556 - توبة السارق وحد الحرابة وقصة العرنيين وإثم الزناة - شرح صحيح البخاري. - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري عناية الإسلام بالصحة (بمناسبة انتشار فيروس كورونا) ( خطبة مسموعة) - خطب جمعة صوتية 557 - رجم المحصن الزاني والتثبت قبل إقامة الحد ونصيحة من زنا بستر نفسه والتوبة وعدم الإقرار وجواز الصلاة على من أُقيم عليه الحد – شرح صحيح البخاري . - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري 558 - مَنْ أصاب ذنبا دون الحد فلا عقوبة عليه وإقامة الحد على المعترف بالزنا وجواز مراجعة اعترافه لعله أخطأ وفوائد من قصة العسيف الذي زنا – شرح صحيح البخاري . - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري الأمل . ( خطبة مكتوبة ) - الخطب المكتوبة 559 - رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت ولا تُرجم حتى تضع حملها وفيه فوائد خطبة عمر في شأن خلافة أبي بكر - شرح صحيح البخاري. - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري 560 - الزاني البكر رجلا أو امرأة يُجلدان ويُنفيان وجواز نفي أهل المعاصي والمخنثين ولعن المخنثين من الرجال والمسترجلات من النساء – شرح صحيح البخاري. - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري الشباب عماد الأمة ( خطبة مسموعة) - خطب جمعة صوتية 561 - أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورُفع أمرهم إلى الإمام – شرح صحيح البخاري. - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري 562 - حكم مَنْ رأى مع امرأته رجلا فقتله وكيف يكون التعزير والتأديب في غير الحدود ومن الكبائر قذف المحصنات المؤمنات – شرح صحيح البخاري. - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

2. نشأة الفقه الإسلامي وتاريخ التشريع .

الموسوعة
2. نشأة الفقه الإسلامي وتاريخ التشريع .
27778 زائر
05-07-2010
إدارة الموقع

نشأة الفقه الإسلامي وتاريخ التشريع

* موضوع الفقه :

موضوع علم الفقه هو أفعال المكلّفين من العباد، فيبحث فيه عمّا يعرض لأفعالهم من حلّ ‏وحرمة، ووجوب وندب وكراهة.

نشأة الفقه وتطوّره

نشأ الفقه الإسلاميّ بنشأة الدّعوة وبدء الرّسالة، ومرّ بأطوار كثيرة ولكنّها غير متميّزة من حيث ‏الزّمن تميّزاً دقيقاً، إلاّ الطّور الأوّل وهو عصر النّبوّة ، فإنّه متميّز عمّا بعده بكلّ دقّة بانتقال النّبيّ صلى الله علي وسلم إلى الرّفيق الأعلى. ‏ وكان مصدر الفقه في هذا الطّور الوحي ، بما جاء به القرآن الكريم من أحكام، أو بما اجتهد ‏فيه النّبيّ صلى الله علي وسلم من أحكام كان الوحي أساسها، أو كان يتابعها بالتّسديد، وكذلك كان اجتهاد أصحاب ‏النّبيّ صلى الله علي وسلم في حياته مردّه إلى النّبيّ صلى الله علي وسلم ؛ يقره أو ينكره.. وعلى ذلك كان الوحي مصدر التشريع في ‏ذلك العصر. ثمّ تتابعت بعد وفاة النبي صلى الله علي وسلم ؛ أطوار متعدّدة.‏

* مراحل التشريع الإسلامي :

