فيه من ربح ، وخسر فيه من خسر .

هذا نهارهم يمشون فيه بالطاعة لله ويحلمون علي عباد الله فكيف هو ليلهم ؟ إنهم يبيتون لربهم سجدا وقياما ، فإذا أنس الناس بالنوم والفراش أنسوا هم بمناجاة ربهم وطول الوقوف بين يديه يدعونه خوفا وطمعا . خوفا من عذاب جهنم وطمعا في جنة عرضها السموات والأرض . لحظات الليل ودقائق الليل غالية فلا نجعلها رخيصة بالغفلة ، ماذا نفعل بعد العشاء إذا خلونا ببيوتنا ؟ الناس واحد من ثلاثة :

1- إما متهجد طائع قد دخل في صفة الذين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون ، وتتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا .

2- وإما عاص شارد يبارز الله بالمعصية ، والملائكة يكتبون ورب العرش مطلع يراه ولا تخفي عليه خافية .

3- وإما غافل ساه لا هو في طاعة يؤجر عليها تقربه من الله ، ولا هو في معصية تجلب عليه غضب الله ، بل يقتل وقته والوقت هو أغلي ما يملكه . فمع أي هؤلاء نكون نحن ؟ نسأل الله أن نكون من الأولين المتهجدين القائمين الذاكرين ، فركعتين في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها .

* وأخرج الترمذي والحاكم وصححه، وابن ماجه والبيهقي في الدلائل، عن عبد الله بن سلام قال : لما قدم رسول الله المدينة ، انجفل الناس إليه ، فجئته لأنظر في وجهه فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول شيء سمعت منه أن قال : " يا أيها الناس ، أطعموا الطعام ، وأفشوا السلام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام " .

الخشية من يوم الحساب لا تخرج إلا من قلب تقي يحب الله ، فمن أحب الله أحب لقاءه ، وكلما زاد حبه لله زاد خوفه من معصيته حتى لا تنقطع الحبال التي بينه وبين ربه ، وانظر إلي صورة الخاشع لله التي يصورها القرآن : " أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب " ، ألا يكفيه أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : " رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه " .

* " وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " ، التوسط فضيلة بين رذيلتين الإفراط والتفريط ، وعباد الرحمن ينفقون بلا سرف وسفه في معصية أو شهوة حلال ، وبلا تقتير وبُخل عمَّن وجبت عليهم نفقتهم ، وإنما إنفاقهم قصدا وعدلا بما يقضي الضرورة ولا يخرج بهم عن حد الاعتدال إلي الإسراف المذموم أو الشح المبغوض ، فخير الأمور الوسط .

وقال يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية : أولئك أصحاب محمد كانوا لا يأكلون طعاما للتنعيم واللذة ، ولا يلبسون ثيابا للجمال ، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم ، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحر والبرد . وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته فاطمة : ما نفقتك ؟ فقال له عمر: الحسنة بين سيئتين ، ثم تلا هذه الآية " وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " . وقال عمر بن الخطاب : كفى بالمرء سرفا ألا يشتهي شيئا إلا اشتراه فأكله .

* " وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا . وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا " . عباد الرحمن أبعد الناس عن الكبائر ، ولا يصرون علي الصغائر .

روي البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن عبد الله ِبْن مَسْعُود قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه أَيّ الذَّنْب أَكْبَر ؟ قَالَ " أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك " قَالَ ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ " أَنْ تَقْتُل وَلَدك خَشْيَة أَنْ يَطْعَم مَعَك " قَالَ ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ " أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِك " قَالَ عَبْد اللَّه وَأَنْزَلَ اللَّه تَصْدِيق ذَلِكَ : " وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر " الْآيَة .

