:: الأخبار ::

:: الجديد ::

رعاية الوالدين والمسنين في الإسلام

::: عرض المقالة :::

رعاية الوالدين والمسنين في الإسلام
8471 زائر
17-01-2011

" رعاية الوالدين والمسنين في الإسلام "

لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

* المحاور :

1- الدافع وراء رعاية الوالدين والكبار هو عقيدة المؤمن وإيمانه بربه ودينه الذي يأمره بحفظ الحقوق لأصحابها والبر والإحسان لمن أحسن إلينا .

2- ( الوفاء ) الدافع للبر والإحسان هو الوفاء لمن قدموا أغلى ما عندهم لأبنائهم .

3- عبادة البر ، كما نتقرب إلى الله بالصلاة والزكاة والصيام والصدقة والذكر والدعاء ، فالبر والإحسان عبادة نؤجر عليها وتثقل بها موازيننا يوم القيامة .

4- لماذا العناية بالوالدين خاصة الأم ؟

5- أخلاق الأنبياء في توقير الكبار والوالدين .

6- كيف ربى النبي أصحابه على الإحسان للكبار ؟

7- الكبار سبب لتيسير الأمور وسعة الأرزاق والنصر على الأعداء وذلك ببكائهم ودعائهم .

8- ما نزرعه هو الذي سنجنيه والجزاء من جنس العمل .

1- الدافع وراء رعاية الوالدين والكبار هو عقيدة المؤمن وإيمانه بربه ودينه الذي يأمره بحفظ الحقوق لأصحابها والبر والإحسان لمن أحسن إلينا ، كما أنه كان لهم السبق بطاعة الله .

لا خير في حياة تخلو من البر و الخير والمعروف ، والإيمان هو الذي تَطِيب به الحياة لأنه يعلمنا حب الخير والبر والمعروف ، فإذا ذاق الناس طعم الإيمان تري في الحياة المودة والرحمة والإحسان ، بمعرفة الله تُحفظ حقوق العباد ، فالإسلام هو الذي يحفظ الحقوق لأصحاب الحقوق ، فهو يحفظ حق الآباء وحق الأبناء ، يحفظ حق الزوج وحق الزوجة ، يحفظ حق الصغير وحق الكبير ، فإذا ضاع الإسلام من حياة الأمة ضاعت معه كل الحقوق .

وروى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال : سألت النبي أي العمل أحب إلي الله ؟ فقال : الصلاة علي وقتها ، قلت : ثم أي ؟ قال : بر الوالدين ، قلت : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله "

أحب الأعمال إلي الله الصلاة فهي صلة العبد بمولاه ، وبر العبد بوالديه فهما أقرب الناس إليه ، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله في الأرض وإيصال الحق إلي الخلق .

2- ( الوفاء ) الدافع للبر والإحسان هو الوفاء لمن قدموا أغلى ما عندهم لأبنائهم .

" وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " ، أَمَر أمرا مقضيا أن نعبده وحده لا شريك له ، فلا نرجو إلا رحمته ولا نخشى إلا عذابه .

الحياة بلا نور الإيمان عذاب وحيرة وضياع ، والمؤمن وحده هو الذي يفهم معني البر والإحسان ، وكثيرا ما يأتي في مواضع من القرآن الأمر بالإحسان إلي الوالدين بعد توحيد الله والعبودية له وحده لا شريك له ، فالله هو خالقنا ورازقنا وولي نعمتنا ، إلها حكيما وربا واسعا عليما ، والوالدان هما سبب وجودنا في هذه الحياة ، فالحياة بصراعها تجعل أبصار الناس مشدودة إلي الأمام وقلما يلتفتوا إلي الأجيال السابقة المولية ، هذا الجيل الذي أعطي كل ما عنده حتي جفَّ وذبل وأصابته الشيخوخة يجب أن يُعرف له حقه ولا يُنكر له جميل إحسانه وعظيم تضحياته .

فقد أعطي الآباء زهرة حياتهم وثمرة أموالهم وكدهم لأبنائهم ، كم من السهر والتعب والنصب تحملوه ، وهم مدفوعون إلي هذا بالفطرة ، وأصبحوا كالبذرة التي أعطت غذاءها للنبتة الصاعدة .

