:: الأخبار ::

:: الجديد ::

" البركة في الرزق "

::: عرض المقالة :::

" البركة في الرزق "
10408 زائر
10-02-2011
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

" البركة في الرزق "

لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

* ما هي البركة ؟
البركة هي الزيادة والنماء، والبركة في المال زيادته وكثرته، وفي الدار فساحتها وسكينتها وهدوؤها، وفي الطعام وفرته وحسنه، وفي العيال كثرتهم وحسن أخلاقهم، وفي الأسرة انسجامها وتفاهمها، وفي الوقت اتساع وقضاء الحوائج فيه، وفي الصحة تمامها وكمالها، وفي العمر طوله وحسن العمل فيه، وفي العلم الإحاطة والمعرفة.. فإذن البركة هي جوامع الخير، وكثرة النعم، فلا غرابة بعد ذلك أن نجدنا نطلب البركة ونسعى إليها... ولكن كيف؟!
وهل البركة تكتسب اكتساباً من الحياة؟ أم أنها عطاء إلهي مخصص لبعض الناس دون الآخرين؟! وهل جعلها الله عامة يمكن لأي أحد أن يحصل عليها، أي أنه خص بها عباداً من خلقه وأفردهم بها فلا تنبغي لأحد سواهم؟!

* إن العبد عاجز أن يرزق نفسه فكيف يستطيع أن يرزق غيره ؟ فقسمة الأرزاق لا يملكها العباد بل هي أقدار الله تعالي التي قدرها لعباده . والرزق ظاهر وخفي ، فالبصر يقع علي الأرزاق الظاهرة من الزينة والمتاع ، فهذا ما تراه العيون وتلمسه الجوارح ، أما البصيرة في القلب فإنها تري الأرزاق الطيبة الباقية في السكينة والطمأنينة وانشراح الصدر ، فهذه الأرزاق لا تُدرك بالبصر وإنما تدركها البصائر والقلوب .

" أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا " ، الله هو الذي جعل تفاوتا في أرزاق العباد ، وسخر بعضهم في خدمة بعض وجعل بعضهم في حاجة لبعض ، وذلك لتستقيم عجلة الحياة ، والناس متفاوتون في العقول والأفهام والقدرات والطاقات ، فهذا تراه كثير المال ولا ولد له ، وذاك تراه كثير الأولاد ولا مال له ، وهذا تراه مريض البدن ذو مال وفير ، وهذا تراه صحيح البدن صفر اليدين ، هذا كله ليوقن البشر أن الأرزاق قسمة الرزاق ، وأن الأسباب خلقها الله لنأخذ بها تعبدا وطاعة وامتثالا لأمره ، لا لنعبدها من دون الله أو نظنها هي النافعة الضارة الرازقة المعطية المانعة ، بل بعد كل صلاة علمنا نبينا أن ندعو الله بهذا الدعاء : " اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " رواه مسلم عن معاوية بن أبي سفيان .

كم من قليل الحيلة ضعيف العقل مرزوق ورزقه بلا حدود ، وكم من نشيط حاد الذكاء متوقد الذهن متحير في أمر معاشه ورزقه محدود ، فالعقل والذكاء والحيلة أسباب لا ترزق أصحابها ، إنما الرزاق هو الله وحده ، وله سبحانه حكمة في قسمة الأرزاق بين عباده ، فإنه لا حيلة في الرزق ، ولا شفاعة في الموت .

" وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ " ، قيامك بالليل من رحمة ربك ، زيارتك لمسلم تُدْخل عليه السرور من رحمة ربك ، هدايتك لضال حتي يأتي إلي رحاب الطاعة من رحمة ربك ، دمعة تفيض من عينك علي ذنبك من رحمة ربك ، برك لوالديك وإحسانك إليهما من رحمة ربك ، عيادتك لمريض وشهودك جنازة من رحمة ربك ، صدقة تضعها في يد مسكين من رحمة ربك ، هذا كله هو الخير المُدَّخر لك عند الله وهو خير مما يجمعون ، هم يجمعون الطين والتراب والحطام ، وأنت تجمع الأجور والحسنات والثواب ، فأين الحصاد ؟ ستراه غدا بين يدي ربك .