* مر التشريع الإسلامي بستة أدوار: ‏

  • ‏1- المرحلة الأولى: التشريع في حياة رسول الإسلام ‏.‏
  • ‏2- المرحلة الثانية: التشريع في عصر كبار الصحابة وأئمة أهل البيت (من سنة 11 إلى سنة أربعين هجرية).‏
  • ‏3- المرحلة الثالثة: التشريع في عهد صغار الصحابة ومن تلقى عنهم من التابعين.‏
  • ‏4- المرحلة الرابعة: تدوين السنة وأصول الفقه، وظهور الفقهاء الأربعة الذين اعترف الجمهور ‏لهم بالإمامة والاجتهاد المطلق، الفقه المالكي الفقه حنفي الفقه الشافعي الفقه الحنبلي‏.
  • ‏5- المرحلة الخامسة: القيام على المذاهب وتأييدها، وشيوع المناظرة والجدل من أوائل القرن ‏الرابع إلى سقوط الدولة العباسية. ‏
  • ‏6- المرحلة السادسة: دور التقليد، وهو يبدأ من سقوط بغداد على يد هولاكو إلى بدايةالقرن الهجري الماضي .
  • 7- المرحلة السابعة‏ : دور التجديد، وقد بدات نواته من بداية القرن السابع على يد شيخ الإسلام ابن تيمية ثم قوي بداية القرن الجديد على يد علماء من أمثال الشوكاني وغيره رحمهم الله .

* المرحلة الأولى : التشريع في حياة رسول الله صلى الله علي وسلم :

عصر النبي صلى الله علي وسلم يعبر هذا العصر أهم العصور الفقهية كون التشريع الرباني تم في هذا العصر وأن التشريع الإلهي هو أساس الفقه في جميع أدواره وعصوره في الماضي والحاضر والمستقبل ، ولقد كان الفقه في هذا العصر هو فقه الوحي فقط حيث كانت الأحكام الشرعية تنزل على النبي صلى الله علي وسلم بلفظها ( القرآن ) ومعنها ( السنة )

* التشريع في مكة : لبث النبي صلى الله علي وسلم 13 سنة في مكة واتجه الوحي في هذه الفترة إلى ناحية العقيدة والأخلاق ولم يتعرض للأحكام العملية لأن العقيدة هي أساس الأول ، ولابد من إصلاحها وتنقيتها من الشوائب والأباطيل ونزل القرآن موضحاً هذا المعنى بالدليل والبرهان طالباً من المخاطبين استخدام عقولهم والنظر في ملكوت السماوات والأرض ، وكذلك كان القرآن ينزل بالآيات الكثيرة في مجال الأخلاق كون الأخلاق الفاضلة من لوازم العقيدة وأساس العمل الصالح .

* التشريع في المدينة : بعد أن أذن الله إلى النبي صلى الله علي وسلم بالهجرة إلى المدينة مع أصحابه فوجدوا الجو ملائماً لأن يقيموا لهم نظاماً اجتماعياً وسياسياً على أساس الدين الجديد ، فكانت المدينة أول دولة في تلك البقعة فاتجه التشريع :
1- إلى كل ما يتصل بحياة الأفراد أو بحياة الجماعة .
2- شرعت أحكام العبادات والجهاد ونظام الأسرة من زواج وطلاق ورضاع وحضانة ، وكذا حقوق الأبناء والميراث وأنصبة الورثة .
3- الأحكام المتعلقة بالجرائم والعقوبات وأنواع المعاملات وعلاقة الدولة الإسلامية مع غيرها .

* طريقة التشريع :
1- تقع حوادث تقتضي حكمها من الشارع أو يسئل النبي صلى الله علي وسلم من قبل المسلمين عن حكم واقعة ، في هذه الحالة ينتظر الوحي ينزل عليه بالآيات المبينة للحكم .
2- الأحكام التي نزلت بمناسبة حوادث وقعت : قال تعالى ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن .. ) وهذه الآية نزلت لأن أحد المسلمين أراد الزواج من مشركة .
3- الأحكام التي نزلت جوابا عن سؤال : قال تعالى : (يسألونك عن المحيض قل هو آذى فاعتزلوا النساء في المحيض ) ، ( يسألونك ماذا ينفقون ) .
4- أحكام غير مسبوق بسؤال ولا حادثة ولكن الشارع بينها : بيان أحكام الشورى ومقادير الزكاة ، وتفصيل الكثير من أحكام الأسرة ، وبيان العقوبات .