فهذا الذي أعطي رحيق حياته ليري أولاده في أحسن حال ، هل يكون جزاؤه الرحمة والإحسان أم الجحود والكفران ؟ والإحسان إلي الوالدين ليس من قبيل المنّ والتفضل بل هو حق واجب فرضه الله رب العالمين وفاءا وعرفانا لأصحاب الحق والمعروف .

3- عبادة البر ، كما نتقرب إلى الله بالصلاة والزكاة والصيام والصدقة والذكر والدعاء ، فالبر والإحسان عبادة نؤجر عليها وتثقل بها موازيننا يوم القيامة .

روي أحمد والترمذي عن عبد الله بن بسر قال : قال رسول الله : " خير الناس من طال عمره وحسن عمله " ، ليست العبرة بطول الأعمار وعدد السنين ، إنما العبرة بما كان في سنوات العمر من وبر ومعروف وإحسان ، فرب يوم واحد من حياة إنسان قدم فيه لله طاعة بصدق وإخلاص أثقل عند الله في الميزان من عمر أمة تافهة جاهلة غافلة ، فبركة الأعمار بما فيها من خير وطاعات .

* توقير ذي الشيبة في الإسلام من علامات الأدب وحسن الخلق ، فمن شاب في الإسلام شيبة وجب توقيره واحترامه فقد سبقنا بطاعة الله ساجدا وراكعا ربما قبل أن نولد ، ومرت عليه السنون وهو طائع لربه مقبل عليه .

* التواضع ولين الجانب وخفض الصوت والمسارعة إلي الخدمة وعدم إظهار الضجر والسخط والطاعة والتوقير هذه كلها من حسن البر والأدب حال حياتهما ، فكيف هو البر بهما بعد موتهما ؟؟

أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة عن أبي أسيد قال: كنا عند النبي فقال رجل: يا رسول الله، هل بقي عليَّ من بِرِّ أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به ؟ قال : " نعم . الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ". وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر عن رسول الله قال : " إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه " .

روى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال : زار النبي قبر أمه فبكى وأبكى من حوله . والإنسان يدعو بخير إلي من أحسن إليه أو أسدي إليه معروفا ، فكيف بالدعاء للوالدين ؟ " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " ، أخرج البيهقي، عن أنس قال : قال رسول الله : " إن العبد يموت والداه أو أحدهما، وإنه لهما عاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله بارا " .

روى ابن ماجه والنسائي عن معاوية بن جاهمة السلمي أن رجلا قال : يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة ؟ قال : ويحك أحية أمك ؟ قلت : نعم ، قال : ارجع فبرها ، ثم أتيته من الجانب الآخر فقلت يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة قال ويحك أحية أمك قلت نعم يا رسول الله قال فارجع إليها فبرها ثم أتيته من أمامه فقلت يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة قال ويحك أحية أمك قلت نعم يا رسول الله قال ويحك الزم رجلها فثم الجنة " .

روى الترمذي والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله : "دخلت الجنة فسمعتُ فيها قراءة، فقلت: من هذا ؟ قالوا : حارثة بن النعمان ، فقال : كذلكم البر . كذلكم البر " ، قالت عائشة : وكان باراً بأمه . كيف وصل حارثة إلي هذه الدرجة من البر ليبشره النبي بالجنة ؟؟ إن الإيمان هو الذي يصنع النفوس الطاهرة ويربي فيها التقوي والإحسان .

هذا هو بر الصالحين بآبائهم يتقربون به إلي الله رغبة في رضاه ، فرضا الله من رضا الوالدين ، وليس هناك من ذنب تُعجل عقوبته في الدنيا كالعقوق وقطيعة الرحم .