*** فمِنْ أسبابِ البركةِ فِي الرزقِ :

1) تقوَى اللهِ عزَّ وجلَّ التِي هيَ سببُ البركاتِ ، وأساسُ العطايَا والخيراتِ ، قالَ تعالَى:] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [

* الذي لا يفهمه كثير من الناس أن هناك علاقة بين أعمال العباد وبين أحوالهم ، وجاء في غير حديث في السُنَّة يؤكد علي هذا المعني ويشير إليه ،

روي الحاكم وابن ماجه عن ابن عمر أن النبي قال : " يا معشر المهاجرين خصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن : لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم " .

قبل أن ينظر المسلمون إلي من نقضوا معهم المواثيق والعهود ، فلينظروا أولا إلي عهودهم مع الله ومواثيقهم هل وفوا بعقد الطاعة لله حتي يوفي الله لهم بوعد النصر والتمكين والغلبة علي الأعداء ؟ روي أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك عن ثوبان عن النبي قال : " إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد العمر إلا البر " .

* فهذه علاقة أحداث الحياة بأعمال العباد ، والقرآن منهج هداية يضع أيدينا علي الداء ويصف لنا الدواء ، " ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " . الأصل في الوجود هو الخير والرحمة والنعمة والفضل ، والفساد مخفي غير ظاهر ، فمتي يظهر هذا الفساد في حياة البشر ؟ إنه طاريء عليهم بسبب أعمال الناس وما كسبته أيديهم ، فالأوبئة والأمراض تفشو نتيجة الفاحشة والزنا ، والقتل بين الناس بسبب نهب الأموال ظلما ، وأكل الربا سبب للزلازل والخسف ، فهذا هو شؤم المعاصي وثمار الغفلة التي تظهر في حياة الناس .

2) الدعاءُ وصدقُ الالتجاءِ إلَى اللهِ عزَّ وجلَّ والاستغفارُ، قالَ تعالَى :]وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ ، قالَ تعالَى علَى لسانِ نوحٍ عليهِ السلامُ :] فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً [ وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ :« مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً،وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً،وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» رواه أبو داود.

* هناك عدة أمور منها :

أولا : هناك علاقة بين الرزق الطيب ورغد العيش وبين العمل الصالح ، فالبركة في الأرزاق ليست هي الكثرة وإنما هي الكفاية والرضا والأمان الذي يغمر النفوس الطيبة المؤمنة . وهذا المعني قد أكده القرآن وأكدته السنة في مواضع كثيرة لترسيخه في صدور المؤمنين ولاسيما أن قضية الرزق بالغة الحساسية والأهمية لابن آدم ، وكثيرا ما تزلُّ فيها الأقدام ، إما بالجهل وإما بسوء الفهم وإما بضعف اليقين والإيمان .

ثانيا : هناك علاقة بين المعاصي والذنوب وبين الحرمان من الأرزاق ومنع البركة في المال والوقت والولد وسائر النعم .

ثالثا : أن الأحوال لا تثبت علي صفة واحدة وإنما الأحوال مربوطة بالأعمال وتتغير تبعا لصلاحها أو فسادها . وهذه بعض النصوص تدلل علي هذا :

1- قال تعالي : " وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا " ( سورة الطلاق ) . فهنا رباط بين التقوي وفتح أبواب الرزق الغيبية .

2- قال تعالي : "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا " ( سورة نوح ) .

3- وقال سبحانه : " وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ "(سورة الأعراف ) .

4- وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجة عن ثوبان قال: قال رسول الله : " إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر" .
5- وأخرج أحمد عن ابن عباس
قال: قال رسول الله : " من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب " .

6- وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله : " من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل " . وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: رسول الله : " من جاع أو احتاج فكتمه الناس وأفضى به إلى الله كان حقا على الله أن يفتح له قوت سنة من حلال " .

3) الصدقُ فِي المعاملاتِ، وتركُ الغشِّ والكذبِ وغيرِهِمَا مِنَ الأُمورِ التِي تَمْحَقُ البركةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :« الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا » متفق عليه .

4) صلةُ الأرحامِ وودُّهُمْ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :« مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِى رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ " متفق عليه . وقال صلى الله عليه وسلم: " وصلة الرحم وحسن الجوار ـ أو حسن الخلق ـ يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار" [صحيح الترغيب] .

5) الإحسانُ إلَى الضعفاءِ ومساعدتُهُمْ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :« ابْغُونِى الضُّعَفَاءَ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ »([1]). فمَنْ يسَّرَ علَى مُعْسرٍ يسرَ اللهُ عليهِ فِي الدنيَا والآخرةِ ، ومَنْ فرَّجَ عنْ مؤمنٍ كربةً مِنْ كُرَبِ الدنيَا فرَّجَ اللهُ عنهُ كربةً مِنْ كُربِ يومِ القيامةِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :« مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً ، وَيَقُولُ الآخَرُ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً »([2]). وفِي الحديثِ القدسيِّ الجليلِ :« قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ » متفق عليه

6) شكرُ اللهِ عزَّ وجلَّ علَى إحسانِهِ ، فالشكرُ دليلُ الرضَا وعنوانُ الزيادةِ قالَ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى :] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [

وقدْ أرشدَنَا النبيُّ إلَى كيفيةِ الشكرِ فقالَ :« مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِى مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ . فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِى فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ " رواه أبو داود

* إن إلف النعمة يُنسي فضل المنعم ، والنسيان مرض يتسرب إلي القلب فيصيبه بالغفلة عن الشكر وتطمئن النفس إلي رغد العيش ، وينسي الغافل والعاصي أن النعم لا تدوم إلا بشكر صاحبها ، وإلا فمن أعرض عن ربه ونسي دينه وطاعة أمره فهل يأمن أن يبدل الله بالصحة مرضا وبالغني فقرا وبالأمن خوفا وبالطمأنينة رعبا وهلعا ؟ من يملك دوام الحال علي ما هو عليه ؟ ودوام الحال من المحال ، وسبحان من يغير ولا يتغير .

روي مسلم وأحمد عن صهيب عن النبي قال : " عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن . إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " .

* الله يتودد إلى عباده بالعطايا والنعم وهو غني عنهم لا يحتاج إلى أحد منهم ، وكم من العباد يتبغضون إليه بالمعاصي ويحاربونه بالفجور والعصيان وهم أحوج ما يكونون إليه ؟ كم تسمع من الناس الشكوى فأين الشاكرون من عباد الله ؟ وصدق الله إذ يقول : " وقليل من عبادي الشكور " .

ومما نؤمن به ونعتقده ونوقن أنه الحق الذي لا ريب فيه أن الله : كريم . والكريم من شأنه العطاء لمن يستحق ولمن لا يستحق ، يعطي من يسأله ومن لا يسأله ، يعطي من يطيعه ومن لا يطيعه ، من يؤمن به ومن لا يؤمن به ، لأنه رب العالمين سبحانه ، " وما بكم من نعمة فمن الله " ، " ألم تروا أن الله أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة " ، " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار " .

* علَّم النبي معاذ بن جبل أن يقول دُبُر كل صلاة هذا الدعاء : " اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " رواه أحمد وأبو داود والنسائي ، ونحن غارقون في نعم الله الظاهرة والباطنة التي لا تُعد ولا تُحصى ، وأحلَّ الله لنا طيبات الحياة الدنيا وأمرنا بشكره على عظيم فضله وكرمه وإحسانه فقال سبحانه : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ " . وقال جل وعلا : " وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ " وقال عزَّ من قائل : " وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ " .

كل يوم يمر علي الإنسان يحرك فيه ذراعه فيجده سليما معافي ، ويفتح عينيه فإذا هما مبصرتان ، ويحرك لسانه فإذا هو ينطق ، وعقله سليم يعي ويدرك ، وأُذُنُه سميعة ، أصبح وجسده معافى من المرض ، أليست هذه كلها نعم ؟ روي البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة عن عبيد الله بن محصن عن النبي قال : " من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " . فالمفقود ليس هو النعمة ، ولكن المفقود هو شكر النعمة ، فالشكر يحفظ النعم من الزوال ويفتح للعبد باب المزيد " وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ " .

* مفاهيم الناس عن الشكر مغلوطة ، والذي أُعطي الفهم الصحيح للشكر هو النبي ، حينما كان يقوم من الليل يصلي حتي تتفطر قدماه من طول القيام ، فلما سألته عائشة : لم تفعل هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : " أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا ؟ " . وقد ذكر الله نوعية الشكر الحقيقي لله الذي لا ينبغي أن يقتصر علي اللسان ، فقال سبحانه في شأن آل داود : " اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور " . فالشكر المطلوب هو :

· شكر اللسان بالحمد والثناء .

· وشكر الجوارح بالأعمال الصالحة و الطاعات .

· وشكر القلب عندما يري النعمة من الله وحده لا من أي أحد سواه .

" يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأني تؤفكون " .

سل نفسك : لماذا أعطاني الله عينا ولسانا وأذنا وقلبا وحياة ، وأسبغ عليَّ هذه النعم الظاهرة والباطنة ، إنه أعطانا إياها لنتعرف بها عليه ، لا لتكون حجابا بيننا وبينه .

الإنسان ينسي ويحتاج إلي من يُذَّكِره ، " وأما بنعمة ربك فحدث " ، فالحمد لله علي نعمة الإسلام . والحمد لله علي نعمة القرآن . والحمد لله علي نعمة الصلاة . والحمد لله علي نعمة رسول الله ، " قل الحمد لله وسلام علي عباده الذين اصطفي آلله خير أما يشركون " .

كُنْ شاكرا راضيا يفتح الله لك أبواب المزيد ، " لئن شكرتم لأزيدنكم " ، وإذا كانت معك نعمة فزالت فاعلم أن ذلك بسبب الجحود وقلة الشكر ، فهذا النبي الكريم لا يوجد في بيوت أزواجه طعام وهو يقول إذا كان في الصلاة بعدما يرفع من الركوع : ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال:كان رسول الله إذا رفع رأسه من الركوع قال : " ربنا لك الحمد . ملء السماوات والأرض. وملء ما شئت من شيء بعد. أهل الثناء والمجد. أحق ما قال العبد. وكلنا لك عبد : اللهم! لا مانع لما أعطيت . ولا معطي لما منعت . ولا ينفع ذا الجد منك الجد " .

لقد كان نبينا خير الشاكرين والحامدين والعابدين لله ، وهو قدوة أمته في شكر النعمة وإن دقَّت ، روي مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي سأل أهله الأدم . فقالوا : ما عندنا إلا خل . فدعا به . فجعل يأكل به ويقول : " نعم الأدم الخل. نعم الأدم الخل " .

* " وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ " ، أهل مكة في جوار الله وعند بيته المحرم ولكنه لم يشفع لهم هذا الجوار عندما عصوا أمر الله ولم يؤمنوا بالنبي وآذوه وآذوا أصحابه ، فدعا عليهم قائلا : "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " ، فابتلوا بالقحط حتي أكلوا العظام ، ووجه إليهم الرسول طعاما ففرق فيهم ، وضرب مكة مثلا لغيرها من البلاد : أي أنها مع جوار بيت الله وعمارة مسجده لما كفر أهلها أصابهم القحط فكيف بغيرها من البلاد ؟؟!!