* مميزات التشريع في هذا الدور :
التدرج في التشريع : إن أحكام القرآن لم تنزل دفعة واحدة ، إما نزل جواب عن سؤال ، أو لحادثة وقعت ، أو تقدير من الشارع ، والحكمة من هذا التدرج هي :
أ‌- أنه جعل الأحكام أخف على النفس مما لو نزل دفعة واحدة ، وبذلك تكون أدعى للقبول .
ب‌- إنها تيسير للمخاطبين لمعرفة الأحكام وحفظها .

* أنواع التدرج في التشريع :
1- تدرج زمني : أي أن الأحكام لم تنزل مرة واحدة بل هناك المتقدم منها والمتأخر .
2- تدرج في أنواع ما شرع من أحكام : أي أن المسلمين لم يكلفوا بالأحكام مرة واحداً إنما أخذوا بالرفق تيسيراً عليهم ، ومن الأمثلة :
أ‌- الصلاة شرعت بداية بالغداة والعشي ثم جعلت خمس صلوات في اليوم والليلة .
ب‌- الزكاة كانت ليس لها حد معين ثم عينت مقاديرها .
ج‌- الخمر لم تحرم في البداية ثم جاء تحريمها على مراحل ، في البداية ذكر أضرارها ، ثم النهي عن الصلاة في حالة السكر ، ثم التحريم .

3- تدرج بذكر الأحكام بشكل كلي ثم يأتي التفصيل بعد ذلك ، التشريع المكي جاءت أحكامه بشكل كلي ثم جاء التشريع المدين مفصلاً للكلي .

* رفع الحرج : إن الشارع ما يريد لعباده إلا التيسير والتخفيف لقوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ، ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) كمثل اعتبار المرض والسفر والخطأ والنسيان أعذار لتخفيف الأحكام .

* النسخ : أي رفع الحكم المتقدم بحكم لاحقمتأخر عنه ، وأن النسخ وقع في هذا الدور فقط ، وسببه رعاية المصلحة ورفع الحرج والضيق ، ومن الأمثلة :
1- المتوفى عنها زوجها كانت عدتها سنة لقوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج ) ، ثم نسخة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام لقوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ) .
2- كانت الوصية للوالدين جائزة ثم نسخت بآيات المواريث وقال النبي صلى الله علي وسلم : ( إن الله أعطى كل ذي حقاً حقه ، ألا لا وصية لوارث ) .
3- القبلة كانت إلى البيت المقدس ثم نسخت إلى مكة المكرمة .

* الاجتهاد في هذا العصر وأثره في التشريع :

* من اجتهاد النبي صلى الله علي وسلم :
1- أخذه الفداء من أسرى بدر لأن حكم الأسرى لم يشرع في ذلك الوقت ولم ينزل الوحي بحكم لهؤلاء فاجتهد النبي صلى الله علي وسلم واستشار أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فأشار أبو بكر بالفداء وأشار عمر بقتلهم ليكونوا عبرة لغيرهم من المشركين فلا يجترؤوا على مهاجمة المسلمين .
2- قال النبي صلى الله علي وسلم ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) فهذا تخيير من النبي صلى الله علي وسلم في أمر السواك .
* من اجتهاد الصحابة :
1- حديث معاذ لما أرسله النبي صلى الله علي وسلم إلى اليمن ، وقال له كيف تصنع إن عرض عليك القضاء : قال أقضي بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسول الله فإن لم أجد أجتهد رأيي ، فقال النبي صلى الله علي وسلم : الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله .
2- إن هناك صحابيين خرجا في سفر وجاء وقت الصلاة فلم يجدا ماء فتيمما وصليا ثم وجدا الماء قبل خروج وقت الصلاة ، فتوضأ أحدهما وأعاد الصلاة ، ولم يعد الآخر ، وقدما على النبي صلى الله علي وسلم وأخبراه بما كان بينهما ، فقال لمن لم يعد صلاته : ( أجزاتك صلاتك وأصبت السنة ) ، وقال للذي أعاد ( لك الأجر مرتين ) .
ولم يكن هناك اختلاف في هذا الدور ، لأن النبي صلى الله علي وسلم يعتبر هو المرجع في الفتوى والقضاء ، وهو المبلغ عن أحكام الإسلام فلا مصدر للتشريع في هذا العصر إلا القرآن والسنة أما اجتهاد الصحابة فهو مردود إلى النبي صلى الله علي وسلم إما يقره أو ينكره .