4- لماذا العناية بالوالدين خاصة الأم ؟

والوصية بالأم خاصة لأنها ذاقت من الألم ما لم يعرفه أحد إلا الأمهات ، وكانت بين الحياة والموت ليخرج الوليد إلي الحياة ، " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا علي وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير " ، رأي عبد الله بن عمر رجلا من أهل اليمن يحمل أمه في الطواف ، فقال يا ابن عمر: هذه أمي أحملها فوق ظهري أطوف بها وأطعمها وأسقيها وأقضي لها حوائجها فهل وفيت حقها ؟ قال : لا ، ولا بزفرة واحدة من آلام وضعها ، قال : ولم ؟ قال : لأنها تحملت الألم ترجو حياتك وأنت تحملها تنتظر موتها .

تسعة أشهر تحمل جنينها في أحشائها كم نغَّص عليها نومها وراحتها ؟ تزداد ضعفا ووهنا ليزداد الجنين قوة وبناءا ، وإذا خرج إلي الحياة لا قدرة له علي إطعام نفسه ولا قدماه تحملاه ليخط خطوة واحدة علي الأرض بقدميه ولا قدرة له علي الكلام ليفصح عما يريده ، وإذا مرض أو تألم عكفت عليه ساهرة دموعها علي خدها ترجو شفاءه .

والسؤال : هل رأي أحد منا أمه كم عانت بسببه وهو صغير ؟ هذه مرحلة من الحياة لا يعيها ولا يتذكرها الإنسان ، فإذا بدأ يعقل ويفهم ربما رأي إحسان أبيه في النفقة والطعام ، أما حين كان صغيرا فلم ير اليد التي كانت تحمله وتحن عليه ، لم ير اليد التي كانت تطعمه وتسقيه ، لهذا عظَّم الإسلام شأن الأم وأعطاها ثلاثة أضعاف البر عن الأب ، فالحمد لله علي نعمة الإسلام الذي علمنا كيف نعرف الحقوق لأصحاب الحقوق ، قل الحمد لله علي نعمة القرآن الذي علمنا كيف نحفظ الفضل لأهل الفضل .

حتي أن الحسن بن علي بن الحسين كان من سادات التابعين، وكان كثير البر بأمه حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها.

وأولي الناس بالطاعة هما الوالدان فلهما أكبر الفضل علي ولدهما بعد الله " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " .

* أحلك فترات حياة الإنسان حين يبلغ من الكبر عتيا ، فتضعف حواسه وتذهب قواه وهذا ما صوره القرآن في شأن الوالدين للبر بهما في تلك الفترة فقال سبحانه :

" إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما " عندك : أي التجأ إليك عند الكبر حينما يبيض الشعر وينحني الظهر وتبدو علامات المرض والضعف فانظر إلي هذا الكيان الذي تحمل من أجلك وأنفق عليك ، فحقه الآن عليك رد الجميل وحسن المعاملة . " وقل لهما قولا كريما " لا غلظة فيه ولا نهر ولا قسوة ، بل تلطف معهما في هذه السن وتذكر أن إحسانك لوالديك سيكون سببا في بر أولادك بك عند كبرك ، فمن بَرَّ أبويه بره أبناؤه والجزاء من جنس العمل .

رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد ، وهذا أَبُو هُرَيْرَةَ يعظ رجلا فِي بِرِّ أَبِيهِ فقال له : لاَ تَمْشِ أَمَامَ أَبِيكَ ، وَلاَ تَجْلِسْ قَبْلَهُ ، وَلاَ تَدَعُوهُ بِاسْمِهِ- أيْ لاَ تنادِيهِ باسمِهِ بلْ تنادِيهِ بكنيته أو بأحبِّ الأسماءِ إليهِ . والبر موصول بهما لا ينقطع حتى بعد موتهما ، روي أبو داود وابن ماجه والحاكم عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينا نحن عند رسول الله إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول اللّه هل بقي من برِّ أبويَّ شيء أبرُّهما به بعد موتهما ؟ قال : " نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، وإكرام صديقهما " .

