:: الأخبار ::

:: الجديد ::

" وعباد الرحمن "

::: عرض المقالة :::

" وعباد الرحمن "
7420 زائر
10-02-2011
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله وحده . والصلاة والسلام علي من لا نبي بعده .

محاضرة بعنوان : " وعباد الرحمن "

ألقيت في رمضان بمسجد النور بالشارقة

لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

كان جبريل يأتي كل ليلة إلي النبي فيدارسه القرآن ، ونحن في ليلة من ليالي رمضان في بيت من بيوت الله أسأل الله أن يدخلني وإياكم في عطاء هذا الحديث الذي قال فيه نبينا : " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده " .

الجنة سلعة الله الغالية ، وأهل الجنة لهم صفات يحبها الله كيف نعرفها لنتخلق بها ؟ ذكر القرآن صفات عباد الرحمن وهم الصفوة الخالصة من خيرة عباد الله ، فهذه ورقة عمل وأوصاف إيمانية ربانية أجعلها مقياسا أقيس به نفسي لا أقيس به غيري لأنظر أين أنا من هؤلاء ؟ هل أنا من عباد الرحمن الذين ذكر الله صفاتهم ممن يحبهم وأعد لهم الغرف العالية في جنة غالية ؟

آخر سورة الفرقان جاءت أوصافهم ، والمتأمل فيها يراها تنقسم إلي قسمين :

1- صفات تتعلق بهم في علاقتهم بربهم . وهذه تسمي عبادة .

2- وصفات تتعلق بعلاقتهم بمن حولهم من عباد الله . وهذه تسمي معاملة ومعاشرة .

ومجموع الاثنين من عبادة ومعاملة هي دين الله الذي ارتضاه لعباده وبه أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا .

* 1- التواضع والصفح عن الجاهلين : " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا " (63) ، أَيْ بِسَكِينَةٍ وَوَقَار بغير اِسْتِكْبَار كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا " الْآيَة فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يَمْشُونَ مِنْ غَيْر اِسْتِكْبَار وَلَا مَرَح وَلَا أَشَر وَلَا بَطَر ، وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُمْ يَمْشُونَ كَالْمَرْضَى تَصَنُّعًا وَرِيَاء فَقَدْ كَانَ سَيِّد وَلَد آدَم إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطّ مِنْ صَبَب وَكَأَنَّمَا الْأَرْض تُطْوَى لَهُ وَقَدْ كَرِهَ بَعْض السَّلَف الْمَشْي بِتَضَعُّفِ وَتَصَنُّع .

وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِالْهَوْنِ هُنَا السَّكِينَة وَالْوَقَار كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه : " إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاة فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَة فَمَا أَدْرَكْتُمْ مِنْهَا فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا " . وروي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي قال : " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلي يوم القيامة " ، فالله يحب التواضع ويكره الكبر والاستعلاء ويقول سبحانه :" الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار " رواه مسلم عن أبي هريرة .

" وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا " أَيْ إِذَا سَفِهَ عَلَيْهِمْ الْجَاهِل بِالْقَوْلِ السَّيِّئ لَمْ يُقَابِلُوهُْ بِمِثْلِهِ بَلْ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ وَلَا يَقُولُونَ إِلَّا خَيْرًا كَمَا كَانَ رَسُول اللَّه لَا تَزِيدهُ شِدَّة الْجَاهِل عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا وَكَمَا قَالَ تَعَالَى " وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ" الْآيَة ، وَرَوَى الْإِمَام أَحْمَد عَنْ النُّعْمَان بْن مُقَرِّن الْمُزَنِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه وَسَبَّ رَجُل رَجُلًا عِنْده فَجَعَلَ الْمَسْبُوب يَقُول : عَلَيْك السَّلَام فَقَالَ رَسُول اللَّه : " أَمَا إِنَّ مَلَكًا بَيْنكُمَا يَذُبّ عَنْك كُلَّمَا شَتَمَك هَذَا قَالَ لَهُ بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقّ بِهِ وَإِذَا قُلْت لَهُ وَعَلَيْك السَّلَام قَالَ لَا بَلْ عَلَيْك وَأَنْتَ أَحَقّ بِهِ " . ولله در القائل :

