31. الخشوع .

عرض الموسوعة
31. الخشوع .
3151 زائر
05-07-2010
بقلم : الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" الخشوع "

* يقول ربنا سبحانه : " قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون " ، ويقول سبحانه : " إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين " ، وقال : " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون . الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون " وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ذكر من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : " رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه " . ولا تفيض العين بالبكاء وتذرف الدموع إلا مع رقة القلب والخشوع لله ، فالعيون لا تدمع إذا كانت القلوب قاسية . " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين " .

كم من الناس مرت عليه سنة كاملة لم يذرف فيها دمعة واحدة ؟ لا شوقا إلي ربه ، ولا خشية من جلاله ، بل كم من الناس خرج من الدنيا ولم يعرف طعم ما نتكلم فيه ؟

* هل صلاتنا خاشعة ؟ هل نأتي إلى الصلاة بقلوبنا وعقولنا قبل أبداننا ؟ هل نحن إليها بالأشواق ؟ هل إذا حزبنا أمر أو هم أو غم فزعنا إليها ونقول : أرحنا بالصلاة ؟ هل نحضر بقلوبنا نتدبر ما تسمعه آذاننا ؟ " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب " .

روي أحمد عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله : " من توضأ فأحسن وضوءه ثم قام فصلى ركعتين - أو أربعا - يحسن فيهما الذكر والخشوع ثم استغفر الله عز وجل غفر له " .

* نحن نحتاج إلي من يسمعنا ويسمع شكوانا ويلبي حوائجنا ، وهذا الباب فتحه الله لعباده في أي لحظة من ليل أو نهار ، توضأ وصلِّ ركعتين بدمعتين ، وأطل السجود واذرف دموعك لينظر إلي ذُلِّك وانكسارك وكن علي يقين أنه سبحانه يسمع دعاءك ويري مكانك ولا يخفي عليه شيء من أمرك ، فادعه موقنا بالإجابة ، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، كم وقفت علي أبواب المخلوقين فردوك خائبا ؟ وابن آدم يغضب ممن يسأله ، وإن اقتربت منه شبرا ابتعد عنك ميلا ، فهل هكذا يعاملك ربك الودود الكريم ؟؟

لا تسألن بني آدم حاجة * وسل الذي أبوابه لا تحجب

الله يغضب إن تركت سؤاله * وبني آدم حين يسأل يغضب

* الصلاة صلة نرسل فيها الدعاء ونستقبل من الله العطاء ، ومن دخلها بحضور قلب وخشوع جوارح عرجت به من هموم الحياة وصراعات الأرض ، وصغرت في عينه الدنيا ، فيري ما علي الأرض من قصور وبيوت ومتاع وذهب وفضة كحلقة في فلاة ، وهل لنا إلا الله نلجأ إليه ونحتمي بحماه وندعوه خوفا وطمعا ، فلا أحد يسمع دعاءك ويعلم همومك وأوجاعك إلا ربك الذي خلقك فسواك فعدلك ، فكن علي يقين أنه لن يسمع دعاءك إلا الله ، فإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت علي أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا علي أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف .

* الخشية من الله والخوف من جلاله وعظمته والخشوع في الصلاة والدعاء هي صفة العلماء الأتقياء والعُبَّاد الصادقين ، وأعظم الناس خشية من الله هم أعظم الناس إيمانا :

· روي البخاري عن عائشة قالت : لما مرض رسول الله مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة ، فأذن فقال : " مروا أبا بكر فليصل بالناس " . فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف ، إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس " وفي رواية له : " قلت: إن أبا بكر رجل أسيف، إن يقم مقامك يبك، فلا يقدر على القراءة " .

· وكان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء ، وروي ابن المبارك وابن سعد عن عامر بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني كنت هذه التبنة! ليتني لم أخلق! ليتني لم أك شيئا! ليت أمي لم تلدني! ليتني كنت نسيا منسيا .