وهذه هي صفة المسلم التي تميزه عن غيره في صراع الحياة ، هناك أجيال ضحت بزهرة عمرها وأعطت رحيق شبابها كالبذرة التي قدمت ما عندها للنبتة الصاعدة ، جفت البذرة من أجل زرعة جديدة ، وحان وقت الوفاء ، لهذا كان من هدي النبي وسنته أن يبدأ بالكبير حتى في أصغر الأمور ، روي أبو يعلى الموصلي بإسناد صحيح عن ابن عباس ، قال: كان رسول اللّه إذا استقى قال: " ابدؤوا بالكبراء ، أو قال : بالأكابر " ، وقد أمر الصغير أن يبدأ بالسلام علي الكبير ، وروي البخاري وأبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : " يسلم الصغير على الكبير ، والمار على القاعد ، والقليل على الكثير " .

شكا رجل أباه إلي النبي أنه يريد أخذ ماله ، فدعا به ، فإذا شيخ كبير يتوكأ علي عصا فسأله : لماذا تريد أخذ ماله ؟ فقال : يارسول الله إنه كان ضعيفا وأنا قوي وفقيرا وأنا غني فكنت لا أمنعه شيئا من مالي ، واليوم أنا ضعيف وهو قوي وأنا فقير وهو غني ويبخل عليَّ بماله ، فبكي رسول الله وقال : ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى " ثم قال للولد : " أنت ومالك لبيك " رواه الطبراني وابن ماجه عن جابر وأبو يعلى عن ابن عمر بألفاظ متقاربة ، نعم فالولد هو كسب أبيه .

وإذا أراد الوالدان من ولدهما شيئا لا يستطيعه فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، ورحم الله والدا أعان ولده علي بره ، ولكن كيف يكون الرد عند العجز وعدم الاستطاعة ، انظر إلي أدب القرآن في الرد : " وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا " ، فلا يرد بالمنع والرفض بل بالكلمة الطيبة والوعد الصادق أملا في فضل الله وفرجه القريب فإن مع العسر يسرا .

لولا الرحمة التي وضعها الله في قلوب الآباء لهلك الأطفال ، وكل مظاهر الرحمة للأمومة في عالم الإنسان والحيوان ما هي إلا قطرة من رحمة التي وسعت كل شيء ، ذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال : رأى رسول الله يوم أوطاس امرأة تعدو وتصيح ولا تستقر، فسأل عنها فقيل: فقدت بنيا لها. ثم رآها وقد وجدت ابنها وهي تقبله وتدنيه، فدعاها وقال لأصحابه : " أطارحة هذه ولدها في النار ؟ " قالوا : لا . قال : " لم ؟ " قالوا : لشفقتها. قال : " الله أرحم بكم منها " .

ما هذه الرحمة العجيبة في قلوب الأمهات ! ألا يا ليت الإنسان يتعلم مما حوله ، فالراحمون يرحمهم الرحمن .

5- أخلاق الأنبياء في توقير الكبار والوالدين .

يعلمنا ربنا في قصص القرآن أن البر من أخلاق الأنبياء ، كما يُتقرب إلي الله بالصلاة والذكر والعلم والدعاء والصدقة فإنه يُتقرب إليه ببر الوالدين ، فمن أثقل ما يوضع في الموازين يوم القيامة حسن الخلق وهو مع الوالدين أشد وأهم ، قال يحي : " وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا " وفي شأن عيسي قال : " وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا " ، فهذه أخلاق الأنبياء التي ذكرها القرآن في مواضع منها :

* 1- قوله تعالي في قصة موسى : " ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " ، خرجت المرأة للعمل مضطرة وذكرت العلة وهي أن أباها شيخ كبير ، فكيف كانت مروءة المسلم أمام حاجة وضرورة بدت من ضعيفين : المرأة والشيخ الكبير ؟ إنها المسارعة إلي المعونة ابتغاء وجه الله ، فسقى لهما موسى ثم توجه إلي ربه بالدعاء يسأله من فضله وجوده وكرمه .

* 2- كيف كانت شفقة يوسف بأبويه عندما قال لإخوته بعدما علموا أمره : " اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين . ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون . قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم . فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون " .

ماذا فعل يوسف بأهله وخاصة والديه حينما أقبلوا عليه بمصر ؟ ذكرت الآيات أنه اختصهما بمزيد الحفاوة والاحترام والتكريم : " فلما دخلوا علي يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين . ورفع أبويه علي العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا " . هذا أدب النبوة في معاملة الوالدين والمسنين من كبار السن .