إذا نطق السفيه فلا تجبه ** فخير من إجابته السكوت
فإن كلمته فرجت عنه ** و إن خليته كمداَ يمــوت
وقال غيره :
يخاطبني السفيه بكل قبح ** فأكره أن أكون له مجيباَ
يزيد سفاهة فأزيد حلماَ ** كعود زاده الإحراق طيباَ

وهذه هي أخلاق الصالحين : قال أبو الدرداء لرجل أسمعه كلاماً : " يا هذا لا تغرقنَّ في سبنا ، ودع للصلح موضعاً ، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله عزّ وجلّ فيه . وشتم رجل الشعبي فقال : إن كنتُ كما قلتَ فغفر الله لي ، وإن لم أكن كما قلتَ فغفر الله لك . رجل قال لضرار بن القعقاع : والله لو قلتَ واحدةً لسمعت عشراً، فقال ضرار: والله لو قلتَ عشراً ما سمعتَ واحدة . وقال الأحنف بن قيس وكان حكيما: ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره ثلاث خصال:

أ – إن كان أعلى مني عرفتُ له قدره.
ب – وإن كان دوني رفعتُ قدري عنه.

جـ - وإن كان نظيري تفضلت عليه.

العمر أغلي من الرد علي سفاهة السفهاء ، وكل إناء بما فيه ينضح ، وعند المؤمن ما يشغله ويكفيه من طاعة ربه في رحلة الحياة ، والحياة كلها قصيرة ، وما أشبه الدنيا بسوق قام ثم انفض ، ربح فيه من ربح ، وخسر فيه من خسر .

* 2- أهل التهجد والدعاء والمناجاة بالليل : "وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)

وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) " . لحظات الليل ودقائق الليل غالية فلا نجعلها رخيصة بالغفلة ، ماذا نفعل بعد العشاء إذا خلونا ببيوتنا ؟ الناس واحد من ثلاثة :

1- إما متهجد طائع قد دخل في صفة الذين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون ، وتتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا .

2- وإما عاص شارد يبارز الله بالمعصية ، والملائكة يكتبون ورب العرش مطلع يراه ولا تخفي عليه خافية .

3- وإما غافل ساه لا هو في طاعة يؤجر عليها تقربه من الله ، ولا هو في معصية تجلب عليه غضب الله ، بل يقتل وقته والوقت هو أغلي ما يملكه .

فمع أي هؤلاء نكون نحن ؟ نسأل الله أن نكون من الأولين المتهجدين القائمين الذاكرين ، فركعتين في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها .

وأخرج الترمذي والحاكم وصححه، وابن ماجه والبيهقي في الدلائل، عن عبد الله بن سلام قال : لما قدم رسول الله المدينة ، انجفل الناس إليه ، فجئته لأنظر في وجهه فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول شيء سمعت منه أن قال : " يا أيها الناس ، أطعموا الطعام ، وأفشوا السلام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام " .

الخشية من يوم الحساب لا تخرج إلا من قلب تقي يحب الله ، فمن أحب الله أحب لقاءه ، وكلما زاد حبه لله زاد خوفه من معصيته حتى لا تنقطع الحبال التي بينه وبين ربه ، وانظر إلي صورة الخاشع لله التي يصورها القرآن : " أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب " ، ألا يكفيه أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه " .

* 3- القصد في النفقة : " وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " (67) ، كثير من أزمات الناس ومصائب البيوت تأتي من هذين البابين : الإسراف أو التقتير ، فالإنفاق في غير محله ضياع للمال ، والبخل والشح يوغر الصدور ويزرع العداوة والبغضاء في القلوب ، والخير كله في الاعتدال .