* التدوين في هذا العصر :

النبي صلى الله علي وسلم اتخذ كُتّاباً يكتبون له ما ينزل من القرآن ، ومن هؤلاء زيد بن ثابت ، وعلي بن أبي طالب ، وعثمان بن عفان ، وغيرهم ، وقد توفى النبي صلى الله علي وسلم والقرآن محفوظ في الصدور ومدون في صحائف ولكنه لم يكن مجموعا في مصحف واحد ، وفي زمن أبي بكر جمع في مصحف واحد ، أما السنة النبوية فلم تدون خشية من النبي صلى الله علي وسلم أن تختلط بالقرآن ، ثم أباح لهم كتابتها فكان بعض الصحابة يكتب ما يسمعه من النبي صلى الله علي وسلم مثل عبدالله بن عمرو بن العاص كانت لديه صحيفة تسمى " الصادقة " .

* المرحلة الثانية : التشريع في عصر كبار الصحابة الخلفاء الراشدين :

بدأ الفقه بالنمو والاتساع في هذا الدور ذلك أن الفقهاء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واجهوا وقائع وأحداثا ما كان لهم بها عهد في أيام النبي صلى الله عليه وسلم فكان لابد من معرفة حكم الله فيها . كما أن الحروب وما بعدها أدت إلى كثرة المسائل الفقهية ، والفتوحات الإسلامية وما ترتب عليها من امتداد سلطان الإسلام على بلاد كثيرة ، واتصال المسلمين بأهل تلك البلاد ولكل بلد أعرافه وعاداته وتقاليده ونظمه كل ذلك أدى إلى ظهور مسائل وقضايا جديدة فاجتهدوا واستعملوا عقولهم وفكرهم على ضوء قواعد الشريعة و مبادئها العامة ومعرفتهم بمقاصدها . وكما اجتهد الفقهاء في هذا العصر واختلفوا فقد اجتهدوا واتفقوا ، والاتفاق هو الإجماع ، وهكذا ظهر الإجماع في هذا الدور كمصدر للفقه وما كان له وجود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم .

* طريقتهم في التعرف على الأحكام :
كان فقهاء الصحابة إذا نزلت النازلة التمسوا حكمها في كتاب الله ، فإن لم يجدوا الحكم فيه تحولوا إلى السنة ، فإن لم يجدوا الحكم فيها تحولوا إلى الرأي وقضوا بما أداهم إليه اجتهادهم .

وكان الاجتهاد في زمن أبي بكر وعمر بي الخطاب اجتهادا جماعيا أي يأخذ شكل الشورى فكان الخليفة إذا عرض عليه الأمر دعا أولي الرأي والفقة وطرح عليهم المسألة وتناقشوا فيها فإذا اتفقت آراؤهم في حكم المسألة قضى بما اتفقوا عليه ، وإن اختلفت آراؤهم أخذ بما يراه صوابا. وكما وقع الاجتهاد الجماعي وقع أيضا الاجتهاد الفردي من الخلفية نفسه ومن غيره.
إلا أن الاجتهاد الجماعي كان هو الغالب في عصر الخليفة الأول والثاني وكان أكثر ما يكون في المسائل العامة كما في مسألة تقسيم أرض السواد في العراق على الفاتحين واستشارة عمر لفقهاء الصحابة و كبارهم في هذه المسألة .