· وهذا عثمان البَكَّاء العابد المتهجد يقول : لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله . ويروى أنه قام الليل كله بالقرآن كله في ركعة واحدة عند الحجر الأسود .

· وهذا بكاء علي بعد صلاة الفجر وهو قابض علي لحيته يقول : آه من قلة الزاد وبُعْد السفر ووحشة الطريق .

هذه قلوب حية بمعرفة الله وحبه ، قلوب طاهرة من الغفلة والمعصية ، قلوب مشرقة بنور الإيمان واليقين ، " إنما يخشي الله من عباده العلماء " .

* القلوب تقسو بالغفلة وتقسو بالشهوة وتقسو بالمعصية ، وكيف تلين قلوبنا ؟

1- بمجالس العلم فهي الماء الذي يغسل القلوب من أدرانها .

2- بمجالسة الصالحين ، فهم أرق الناس أفئدة وأطهرهم قلوبا ، والجليس الصالح كحامل المسك .

3- بعيادة المرضي . لتري ضعف ابن آدم ، وتري نعمة الصحة التي متعك الله بها .

4- باتباع الجنائز وزيارة القبور نتذكر بها الآخرة .

5- بتدبر القرآن في الصلاة لعلها تخشع وتلين : " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك المثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون " ، وهذا حال نبينا في الصلاة ، كم مرة دخل عليه أصحابه فيرون دموعه على خده ولحيته ويسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء ؟

يقول حذيفة فيما رواه النسائي : " قام يصلي صلاة الليل بعد صلاة العشاء، فدخلت معه في الصلاة، فافتتح سورة البقرة، فقلت: يسجد عند المائة، فختمها، فافتتح سورة النساء، فاختتمها، فافتتح سورة آل عمران، ثم اختتمها، لا يمر بآية رحمةٍ إلا سأل الله، ولا بآية عذابٍ إلا استعاذ بالله، ولا بتسبيحٍ إلا سبح، قال: ثم ركع فكان ركوعه قريباً من قيامه، ثم قام فكان قيامه قريباً من ركوعه، ثم سجد فكان سجوده قريباً من ركوعه أو قيامه، ثم صلى الركعة الثانية قريباً من الأولى، ثم سلم وقد أوشك الفجر أن يطلع " . ما يقارب الست أو السبع ساعات مع مشاغله بالنهار في دعوة الخلق إلي الحق ، فمتي كان ينام ؟ وحق لهذه القدم الشريفة الطاهرة أن تتفطر وتتشقق من طول هذا القيام ، رغم مغفرة ذنوبه كان هذا هو العبد الشكور " أفلا أكون عبدا شكورا " .

هذه أمة رُبيت في المحراب وخرجت علي الدنيا بأنوار هذا الدين العظيم عملا وسلوكا وأخلاقا و ليس كلاما وشعارا ودعاوي ، " محمد رسول الله والذين معه أشداء علي الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود " ، سيما المؤمن سكينة ووقار وطمأنينة ، تأنس العيون بالنظر إلي الوجوه الساجدة العابدة الطائعة لربها ، ألم يقولوا للحسن رحمه الله يوما : ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها بالنهار ؟ فقال : لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره .

* لما نزلت هذه الآية : " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب " قال ابن عمر : من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة ، فليره الله في ظلمة الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه .

هذا هو العلم النافع الذي يدعو إلي العمل الصالح ، هذا هو العالم الخاشع ، هذا هو ليله وهذا حاله مع ربه ، كلما ازداد المؤمن علما كلما ازداد من الله خشية ومعرفة بجلال الله وعظمته ، وعلمه هو الذي دعاه أن يكون بالليل هكذا ساجدا وقائما لأن الأمر جدّ ، والحياة كلها رحلة عابرة قصيرة ، وما نراه بعيوننا سراب يخدع الأبصار ويشغل القلوب ، ونحن عنه راحلون ، وكم من عالم تقي صالح من سلف الأمة رؤي بعد موته فقال : ما نفعنا إلا ركيعات كنا نركعهن قبل الفجر .