تابعي يسمي السائب قال : صلى بنا عمار بن ياسر صلاة ، فأوجز فيها ، فقال له بعض القوم : لقد خففت أو أوجزت الصلاة ! فقال : أما على ذلك ، فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله . فلما قام تبعه رجل من القوم هو أبي ، غير أنه كنى عن نفسه فسأله عن الدعاء ؟ ثم جاء ، فأخبر به القوم : اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي ، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب ، وأسألك القصد في الفقر والغنى ، وأسألك نعيما لا ينفد ، وأسألك قرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضاء بعد القضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين .

والشاهد قوله : وأسألك القصد في الفقر والغني .

* 4- البعد عن الكبائر والتوبة النصوح : " وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) " ، الذي يطالع هذه الآيات ربما يسأل لماذا جاء ذكر هذه الكبائر متأخرا في السياق أليس من باب أولي أن يأتي أولا في النهي ثم يتبعه بقية المنهيات ؟ وبالتدبر نري لهذا حكمة بليغة : وهي أن كمال الإيمان في نفس المؤمن يقوم علي ركنين اثنين :

· التحلي بالصفات الطيبة التي يحبها الله وهي التي صدر بها صفات عباد الرحمن

· والتخلي عن الصفات السيئة المذمومة التي يبغضها الله وعلي رأسها هذه الكبائر الثلاث .

فناسب بعد ذكر ما تحلوا به من صفات طيبة صالحة أن يذكر أنهم أيضا تخلوا عن كبائر الذنوب والصفات المذمومة السيئة ، وهذا هو كمال التربية والتزكية " ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها " .

روي البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن عبد الله ِبْن مَسْعُود قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه أَيّ الذَّنْب أَكْبَر ؟ قَالَ " أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك " قَالَ ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ " أَنْ تَقْتُل وَلَدك خَشْيَة أَنْ يَطْعَم مَعَك " قَالَ ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ " أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِك " قَالَ عَبْد اللَّه وَأَنْزَلَ اللَّه تَصْدِيق ذَلِكَ " وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر " الْآيَة .

وكلمة " أثاما " من الأثام وهو العقاب ، وقيل واد في جهنم . ولكنه ذكر التوبة ليفتح الباب أمام من يريد العودة ليصطلح العبد علي مولاه : " يبدل الله سيئاتهم حسنات " كيف ؟ هناك تفسيران :

الأول : قاله ابن عباس والحسن البصري وجماعة من المفسرين : أَبْدَلَهُمْ اللَّه بِالْعَمَلِ السَّيِّئ الْعَمَل الصَّالِح وَأَبْدَلَهُمْ بِالشِّرْكِ إِخْلَاصًا وَأَبْدَلَهُمْ بِالْفُجُورِ إِحْصَانًا وَبِالْكُفْرِ إِسْلَامًا ، وبالصفات السيئة صفات طيبة ، يبدل الكذب صدقا والغدر وفاءا والخيانة أمانة .

الثاني : أَنَّ تِلْكَ السَّيِّئَات الْمَاضِيَة تَنْقَلِب بِنَفْسِ التَّوْبَة النَّصُوح حَسَنَات وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ مَا مَضَى نَدِمَ وَاسْتَرْجَعَ وَاسْتَغْفَرَ فَيَنْقَلِب الذَّنْب طَاعَة بِهَذَا الِاعْتِبَار فَيَوْم الْقِيَامَة وَإِنْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرّهُ وَيَنْقَلِب حَسَنَة فِي صَحِيفَته كَمَا ثَبَتَتْ السُّنَّة بِذَلِكَ وَصَحَّتْ بِهِ الْآثَار .