* استنادهم إلى تعليل الأحكام ورعاية المصلحة :
إن المتتبع لاجتهاد الصحابة في هذا الدور يلحظ أنه بأنواعه قام على أساس نظرهم إلى علل الأحكام ورعايتهم المصلحة ودرء المفسدة. وعلى هذا الأساس لم يطبقوا بعض الأحكام المنصوص عليها لزوال علتها أو لعدم تحقق شروط تطبيق الحكم أو لغرض الردع و الزجر عن الوقوع في المفسدة.
فمن الأحكام التي وردت بها نصوص و لم تطبق ما يأتي:
أ. سهم المؤلفة قلوبهم:
ففي زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يعط شيئا من الزكاة لمن كانوا يسمون " المؤلفة قلوبهم " وذلك لزوال علة الحكم بعد أن كثر عدد المسلمين وقويت شوكتهم وصارت لهم دولة قوية مرهوبة الجانب.
ب‌. إيقاف حد السرقة عام المجاعة:
فقد أوقف عمر بن الخطاب تطبيق هذا الحد في عام المجاعة لعدم توفر شروط تطبيق الحكم ومنها انتفاء الضرورة الملجئة إلى السرقة حيث إن: " الضرورات تبيح المحظورات " كما تنص على ذلك القاعدة الفقهية .

ومن الأحكام الجديدة التي استنبطوها بناء على تحقيق مصلحة أو درء مفسدة ما يأتي:
أ‌. توريث من طلقها زوجها بائناً وهو في مرض الموت سدا لذريعة الإضرار بالزوجة ، وقد رأى عثمان توريثها سواء مات زوجها في العدة أو بعدها ورأى عمر توريثها إذا مات زوجها في العدة لا بعدها.
ب‌. ومن باب سد الذريعة للفساد أيضا ما ذهب إليه عمر من حرمة المرأة مؤبدا على من تزوجها وهي في عدتها.
ج‌. ومنه أيضا جمع القرآن وقتل الجماعة بالواحد فجمع القرآن اتفق عليه الصحابة ، وقتل الجماعة بالواحد ذهب إليه عمر وعلىّ بن أبي طالب رضي الله عنهما ولم يعرف لهما مخالف ، وكلا الحكمين لوحظ فيه تحقيق المصلحة ودرء المفسدة .

* الاختلاف في الرأي :
لأن فقهاء الصحابة اختلفوا ، فطبيعة الأمر لابد أن يترتب على هذا الاختلاف اختلاف ، أو ربما ينتهي الأمر إلى الاتفاق و الإجماع .
وهناك عدة ملاحظات بالنسبة لاختلافات الصحابة في الرأي نجملها فيما يأتي :
1- الاختلاف في الرأي نتيجة حتمية للاجتهاد ، وهو دليل حيوية الفقه ، كما أنه دليل إعمال الفقهاء عقولهم وشدة حرصهم على معرفة الصواب .
2- يرجح اختلافهم في هذا العصر إلى أحد الأسباب التالية :
أ‌- اختلافهم بسبب عدم الوثوق ببعض الروايات في السنة .
ب‌- اختلافهم بسبب علم البعض بالسنة وعدم علم البعض الآخر بها .
ت‌- اختلافهم بسبب اختلافهم في فهم النصوص .
ث‌- اختلافهم بسبب الاجتهاد فيما لا نص فيه .
3- ومع أن الفقهاء في هذا العصر اختلفوا ، إلا أن اختلافهم كان قليلاً لا كثيراً ، لأن الاجتهاد كان يأخذ شكل الشورى لا سيما في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وهذا المسلك يقرب وجهات النظر ويقضي على الاختلاف في معظم الأحيان ، كما أن الفقه كان في هذا العصر فقهاً واقعياً بمعنى أن الفقهاء ما كانوا يفرضون المسائل مقدماً ويبحثون عن حكمها ، وإنما يفتون إذا وقعت الحادثة وظهرت الحاجة إلى معرفة حكمها ، مما جعل الإفتاء قليلاً بالنسبة إلى ما حدث فيما بعد ، ومع قلة الإفتاء يقل الاختلاف ، وأيضاً فإن المسائل بمجموعها أقل مما حصل في العصور اللاحقة بها ، وأخيراً فإن فقهاء الصحابة ما كانوا يتهجمون على الفتوى بل كانوا يحبون لو كفاهم غيرهم ، ومع قلة المفتين يقل الاختلاف .