* وأول شيء يُرفع من علم هذه الأمة هو علم الخشوع ، حتي يصبح الناس يسمعون عنه ولا يدرون ما هو ولا كيف يكون !!

أخرج الحاكم وصححه من طريق جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال : " كنا مع رسول الله فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء " فقال زياد بن لبيد : يا رسول الله وكيف يختلس العلم منا وقد قرأنا القرآن ؟ فو الله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا فقال : " ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة ، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا يغني عنهم " ، فلقيت عبادة بن الصامت فقلت له : ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء ؟ وأخبرته . فقال صدق وإن شئت لأحدثنك بأول علم يُرفع من الناس ، الخشوع . يوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيه رجلا خاشعا ".

الخشوع نعمة غالية ، ومن وجد في الصلاة أنسا وراحة هانت عليه مصائب الدنيا ، وأعطاه الله حاجته وبادره بالعطاء قبل السؤال .

* حينما رأي زكريا معالم الخير والكرامة علي مريم تحركت فيه عاطفة الولد فدعا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ، فأين بشرته الملائكة بالولد والولد من الرزق ؟ لقد زفت إليه البشري وهو قائم يصلي في المحراب ، وليس غافلا أو عاصيا أو لاهيا ، " فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحي "، دعا ربه ثم فزع إلي الصلاة ، قال ابن مسعود : احملوا حوائجكم علي المكتوبة .

وهذه صورة من ليالي الصالحين : روي أحمد في مسنده وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة عن النبي قال : " رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلَّت، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء " .

الليالي كلها مظلمة فأنيروها بذكر الله ، ودقائق الليل غالية فلا تجعلوها رخيصة بالغفلة .

* هذا طاووس بن كيسان فقيه اليمن ، كان يطوف بالكعبة فرأي علي بن الحسين يصلي خاشعا في الحِجْر ( حِجْر إسماعيل بالكعبة ) ، فقال طاووس في نفسه : هذا رجل أهل علم وصلاح من آل بيت النبوة أقترب منه فأسمع ما يقول . قال طاووس فسمعته يناجي ربه قائلا : يا رب عُبَيْدك بفنائك . يا رب فقيرك بفنائك . يا رب مُسَيْكِينُك بفنائك . يا رب سائلك بفنائك . يقول طاووس : ما نزلت بي شدة قط فدعوت الله بهذه الكلمات إلا فَرَّج الله عني ما أنا فيه .

نعم . فالله أحق من عُبد ، وأكرم من سُأل . وأجود من أعطي . وأرأف من ملك . وأعظم من ابتغي .

* يقول الله تعالى : " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد " . روى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال : قال لي رسول الله : " اقرأ عليّ " قلت : يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : " فإني أحب أن أسمعه من غيري " ، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " قال : " حسبك الآن " . فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان .

لقد كان حاضرا مع القرآن بقلبه وعقله وجوارحه ، ويستحضر معانيه ويعيش فيها ويبكي عند موضع البكاء إظهارا للعبودية والانكسار واللجوء إلي الله في كل طلب ورجاء .

* من كانت له إلي الله حاجة ، فقام يصلي من الليل ويبكي متضرعا ذليلا بين يدي ربه إلا استجاب الله له دعاءه ولم يُخيب رجاءه ، والمقصود بالخشوع في الصلاة هو أن يستحضر العبد قربه من الله ، فتسكن جوارحه ، ويقل التفاته ، ويكون متأدبا بين يدي مولاه ،

مطمئنا في قيامه وركوعه وسجوده ، متأسيا في ذلك بنبيه ومصطفاه ، فهذه الصلاة هي التي تكفر الخطايا وترفع الدرجات وتقضى بها الحوائج .

روى مسلم عن أبي أمامة أن النبي قال : " فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل ، وفرغ قلبه لله ، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه " .

نعم . الغني بالله عز وكرامة ، من استغني بالله عمن سواه كفاه الله مؤونة دنياه وأخراه ، " ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور " .

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الموسوعات المتشابهة الموسوعة التالية
جديد الموسوعات
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net