روي مسلم عن أَبِي ذَرّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه : " إِنِّي لَأَعْرِف آخِر أَهْل النَّار خُرُوجًا مِنْ النَّار وَآخِر أَهْل الْجَنَّة دُخُولًا إِلَى الْجَنَّة ; يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيَقُول نَحُّوا عَنْهُ كِبَار ذُنُوبه وَسَلُوهُ عَنْ صِغَارهَا قَالَ فَيُقَال لَهُ عَمِلْت يَوْم كَذَا : كَذَا وَكَذَا وَعَمِلْت يَوْم كَذَا : كَذَا وَكَذَا فَيَقُول نَعَمْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِر مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَيُقَال : فَإِنَّ لَك بِكُلِّ سَيِّئَة حَسَنَة فَيَقُول يَا رَبّ عَمِلْت أَشْيَاء لَا أَرَاهَا هَهُنَا " قَالَ فَضَحِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه " . والله ما أحوجنا إلي التوبة النصوح ، فمن منا لا ذنب له ومن منا لا خطأ له ؟ أليس كل بني آدم خطاء ، ولكن خير الخطائين التوابون .

* 5- حفظ اللسان : آفات اللسان و حصائد الألسن هي التي تكب الناس علي مناخرهم في النار ، فاللسان نعمة ومن شكر هذه النعمة أن نحركه في الذكر والثناء علي الله والدعوة إلي الله والنصيحة لعموم الأمة والكلمة الطيبة والإصلاح بين الناس ، وهذه صفة أخري من صفات عباد الرحمن : " وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا " (72) ، ولماذا قول الزور ؟ لأنه يدمر أمة وتضيع به الحقوق وتفقد به الثقة بين الناس ، لهذا لما ذكر النبي أكبر الكبائر وعد منها :الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئا فجلس وقال : ألا وقول الزور وأخذ يكررها حتي قال الصحابة ليته سكت . وليس تكرار التحذير من قول الزور لأنه أكبر وأشد من الشرك ، لا . ولكن لتهاون الناس به ، وللعلم هو أيضا من مفسدات الصيام ، روي البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال : " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " .

وبعض العلماء يفسر الزور بكل لغو باطل من لهو وفجور وأذى ، ومن ينزه سمعه وبصره عن هذا اللغو الباطل فلم يشهده فهو من أهل هذه الآية الذين إذا مروا باللغو مروا كراما ، قال ابن كثير في تفسيره عن إِبْرَاهِيم بْن مَيْسَرَة أَنَّ اِبْن مَسْعُود مَرَّ بِلَهْوٍ فَلَمْ يَقِف فَقَالَ رَسُول اللَّه : " لَقَدْ أَصْبَحَ اِبْن مَسْعُود وَأَمْسَى كَرِيمًا " .

* 6- التدبر في آيات الله : " وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) " ، القرآن له وقع وأثر في القلوب المؤمنة ، " إنما المؤمنون الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبهمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاته زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ " .

بعض الناس يمرون علي القرآن مرور الكرام ، فلا يفتح مسامع قلبه ولا يقف عند آياته ولا يتدبر ما في آيات الله من عبر فكيف يكون القرآن له هدي وشفاء ؟

حق القرآن علينا خمسة أمور :

· حسن الاستماع والإنصات : والسماع غير الاستماع ، فما الفرق بينهما ؟ الاستماع هو ما تسمعه الأذن مع حضور قلب ورغبة في سماع ما يلقي عليها ، أما السماع فهو ما يلقي علي الأذن دون رغبة منها ولا تدبر عقل وحضور قلب ، والشارع الحكيم لا يؤاخذنا بالسماع وإنما بالاستماع ، ما هو السبب ؟ أن الإنسان يستطيع أن يغلق فمه فلا ينطق لسانه ويستطيع أن يغض بصره فلا يري شيئا ولكن هل هناك من يستطيع أن يغلق سمعه ؟ فالسمع مفتوح لما تريده وما لا تريده ، أما الاستماع فهو رغبة منك في أن تسمع ما يقال ، لذلك طلب منا عند قراءة القرآن الاستماع وليس السماع لهذا لم يقل فإذا قرأ القرآن فاسمعوا له ، لا . بل قال " فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " .

· حسن التلاوة والتجويد : فلا يقرأ القرآن كما تقرأ الجريدة بل نتعلم كيف يتلي لأن حسن التلاوة مما يعين علي حسن الفهم الذي ينبني عليه العمل ، " ورتل القرآن ترتيلا " . قال " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " ، وقال : " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران " قال العلماء : أجر القراءة وأجر المشقة .

· حسن الفهم والتدبر : وهذا هو الغاية من استماع القرآن أن نتفهم ونتدبر الخطاب " أفلا يتدبرون القرآن أم علي قلوب أقفالها " . والفهم هو الذي يدعو إلي العمل وهو الغاية من نزول الكتاب أن يعمل به ويصبح للأمة منهج حياة .

· حسن العمل والتطبيق : والعمل بالقرآن يجعله حجة لنا يوم القيامة لا حجة علينا ، لو هناك مريض ذهب إلي طبيب ليصف له العلاج فكتب له وصفة طبية فيها الدواء فأخذها لبيته ووضعها في كيس نظيف وجعلها علي الرف وبعد شهر ذهب للطبيب يشكو له زيادة المرض فسأله ماذا فعلت بالدواء ، قال حافظت علي الوصفة الطبية فجعلتها عندي في البيت في مكان أمين ونظيف ، فقال له الطبيب : أنا ما أعطيتك هذا الدواء إلا لتستعمله لا لتكنزه ، وحتي من اشتري الدواء ولم يستعمله فما هي الفائدة منه ؟ قال : " يؤتي يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما " .

· حسن البلاغ والدعوة : فمن حق القرآن علينا نشره وتعليمه ودعوة الناس إليه ، قال : " بلغوا عني ولو آية " ، وفي حديث آخر : " نضر الله امرءا سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعي من سامع " .

وهناك أمثلة تبين كيف يتعامل الصحابة مع القرآن ليكون لنا قدوة :

1- أبو الدحداح .

2- عمر عندما سمع قارئا يقرأ " إذا وقعت الواقعة " .

3- أبو طلحة .

* 7- الدعاء للأهل والذرية بالخير سنة من سنن الأنبياء والصالحين من عباد الله : " وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا " .

يريدون أهلا وذرية تقر بها عيونهم في الدنيا والآخرة بماذا ؟ هل تقر العين بصحة أبدانهم وقوة أجسامهم وغناهم وتبوءهم أعلي المناصب وأرفع الوظائف ورؤيتهم في أجمل صورة وأحسن هيئة ؟ لا والله ، ولكنهم يريدون ذرية صالحة تقية عابدة طائعة لله فهذه هي قرة عيون الصالحين .

ولم يكتفوا بالدعاء للذرية الصالحة بل طلبوا من الله أن يكونوا قدوة لغيرهم ممن سيأتي بعدهم ، وكأنهم يريدون الخير موصولا في حياتهم وبعد مماتهم حبا لله وحبا لدينه ورغبة في عمارة الأرض بالطاعة لرب العالمين ، روي مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه : " إِذَا مَاتَ اِبْن آدَم اِنْقَطَعَ عَمَله إِلَّا مِنْ ثَلَاث : وَلَد صَالِح يَدْعُو لَهُ أَوْ عِلْم يُنْتَفَع بِهِ مِنْ بَعْده أَوْ صَدَقَة جَارِيَة " .

*** هؤلاء الذين تحلوا بهذه الصفات ماذا أعد الله لهم ؟ " أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) " .

الغرفة سميت بذلك لارتفاعها وعلو شأنها ، وانظر إلي الملمح في الآية " بما صبروا " وليس بما أكلوا أو لعبوا أو شربوا أو جمعوا أو طرحوا ، لا بما صبروا ، فالقيام علي الطاعة يحتاج إلي صبر ، وحبس النفس عن المعاصي وكفها عن الشهوات يحتاج إلي صبر ، وترك الشكوى وكف النفس عن السخط والجزع أمام أقدار الله يحتاج إلي صبر ، غض البصر أكل الحلال الورع عن الحرام كل ذلك يحتاج إلي صبر وتضحية ومجاهدة ، فالدنيا ليست نزهة والباحث عن الاستجمام والراحة هنا واهم ، فنحن في امتحان كبير ، ولا نخرج من اختبار حتي ندخل في آخر ، لهذا تهنيء الملائكة هؤلاء الصابرين أنهم نجحوا في الاختبار ومروا من الدنيا بسلام وقابلوا الله بقلوب سليمة وطاعة مقبولة وعمل صالح مبرور .

" والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار " .

أكبر ما يخافه الإنسان هو سلب النعم ، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء ، فالإنسان بالفطرة يحب النعيم ويكره البؤس ، يحب الصحة ويكره المرض ، يحب الشباب والقوة ويكره الضعف والشيخوخة ، يحب الحياة ويكره الموت ، ولكن أني لنا في هذه الدنيا الحصول علي هذا كله ونحن في دار الأغيار والأسباب فيها الصحة والمرض والنعيم والبؤس والحياة والموت والسرور والحزن ؟ هذه العطايا والمنح ليست إلا لأهل الجنة اللهم اجعلنا منهم ، أخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي قال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا . وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا . وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا . وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله عز وجل : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } [ الأعراف / 43 ] .

*** وختمت السورة بقيمة الدعاء وأنه سبب لرفع البلاء ، " قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77) " . الله غني بذاته عن جميع خلقه لا يحتاج إلي أحد فلا تنفعه طاعة العباد ولا تضره معصيتهم ، فلو آمنوا واتقوا فلأنفسهم ولو كفروا وعصوا فعلي أنفسهم ، والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم . ولولا دعاء الصالحين وصلاتهم وطاعتهم لله لأهلك الله الأرض ومن عليها ، ومن كذب فعذاب الله لازم له لا يفارقه .

روي مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن النبي تلا قول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ في إبراهيم :{رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني} الآية (إبراهيم 36) ، وقال عيسى :{إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} (المائدة 118) فرفع يديه وقال: " اللهم أمتي أمتي " وبكى . فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " يا جبريل اذهب إلى محمد

- وربك أعلم - فسله ما يبكيه ؟ " فأتاه جبريل فأخبره رَسُول اللَّهِ بما قال وهو أعلم . فقال اللَّه تعالى : " يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك " .

** لطائف قرآنية :

* لماذا قدم السجود علي القيام " سجدا وقياما " لأن العبد أقرب ما يكون لربه وهو ساجد والدعاء في السجود أقرب للقبول ، وفي موضع آخر في سورة الزمر أشار إلي هذا أيضا بقوله " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه " .

* ما الفرق بين الإسراف والتبذير ؟ الإسراف هو مجاوزة الحد ويكون غالبا في الحلال ومنه قوله تعالي " كلوا واشربوا ولا تسرفوا " ، أما التبذير فهو إنفاق ولو فلس واحد في غير محله ، ولهذا جاء في سورة الإسراء التنويه علي هذا الفرق عند قوله تعالي : " وآت ذا القربي حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذرا . إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا " .

* لماذا قال " ولا يشهدون الزور " ولم يقل ولا يشهدون بالزور ، لأن الزور هو الكذب ضد الصدق والحقيقة ، فعباد الرحمن لا يحضرون مجالس اللهو والباطل لأنها كذب لا حق ولا خير فيها ، فهم لا ينطقون زورا وكذبا ولا يحضرون مجالس الزور والكذب واللهو الباطل .

* ما معني قرة العين ؟ الدموع التي تخرج من العين عند السرور والفرح هذه قرة العين ، وقيل كل ما تحبه وتسر به فعينك من شدة الحب والفرح والسرور تقر علي هذا المرئي ولا تلتفت عنه يمنة ولا يسرة ، بل قرار العين يكون مسلطا عليه لا يتحول عنه

   طباعة 
4 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 3 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net