* المرحلة الثالثة : التشريع في عهد صغار الصحابة و التابعين :‏

يبتدىء هذا الدور من ولاية معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، أي في بداية العهد الأموي سنة 41 هجرية ‏إلى أوائل القرن الثاني من الهجرة .‏ أي يبدأ هذا الدور من نهاية عصر الخلفاء الراشدين إلى قبيل سقوط الدولة الأموية ، وقد سار الفقه في هذا الدور على نهج الصحابة في الفقه ،

فكان فقهاء هذا العصر يرجعون إلى الكتاب ثم إلى السنة ثم إلى الاجتهاد بالرأي بأنواعه ، ناظرين إلى علل الأحكام ومراعاة المصلحة ودفع المفسدة .

* أسباب اتساع دائرة الفقه وكثرة الخلاف في مسائله :
1- انتشار الفقهاء ، من الصحابة والتابعين في الأمصار الإسلامية واستيطانهم فيها .
2- عدم وجود الاجتهاد بالشورى لتفرق الفقهاء في الأمصار الإسلامية وعدم اتصالهم مع بعضهم البعض.
3- إن البلاد التي نزلها الفقهاء كانت مختلفة فيما بينها في العادات والتقاليد والأعراف ونظم الحياة .
4- إن أهل كل بلد تلقوا العلم عن فقهائهم ووثقوا بهم والتعلق بفتاويهم والسير على منهاجهم ، فأهل المدينة يتبعون فتاوى عبدالله بن عمر وعبدالله بن عباس ، وأهل الكوفة فتاوى عبدالله ابن مسعود ، وأهل البصرة فتاوى أبي موسى الأشعري وأنس بن مالك ، وأهل الشام فتاوى معاذ بن جبل ، وأهل مصر فتاوى عبدالله بن عمرو بن عاص .

* شيوع رواية الحديث سببه :
1- كثرة الاستنباط من السنة .
2- كثرة وضع الحديث من قبل المفسدين والزنادقة والكذابين .
3- عرقلة سير الفقه وتعسير طريق الفقهاء وإبطائهم في عملهم بسبب وضع الحديث .
4- ظهور علم جديد يسمى بعلم الجرح والتعديل يهدف إلى خدمة السنة والكشف عن أحوال رواتها وتميز الصادق من الكاذب .

* ظهور مدرسة أهل الحديث ( في المدينة ) ومدرسة أهل الرأي ( في الكوفة ) : أساس الخلاف بين المدرستين هو الأخذ بالرأي ، وتفريع المسائل بناء على الرأي .