7) القناعةُ وتركُ الحرصِ والطمعِ ، فعَنْ حكيمِ بنِ حزامٍ : أنَّ النبيَّ قالَ لهُ :« يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، وَكَانَ كَالَّذِى يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ » متفق عليه .

* لو شاء الله لجعل جميع الكفار أغنياء وأثرياء لهم قصور من ذهب وفضة ، وفيها من المتاع والفراش والأثاث ما يبهر الألباب ، وهنا تحت وطأة المادة وفتنة الزينة سيذهب الناس إلي الكفر ويصيروا ملة واحدة ، ولكنه سبحانه جعل الفقر والغني في الكفار والمسلمين ، فالكافر تراه غنيا وفقيرا ، والمؤمن تراه غنيا وفقيرا ، فلو صار جميع المؤمنين فقراء والكفار أغنياء لافتتن معظم الناس جريا وراء المتاع القريب ، ولو كان المؤمنون كلهم أغنياء لجاء الناس إلي الإيمان طمعا في المال ورغبة في الغني ، ولكن العبد ربما يستقيم فيمتحنه ربه ويضيق عليه معاشه وتقل بين يديه موارده وأمواله ، فليس هذا لهوانه علي الله ، بل هذا لهوان الدنيا علي الله أن يجعلها أجرا وجزاءا وثوابا للمؤمن .

روي البخاري عن خباب قال : هاجرنا مع النبي نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله ، فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير ، قتل يوم أُحُد وترك نمرة، فإذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا النبي أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه من الإذخر ، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها .

* من يري الدنيا كجناح البعوضة أو خيوط العنكبوت ، فلن يفرح بمجيئها ولن يحزن علي رحيلها ، وهذه هي نظرة المؤمن لما يراه حوله من زينة زائلة ، يراها علي حقيقتها بنور إيمانه وبصيرة قلبه ، فلا يخدعه بريقها ولا يقترب من الحرام أبدا ولا يلوث يده بما ليس له ولا يسطو علي حق غيره ، لأن المرجع والمآب في نهاية الرحلة إلي الله العلي القدير ، وهناك تُنصب الموازين ويكون الحساب بالذرة والقطمير فلا تُظلم نفس شيئا .

* في زحام الحياة وهموم الدنيا فالعبد ينسي ويحتاج إلي من يُذكِّره ، يتذكر أنه يتعامل مع الله ، ومن هو الله ؟ إنه الذي خلق ورزق ويحيي ويميت ، فهو الذي جاء بنا إلي دار الضيافة بإذنه ، فعندما خلق هل ساعده أحد وهل عاونه بشر ؟ وحينما أذن لنا بالخروج إلي الحياة كتب مقادير الرزق فهي لا تتبدل ولا تتغير ، والشيطان دائما ما يدخل ليخوف الإنسان من الفقر والفاقة ، ولكن الله أقسم علي الرزق أنه حق مكتوب لا ينقص ولا يزيد .

إذا ذهبت إلي الغابات . إلي الصحراء . فانظر إلي سكانها من الدواب ، إذا صعدت جبلا شاهقا ربما تري علي صخرة من صخوره نملة صغيرة فالله يسمع دبيبها ويسوق إليها رزقها وهي في مكانها ، كم يكون عدد سكان الصحراء الجرداء والغابات الغناء ؟ والله يطعمهم ويسقيهم ؟ كم عدد سكان البحار من الأسماك والحيتان والدواب ؟ كم عدد الدواب في الجحور وتحت الأرض وعلي أغصان الأشجار ؟ من الذي دبر لكل هؤلاء حياتهم معاشهم ولم يتركهم سدي ولم يغفل عنهم لحظة من ليل أو نهار ؟ فالذي دبر هذا كله هل يعجز أن يدبر حياتك أيها المسلم الموحد ، فإياك أن تنشغل بالمضمون عن المطلوب ، فاستقم كما أُمرت ولا تنشغل بالمقسوم ، فما كُتب لك فسوف يأتيك وسعيك سبب ، والأمور كلها تجري بالمقادير ، وما قُدِّر لماضغيك أن يمضغاه فسيمضغاه فكُلْه بعِزٍّ ولا تأكله بذُلّ :

" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " ، من يفعل ذلك كله غير الله سبحانه ؟؟!