وكلمة " أثاما " من الأثام وهو العقاب ، وقيل واد في جهنم . ولكنه ذكر التوبة ليفتح الباب أمام من يريد العودة ليصطلح العبد علي مولاه : " يبدل الله سيئاتهم حسنات " كيف ؟ هناك تفسيران :

الأول : قاله ابن عباس والحسن البصري وجماعة من المفسرين : أَبْدَلَهُمْ اللَّه بِالْعَمَلِ السَّيِّئ الْعَمَل الصَّالِح وَأَبْدَلَهُمْ بِالشِّرْكِ إِخْلَاصًا وَأَبْدَلَهُمْ بِالْفُجُورِ إِحْصَانًا وَبِالْكُفْرِ إِسْلَامًا ، وبالصفات السيئة صفات طيبة ، يبدل الكذب صدقا والغدر وفاءا والخيانة أمانة .

الثاني : أَنَّ تِلْكَ السَّيِّئَات الْمَاضِيَة تَنْقَلِب بِنَفْسِ التَّوْبَة النَّصُوح حَسَنَات وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ مَا مَضَى نَدِمَ وَاسْتَرْجَعَ وَاسْتَغْفَرَ فَيَنْقَلِب الذَّنْب طَاعَة بِهَذَا الِاعْتِبَار فَيَوْم الْقِيَامَة وَإِنْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرّهُ وَيَنْقَلِب حَسَنَة فِي صَحِيفَته كَمَا ثَبَتَتْ السُّنَّة بِذَلِكَ وَصَحَّتْ بِهِ الْآثَار .

* روي مسلم عن أَبِي ذَرّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه : " إِنِّي لَأَعْرِف آخِر أَهْل النَّار خُرُوجًا مِنْ النَّار وَآخِر أَهْل الْجَنَّة دُخُولًا إِلَى الْجَنَّة ، يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيَقُول نَحُّوا عَنْهُ كِبَار ذُنُوبه وَسَلُوهُ عَنْ صِغَارهَا قَالَ فَيُقَال لَهُ عَمِلْت يَوْم كَذَا : كَذَا وَكَذَا وَعَمِلْت يَوْم كَذَا : كَذَا وَكَذَا فَيَقُول نَعَمْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِر مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَيُقَال : فَإِنَّ لَك بِكُلِّ سَيِّئَة حَسَنَة فَيَقُول يَا رَبّ عَمِلْت أَشْيَاء لَا أَرَاهَا هَهُنَا " قَالَ فَضَحِكَ رَسُول اللَّه حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه " . والله ما أحوجنا إلي التوبة النصوح ، فمن منا لا ذنب له ومن منا لا خطأ له ؟ أليس كل بني آدم خطاء ، ولكن خير الخطائين التوابون .

* حفظ اللسان :

آفات اللسان و حصائد الألسن هي التي تكب الناس علي مناخرهم في النار ، فاللسان نعمة ومن شُكْر هذه النعمة أن نحركه في الذكر والثناء علي الله والدعوة إلي الله والنصيحة لعموم الأمة والكلمة الطيبة والإصلاح بين الناس ، وهذه صفة أخري من صفات عباد الرحمن :

" وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا " ، ولماذا قول الزور ؟ لأنه يدمر أمة وتضيع به الحقوق وتُفقد به الثقة بين الناس ، لهذا لما ذكر النبي أكبر الكبائر وعد منها : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئا فجلس وقال : ألا وقول الزور وأخذ يكررها حتى قال الصحابة ليته سكت .

وليس تكرار التحذير من قول الزور لأنه أكبر وأشد من الشرك ، لا . ولكن لتهاون الناس به ، وبعض العلماء يفسر الزور بكل لغو باطل من لهو وفجور وأذى ، ومن ينزه سمعه وبصره عن هذا اللغو الباطل فلم يشهده فهو من أهل هذه الآية " وإذا مروا باللغو مروا كراما "، قال ابن كثير في تفسيره عن إِبْرَاهِيم بْن مَيْسَرَة أَنَّ اِبْن مَسْعُود مَرَّ بِلَهْوٍ فَلَمْ يَقِف فَقَالَ رَسُول اللَّه : " لَقَدْ أَصْبَحَ اِبْن مَسْعُود وَأَمْسَى كَرِيمًا " .

* التدبر في آيات الله :

" وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا " ، القرآن له وقع وأثر في القلوب المؤمنة ، " إنما المؤمنون الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبهمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاته زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ " .

بعض الناس يمرون علي القرآن مرور الكرام ، فلا يفتح مسامع قلبه ولا يقف عند آياته ولا يتدبر ما في آيات الله من عِبَر فكيف يكون القرآن له هدي وشفاء ؟

* الدعاء للأهل والذرية بالخير :

الدعاء للأهل والذرية بالخير : سنة من سنن الأنبياء والصالحين من عباد الله :

" وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا " . يريدون أهلا وذرية تقرُّ بها عيونهم في الدنيا والآخرة بماذا ؟ هل تقر العين بصحة أبدانهم وقوة أجسامهم وغناهم وتبوءهم أعلي المناصب وأرفع الوظائف ورؤيتهم في أجمل صورة وأحسن هيئة ؟ لا والله ، ولكنهم يريدون ذرية صالحة تقية عابدة طائعة لله فهذه هي قرة عيون الصالحين .

ولم يكتفوا بالدعاء للذرية الصالحة بل طلبوا من الله أن يكونوا قدوة لغيرهم ممن سيأتي بعدهم ، وكأنهم يريدون الخير موصولا في حياتهم وبعد مماتهم حبا لله وحبا لدينه ورغبة في عمارة الأرض بالطاعة لرب العالمين ، روي مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه : " إِذَا مَاتَ اِبْن آدَم اِنْقَطَعَ عَمَله إِلَّا مِنْ ثَلَاث : وَلَد صَالِح يَدْعُو لَهُ أَوْ عِلْم يُنْتَفَع بِهِ مِنْ بَعْده أَوْ صَدَقَة جَارِيَة " .

* هؤلاء الذين تحلوا بهذه الصفات ماذا أعد الله لهم ؟ " أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا . خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " .

الغرفة سميت بذلك لارتفاعها وعلو شأنها ، وانظر إلي الملمح في الآية " بما صبروا " وليس بما أكلوا أو لعبوا أو شربوا أو جمعوا أو طرحوا ، لا . بل بما صبروا ، فالقيام علي الطاعة يحتاج إلي صبر ، وحبس النفس عن المعاصي وكفها عن الشهوات يحتاج إلي صبر ، وترك الشكوى وكف النفس عن السخط والجزع أمام أقدار الله يحتاج إلي صبر ، غض البصر أكل الحلال الورع عن الحرام كل ذلك يحتاج إلي صبر وتضحية ومجاهدة ، فالدنيا ليست نزهة والباحث عن الاستجمام والراحة هنا واهم ، فنحن في امتحان كبير ، ولا نخرج من اختبار حتى ندخل في آخر ، لهذا تهنئ الملائكة هؤلاء الصابرين أنهم نجحوا في الاختبار ومروا من الدنيا بسلام وقابلوا الله بقلوب سليمة وطاعة مقبولة وعمل صالح مبرور . " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار " .

* أكبر ما يخافه الإنسان هو سلب النعم ، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء ، فالإنسان بالفطرة يحب النعيم ويكره البؤس ، يحب الصحة ويكره المرض ، يحب الشباب والقوة ويكره الضعف والشيخوخة ، يحب الحياة ويكره الموت ، ولكن أني لنا في هذه الدنيا الحصول علي هذا كله ونحن في دار الأسباب فيها الصحة والمرض والنعيم والبؤس والحياة والموت والسرور والحزن ؟ هذه العطايا والمنح ليست إلا لأهل الجنة اللهم اجعلنا منهم .

أخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي قال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا . وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا . وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا . وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله عز وجل : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } [الأعراف/ 43 ] .

وختمت السورة بقيمة الدعاء وأنه سبب لرفع البلاء ، " قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا " . الله غني بذاته عن جميع خلقه لا يحتاج إلي أحد ، فلا تنفعه طاعة العباد ولا تضره معصيتهم ، فلو آمنوا واتقوا فلأنفسهم ، ولو كفروا وعصوا فعلي أنفسهم ، " والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " . ولولا دعاء الصالحين وصلاتهم وطاعتهم لله لأهلك الله الأرض ومن عليها ، ومن كذَّب فعذاب الله لازم له لا يفارقه .

   طباعة 
4 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الموسوعات المتشابهة الموسوعة التالية
جديد الموسوعات
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net