* مميزات و خصائص هذا الدور:
‏1- تفرُّق المسلمين سياسياً واتساع نطاق الخلاف لظهور نزعتين سياسيتين بعد مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه و ‏هما: الخوارج و شيعة علي رضي الله عنه وهي فئة سياسية ، أي لها بعض الآراء السياسية المعينة لا أنها كانت تخالف المسلمين في ‏بعض أمور الدِّين كحال الشيعة في عصرنا ، أما الشيعة كمذهب ديني كما هو في عصرنا لم يكن له وجود في ذلك ‏العصر و لم يظهر هذا المذهب إلا في القرن الثالث الهجري).
‏2- انتشار الصحابة في البلاد بعد أن كانوا محصورين بين مكة و المدينة وذلك لاتساع رقعة الإسلام والاحتياج ‏إلى فتاوى جديدة وبالتالي إلى سماع الأحاديث.
‏3- ظهور الكذب في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و ذلك للأسباب التالية : ‏
أ - وجود الزنادقة و أعداء الدين من اليهود ( كعبد الله بن سبأ ) و الروم والفرس وغيرهم الذين كانوا يكيدون ‏للإسلام باطلاً، و هؤلاء لبسوا مسوح الإسلام و كانوا يُظهرون التَّدين و يجلسون مجلس الرواية عن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ليستمعوا الأحاديث ثم يجلسون مجالس أخرى يعلِّمون الناس فيها أحاديث مكذوبة. و قد ‏تلبَّس كثير من هؤلاء المجرمين بالجرم المشهود فعوقبوا وأنزلت بهم الخلافة الإسلامية آنذاك أشد العقوبات فكان ‏أحدهم يقول قبل أن يُقتَل لينفِّس عن غيظه : أين أنتم من الأحاديث التي وضعتُها فيكم أحرِّمُ الحلال و أحِلُّ الحرام .‏
ب- انتصار المتعصبين لمذاهبهم كدعاة المبتدعة : يروي عبد الله بن ذريعة يقول : قال لي شيخ من الخوارج تاب : " ‏إنَّ هذا الحديث دين ، فانظروا عمَّن تأخذون الحديث، فإنّا كنا إذا رأينا رأياً جعلناه حديثاً ".
وكذا من فئة الشيعة، ورد أنَّ جابر الجم و هو ممن غالى من التشيع قال أنا عندي خمسون ألف حديث، يرويها ‏ابتداعاً عن رسول الله صلى الله عليه و سلم.
ج- العاطفة الإسلامية الفجة التي لا تضبطها قواعد العلم، كالتي نجدها عند جهلة المتعبدين الذين وضعوا ‏الأحاديث في الفضائل و غيرها. أراد بعض الجهلة أن يُرَغِّبوا العامة في الجنة و يخوِّفوهم من النار، فأخذوا يضعون ( ‏أي يختلقون ) الأحاديث و هم يقولون إذا وقعوا بيد العلماء : " نحن نكذب لرسول الله صلى الله عليه و سلم و لا ‏نكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم " !.‏
د- رغبة بعض الفسقة من المحدثين في جمع عدد كبير من الناس حولهم في المساجد و تنافسهم فيما بينهم ‏لجعل حلقة الواحد منهم أكبر من حلقة غيره، و هذه الظاهرة نجدها حتى في عصرنا اليوم فتجد واحداً ممن ادعى ‏العلم يروي الأحاديث الموضوعة و المكذوبة في دروسه و عامة الناس لا يعرفون لا بل يظنونه من كبار العلماء ! و ‏كان العلماء يحذِّرون من مجالسة هؤلاء القصاصين . ‏

* الدور الرابع من تاريخ التشريع الإسلامي :

ويمتد من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع وهو دور تدوين السنة و الفقه وظهور كبار الأئمة الذين ‏اعترف لهم الجمهور بالزعامة .

ولقد نما الفقه في هذا العصر نمو عظيماً وازدهر ازدهاراً عجيباً ، وفي هذا الدور ظهر نوابغ الفقهاء ، والمجتهدين ، المحدثين – علماء الحديث ، ودون الفقه في هذا العصر وضبطت قواعده ، ودونت السنة تدويناً شاملاً مع بينان الصحيح من الضعيف وألفت كتب كثير .
مسميات هذا الدور : الفقه الذهبي ، عصر ازدهار الفقه ، عصر التدوين ، عصر المجتهدين .

* ازدهار الفقه في العصر يرجع إلى أسباب :
1- عناية الخلفاء العباسيين بالفقه والفقهاء .
2- اتساع البلاد الإسلامية فقد كانت تمتد من أسبانيا إلى الصين .
3- ظهور المجتهدين الكبار ذوي الملكات الفقهية الراسخة .
4- تدوين السنة ، فقد دونت السنة وعرف صحيحها وضعيفها .

* مراحل تدوين السنة في هذا العصر :
1- لم تدون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم .
2- لم تدون في عصر أبي بكر الصديق إنما تنقل بالرواية والمشافهة .

3- لم تدون في عصر عمر بن الخطاب .
4- كاد أن يدون في عصر عمر بن عبدالعزيز ولكنه لم يدون لوفاة من أمر بتدوينه .
5- دون في عهد العباسيين وتم تدوينها بطريقة فتاوى الصحابة وأقوالهم .
6- في نهاية القرن الثاني تم تدوينها بطريقة المسانيد أي جمع الأحاديث كل صحابي على حده .
7- في القرن الثالث تم تدوينه مرتباً على أبواب الفقه ومن أشهر من دونها على أبواب الفقه : ( البخاري ، مسلم ، الترمذي ، أبو داوود ، النسائي ، ابن ماجه ، الإمام أحمد ) .