* روي الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله :

" إن روح القدس نفث في روعي : أن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها ، فأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوا شيئا من فضل الله بمعصية الله ، فإنه لن ينال ما عند الله إلا بطاعته " .

8- التسمية: وتكون في بداية كل عمل. قال صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله تعالى عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت. وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء" [صحيح الكلم 46]

9- الاجتماع على الطعام : وقد بورك الأكل المجتمع على الطعام وجعلت البركة على الطعام الذي يجتمع عليه الناس، قال صلى الله عليه وسلم: "طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة" [صحيح الترغيب 2129]، ويظهر هذا جلياً في إفطار رمضان حيث تزداد بركة الطعام بازدياد عدد المجتمعين عليه.

10- ماء زمزم :
وهذه العين المباركة التي خرجت في أرض جافة ليس فيها ماء ومن وسط الجبال وهي لم تنقطع، وهي عين مباركة، بل وقد قال عنها صلي الله عليه وسلم: "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أو قال: لو لم تغرف من الماء- لكانت عيناً معيناً" [صحيح الجامع 8079]. أي أنها كانت لو لم تغرف منها أكثر غزارة بكثير.

11- زيت الزيتون : وشجر الزيتون شجر مبارك وصفه الله بالقرآن كذلك حيث قال تعالى في سورة النور: "..المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار..". كما يعرف زيت الزيتون بأنه علاج نافع لكثير من الأمراض.

12- الصدقة: والتي يضاعفها الله تعالى إلى عشر أضعاف إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء. فلا شك أنها تبارك مال الإنسان وتزيده، قال تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها).

13- التبكير: وذلك يكون في استيقاظ الإنسان باكراً وابتداء أعماله في الصباح الباكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بورك لأمتي في بكورها" [صحيح الجامع 2841], ويتحدث كثير من الأشخاص عن سبب نجاحهم -بعد توفيق الله تعالى- أنه التبكير في أداء الأعمال.

14- الزواج: وهو أحد الأسباب الجالبة للبركة، وقد كان بعض السلف الصالح يطلبون الزواج لكي يتحقق لهم الغني ويأتيهم الرزق، لأنهم فهموا ذلك من قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم).

*** حقيقة الرزق :

وإذا كانت الآجال مقسومة محددة ، فالأرزاق كذلك مقسومة مقدرة ، ودرجات الناس في الأرزاق مختلفة ، فمن الذي فضَّل بعضهم علي بعض ؟ هل اختار الإنسان أن يكون غنيا أو فقيرا ؟ أم أن هذه أقدار الله قسمها لعباده طالما أخذوا بالأسباب وأدوا ما عليهم ؟ " وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ " .

ولكن ما هي حقيقة الرزق ؟ صلاح الذرية . وطاعة الزوجة . وراحة البال . وطمأنينة القلب . وستر الإنسان من الفضيحة . والمحبة في قلوب الخلق . وبصيرة القلب بنور الفهم . أليست هذه كلها أرزاق ؟؟ أخرج البيهقي عن أنس أن رسول الله قال : " من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه ، فليتق الله في الشطر الباقي " . وروى البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة عن عبيد الله بن محصن عن النبي قال : " من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " .

وروي أحمد وابن ماجه عَن أم سلمة أن النَّبِي كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم : " اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً " . وروي الحاكم في المستدرك : وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال : اللهم أسألك علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء .

هذه الأحاديث ذكرت جملة من الأرزاق قد يغفل عنها كثير من الناس مثل : نعمة الأمان في الديار . والمعافاة في الأبدان . ووفرة القوت للأهل والأولاد . والعلم النافع والعمل المتقبل الصالح . والزوجة المطيعة الموافقة . وهذه الأرزاق كلها بيد الله وحده ، ولكن الغفلة تجعل بعض الناس يشكرون غير الله أو يعتقدون أن النفع والخير والنعمة التي جاءتهم إنما تحصلوا عليها بسبب نظافة عقولهم وتدبيرهم أو أنه تفضل بها فلان أو علان ، وهذه من الفتن الكبيرة التي تضعف الإيمان وتزعزع أسس العقيدة أن يتوجه القلب بالطلب أو الدعاء أو الشكر والمحبة لغير الله ، هل نأكل خيره ونشكر غيره ؟؟!!

*** المعاصي تزيل النعم وتمحق البركة :

ولنحذر من شئ : أن توالي النعم والعطاء من الله مع الشح والبخل والذنوب والمعاصي إنما هو عقوبات معجلة واستدراج ، يقول الله تعالي : " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " (الأنعام / 44) . والنعمة ليست هي وفرة المال ورغد العيش ، فقد تكون هذه نِقَم واستدراج من الله للعصاة ، حيث يعيشون في سُكْر الغفلة والشهوة .

حينما فُتحت فارس وكان لديهم قصر أبيض كبير في المدائن ، فدخل سعد بن أبي وقاص إلي المدائن فاتحا منتصرا ، ودخل قصرها الأبيض حافي القدم حاسر الرأس متواضعا لربه ، وهو يتلو هذه الآيات : " كم تركوا من جنات وعيون . و زروع ومقام كريم . ونعمة كانوا فيها فاكهين . كذلك وأورثناها قوما آخرين . فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين " (الدخان: 25-29) ثم أمر مؤذنه فأذن ، وخمدت نار فارس إلي الأبد .

ولما فُتحت قبرص فُرِّق بين أهلها ، فبكي بعضهم إلي بعض ، يقول جبير بن نفير : فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي ، فقلت : يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله ؟ فقال : ويحك يا جبير ، ما أهون الخلق علي الله عز وجل إذا أضاعوا أمره ، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك ، تركوا أمر الله فصاروا إلي ما تري !!

هذه قراءة الصحابة الكرام رضي الله عنهم لأحداث الحياة ، وعلمهم الراسخ ويقينهم القوي جعلهم في أعلي مراتب الإيمان من الوعي واليقظة والفهم لسنن الله الكونية في عباده ، وهذه السنن لا تحابي أحدا ولا تجامله ، فهذه نتيجة العصيان وإهدار النعم والإعراض عن الله ، وهذه العقوبات حاضرة لمن سلك سبيل العصاة ولم يعتبر بمصارع السابقين .

الأمم المترفة في النعيم ، الغافلة عن الله ، البخيلة الشحيحة بما أعطاها الله ، لها في الحياة وقت وأمد إلي حين ، ثم تحل عليهم سنة الله التي لا تتبدل ، فالمعاصي تزيل النعم .

أخرج أحمد والنسائي وابن ماجة عن ثوبان قال: قال رسول الله : " إن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر" . الرزق المقدر للإنسان يأتيه ثم يُحجب عنه ويُحرم منه بسبب ذنوبه ومعاصيه وبخله وشحه وحرصه على دنياه ، ثم يشكو من بعد ذلك قائلا : لماذا ضاقت عليَّ الحياة ؟ لماذا تنكدت المعيشة ؟ لماذا يضيق الصدر ويتشتت الفكر ؟ ألا رجع إلي نفسه فحاسبها ثم جدَّد التوبة واستغفر من قريب ، وأنفق بنفس سخية ثقة بما في يد الله ؟ فالعجلة والحرص والشح والبخل لن يغير الحال ، فتغيير الأحوال من رب العالمين إذا غيَّرنا أولا ما بأنفسنا .



([1]) أبو داود : 2594 .

([2]) متفق عليه .

   طباعة 
5 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 3 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net