* وهذا نبينا الذي جعله الله مثالا للكمال في الأدب والخلق والمعاملة كيف كان يكرم كبار السن ويحترم شيبتهم وينزل الناس منازلهم ؟؟

1- روي أحمد في مسنده : عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ الصديقِ قَالَتْ : لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ أَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ يَقُودُهُ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ : " هَلاَّ تَرَكْتَ الشَّيْخَ في بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ " . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِىَ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تَمْشِىَ أَنْتَ إِلَيْهِ . قَالَ : فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ صَدْرَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ :" أَسْلِمْ " . فَأَسْلَمَ .

2- جاءت قريش إلى الحصين والد عمران ـ وكانت تعظمه ـ فقالوا له : كلم لنا هذا الرجل ، فإنه يذكر آلهتنا، ويسبهم ، فجاءوا معه حتى جلسوا قريبًا من باب النبي ، فقال النبي : " أوسعوا للشيخ " وعمران وأصحابه متوافرون فقال حصين : ما هذا الذي بلغنا عنك ، أنك تشتم آلهتنا ، وتذكرهم ... ؟ فقال : " يا حصين كم تعبد من إله ؟ " قال : سبعًا في الأرض، وواحدًا في السماء ، فقال : " فإذا أصابك الضر من تدعو ؟ " قال : الذي في السماء ، قال : " فإذا هلك المال من تدعو ؟ " قال : الذي في السماء ، قال : " فيستجيب لك وحده وتشركهم معه ؟؟!! أرضيته في الشكر أم تخاف أن يغلب عليك ؟ " قال : ولا واحدة من هاتين ، قال : " يا حصين ، أسلم تسلم " قال: إن لي قومًا وعشيرة، فماذا أقول ؟ قال : يا حصين إن أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك، فأسلم حصين فقال قل : " اللهم ألهمني رشدي ، وقني شر نفسي " ، فقالها حصين ، فقام إليه عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه ، فلما رأى ذلك النبي بكى ، وقال: " بكيت من صنيع عمران دخل حصين وهو كافر فلم يقم إليه عمران ، ولم يلتفت ناحيته ، فلما أسلم قضى حقه فدخلني من ذلك الرقة " فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه : " قوموا فشيعوه إلى منزله " فلما خرج من سدة الباب رأته قريش، فقالوا : صبأ وتفرقوا عنه " روى الترمذي بعضه .

6- كيف ربى النبي أصحابه على الإحسان للكبار ؟

1- روي الحاكم في المستدرك : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخَذَ بِرِكَابِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - وكانَ زيدٌ شيخًا كبيرًا - فَقَالَ لَهُ زيدٌ : تَنَحَّ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا هَكَذَا نَفْعَلُ بِكُبَرَائِنَا وَعُلَمَائِنَا ، فنزل زيد وقال أرني يدك ، فأخرج له يده فقبلها وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا . وقدْ بيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ أنَّ إكرامَ المسنينَ وتوقيرَهُمْ مِنْ إجلالِ اللهِ تعالَى ، فقدْ روي أبو داود عن قال أبي موسى : قالَ : " إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ " .

2- وهذا مشهد من مشاهد الغيب أخبر به نبينا ليعلمنا كيف يرقى البر بأصحابه إلي أعلي درجات الفردوس ، روي أحمد والترمذي والحاكم عن عائشة قالت : قال رسول الله : " نمت فرأيتني في الجنة ، فسمعت قارئاً يقرأ ، فقلت: من هذا ؟ قالوا : حارثة بن النعمان ، فقال : " كذلكم البر كذلكم البر " وكان حارثة من أبر الناس بأمه . أوصله بره بأمه إلى أن يسمع النبي صوته في الجنة .