* ظهور المذاهب الإسلامية :
ظهرت المذاهب الفقهية في هذا الدور وألفت الكتب الفقهية في كل مذهب وأسس قواعد علم أصول الفقه .

* الدور الخامس : بدأ هذا الدور من نهاية الدور الرابع إلى سقوط بغداد ، وهو دور ركود الفقه ، والتقيد وتقليد مذهب معين ، وسد باب الاجتهاد .

* سبب جنوح الفقهاء إلى التقليد :
1- ضعف الحكومة العباسية وانتشار دويلات بينها .
2- عدم اهتمام الخلفاء العباسيين بالفقه والفقهاء .
3- ضعف الثقة بالنفس والتهيب من الاجتهاد ، خوفاً من الاجتهاد على باطل وخلاف القرآن والسنة .

* عمل الفقهاء في هذا العصر :
1- تعليل الأحكام المقولة عن أئمتهم .
2- استخلاص قواعد الاستنباط .
3- الترجيح بين الأقوال المنقولة عن الإمام .
4- تنظيم فقه المذهب ، وذلك بتنظيم أحكامه وإيضاح مجملها وتقييد مطلقها .

* الدور السادس : بدأ هذا الدور من سقوط بغداد إلى القرن السابع .

بدأ بتقليد المذاهب وعدم الاجتهاد وإغلاق بابه والجمود على ما يتناقله التلاميذ عن شيوخهم ، وقد غالى البعض في التعصب المذهبي حتى خرج عن مقاصد الشريعة وما تتصف به من سعة ومرونة وسماحة .

* اتجه فقهاء هذا الدور إلى التأليف :
المتون : عبارة أشبه بالألغاز ، والشروح بجانب المتون ، والحواشي هي تعليقات وملاحظات على الشروح ، وكتب الفتاوى وهي جواب عن سؤال شرعي .


* الدور السابع : عصر التجديد بدايته من القرن السابع إلى عصرنا هذا .

وفي هذا الدور نادى بعض الأفراد بالاجتهاد المطلق وتلمس الأحكام من الكتاب والسنة وعدم التقيد بمذهب معين ، ومن هؤلاء ابن تيمية وابن القيم والشوكاني صاحب كتاب نيل الأوطار وغيرهم .

وفي هذه المرحلة أحيا العلماء من جديد دور الاجتهاد الذي زعم البعض أنه قد أغلق بحجة أنه ما ترك الأول شيئا للآخر ، رغم أن النصوص الشرعية متناهية بينما وقائع الناس متجددة غير متناهية ، فوجب على العلماء في كل عصر إعمال العقل والفكر فيما يجد في حياة الناس من قضايا شرعية فقهية يحتاجون فيها إلى معرفة حكم الشريعة .

مثال ذلك : الحكم الشرعي في زراعة الأعضاء البشرية ونقلها ، عمليات التجميل ، نقل الدم ، التأمين بكل صوره وأنواعه ، أحكام البيوع المعاصرة والتكييف الشرعي لها مثل : بطاقات التأمين ، وغير ذلك من وقائع حدثت وأخرى في الطريق تحتاج إلى فقه الفقيه ومعرفة الحكم الشرعي .

وفتح باب الاجتهاد يدل على حيوية هذا الفقه وصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان ، مما يدل على أنها الشريعة الخاتمة التي تفي بكل حاجات الناس فيما يتعلق بمعاشهم ومصالحهم الدنيوية والأخروية .

   طباعة 
14 صوت
التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

4 + 5 =

/500
جديد الموسوعات
كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب ( تفسير الجلالين ) - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير - موسوعة التفسير وعلوم القرآن
كتاب قواعد التحديث (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه
كتاب نخبة الفكر ج2 (نسخة مصورة) - موسوعة الحديث وعلومه