3- وروي مسلم وأبو داود عن عائشة قالت : قال رسول الله : " أنزلوا الناس منازلهم ". وكان الصحابة ينزلون الناس منازلهم ويكرمون كريم كل قوم ، روي الترمذي عن أنس قال : جاء شيخ يريد النبي فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له فقال النبي : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا؛ ويوقر كبيرنا " .

" فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " . وتعلم منه أصحابه لين الجانب والتواضع لخلق الله ، وهذه الأخلاق هي التي جذبت قلوب الناس إلي الإسلام فدخلوا في دين الله أفواجا ، كان عمر يسير مع بعض أصحابه , فلقيته امراءة من قريش وكان واضعا يده على كتف صاحبه فقالت له يا عمر : فوقف لها ، قالت : كنا نعرفك مدة عميرا ثم صرت من بعد عمير عمر ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين ، فاتق الله يا ابن الخطاب وانظر في أمور الناس ، فإنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ، ومن خاف الموت خشي الفوت . فقال صاحبه : يا أمة الله لقد أبكيت أمير المؤمنين . فقال عمر له : اسكت ! أتدري من هذه ؟ هذه خولة بنت ثعلبة التي سمع الله قولها من سمائه فقال : " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير " فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدي به .

7- الكبار سبب لتيسير الأمور وسعة الأرزاق والنصر على الأعداء وذلك ببكائهم ودعائهم .

* بعض الضعفاء والمسنين قد يُستهان بهم ، بينما النصرة علي الأعداء والبركة في الأرزاق مع كبار السن من آباء وأمهات وأجداد وجدات بسبب دعائهم وبكائهم ، روي البخاري عن مصعب بن سعد قال: رأى سعد أن له فضلا على من دونه ، فقال النبي : " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " ، وهذا إنما يكون بدعائهم وبكائهم وافتقارهم إلي الله ، ورب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم علي الله لأبره .

قد تذهب قوة الأبدان مع الزمن الذي ينخر في العظام فتصبح واهية ، ولكن هناك قوة القلوب المؤمنة التي توجه سهام الدعاء في الليل مصحوبة بدموعها وخشوعها ، فهذه الدعوات وتلك الدموع لا تضيع عند الله هباءا ، فالله يسمع الدعاء ويحقق الرجاء ، وهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة .

8- ما نزرعه هو الذي سنجنيه والجزاء من جنس العمل .

* وما يزرعه الإنسان يجنيه ، والجزاء من جنس العمل ، فمن بر أباه وأعان غيره ووقف إلي جانب كسير ضعيف ، ووقر الكبير واحترم ذي الشيبة في الإسلام ، فذلك سيُرد إليه حال كبره أحوج ما يكون إليه ، روي الترمذي عن أنس قال : قال رسول الله : " ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه " .

بر الآباء هو الرصيد المدخر للإنسان عند الكبر ، فمن كان صالحا مستقيما بارا بوالديه رزقه الله ذرية صالحة بارة به عند كبره ، والمعروف عند الله لا يضيع ، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملا .

* أما عن كيفية بر الوالدين ومعاملتهما فهي تتخذ منهجين:
المنهج الأول- منهج المعاملة بالقول:
1- من بر الوالدين التأدب عند مخاطبتهما:

2- من بر الوالدين الدعاء لهما:

3- من بر الوالدين عدم سبهما:

المنهج الثاني- منهج المعاملة بالفعل:
1- تقديم بر الوالدين على النوافل و الجهاد::

2- تقديم بر الوالدين على النفس والأولاد:

3- بر الوالدين وإن كانا كافرين:

4- من بر الوالدين النفقة عليهما:

5- من بر الوالدين الصدقة عنهما:

6- من بر الوالدين قضاء الدين عنهما:

7- من بر الوالدين زيارة قبرهما:

الآثار المترتبة على بر الوالدين:
آثار دنيوية:

1- بر الوالدين تجسيد لطاعة الله سبحانه وتعالى:

2-بر الوالدين سبب في طول العمر وسعة الرزق:

3- بر الوالدين سبب في استجابة الدعاء:

الآثار الأخروية:
1- بر الوالدين سبب لدخول الجنة:

2- بر الوالدين يكفّر الذنوب:



   طباعة 
1 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 7 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net