:: الأخبار ::

:: الجديد ::

جاء الحق وزهق الباطل

::: عرض المقالة :::

جاء الحق وزهق الباطل
6602 زائر
22-02-2011
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

جاء الحق وزهق الباطل

( مقال عن أحداث مصر في 25 من يناير )

لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

* سنة التغيير :

لله تعالى سنن لا تتبدل ولا تتغير ، فدوام الحال من المحال ، وسنة التغيير من سنن الله الثابتة ، التغيير من الفساد إلى الصلاح ومن الفجور إلى البر ، ومن الغي إلى الرشاد ، ومن موجبات العذاب والغضب إلى موجبات المغفرة والرحمة ، فالأصل في الحياة هو الخير والنماء وعمارة الأرض وليس خرابها والإفساد فيها ، قال ربنا سبحانه : " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " ، ومن سنن الله الثابتة :

1- سنة التدافع : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " .

2- سنة النصر : " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " .

3- سنة التغيير : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .

4- سنة التداول : " وتلك الأيام نداولها بين الناس " .

5- سنة التمكين : " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " .

* إن الله جعل في الدنيا سننا ثابتة في النصر والهزيمة والعز والذل ، ومن هذه السنن أنه لا يعز باطلا ولو كان قويا فالله لا يصلح عمل المفسدين ، ولا يذل حقا ولو كان ضعيفا فالله ولي المتقين ، وما غابت هذه السنن عن الحياة يوما ، ولكنها غشاوة الغفلة يضعها الشيطان علي العيون حتى يلبس علينا الحق بالباطل ويخلط أمامنا الأمور ليستوي الصدق مع الكذب والخيانة مع الأمانة والعفة مع الفجور ، ولكن ما أن ترى القلوب الحق حتى تعشقه وتألفه بل وتنطق الألسنة به داعية إليه ، مهما واجهها من مصائب وعقبات .

* إذا استشرى الفساد وتجذر الباطل وعمَّ الظلم وتمادى الطغيان ، فهذه كلها مؤشرات الدمار والهلاك لأي أمة من الأمم ، وهي دليل على ضياع الدين ومحاربة أهله ، وهي علامات على الإفساد في الأرض التي أمر الله بإصلاحها وعمارتها لا بتخريبها وتدميرها .

ومن رحمة الله بعباده وحكمته في خلقه أنه لا يأخذ الظالم من أول مرة ، بل يجعل هناك مهلة من الزمن ، حتى تنقطع حجة الظالم ، وتنهض همم الصالحين وتشتد عزائم الصادقين ، وتلهج ألسنة المظلومين بالدعاء والاستغاثة برب العالمين ، فهنا يأتي النصر والفتح ، فيقصم الله ظهور الطغاة وينصر المظلومين المقهورين ، الذين بلغ بهم اليأس مبلغه حتى قالوا : متى نصر الله ؟ ألا إن نصر الله قريب .

الدين جاء ليبني نفوسا طاهرة من الغل والحقد والحسد ، جاء ليقيم بين الناس العدل ويرفع عنهم الظلم ، جاء ليطهر الحياة من النفاق والرياء والرشوة والنهب والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل ، جاء ليؤدي الحقوق ويصون الأعراض ويحفظ الحرمات ، فالدين يحفظ حق الولد وحق الوالد ، حق الزوج وحق الزوجة ، حق الكبير وحق الصغير ، حق الحاكم وحق المحكوم ، فإذا ضاع الإسلام من الحياة ضاعت معه كل الحقوق .

* لأنصرنك ولو بعد حين :

حذَّر الله تعالى من الظلم ، فقال عز وجل : { ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص في الأبصار} [إبراهيم: 24].
وقال تعالى: {فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم} [ الزخرف: 65].
وقال تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} [ هود: 18].

وقال تعالى : { وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما . ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما } [ طه : 111- 112] . وفي صحيح الجامع عن خزيمة بن ثابت عن النبي قال : " اتقوا دعوة المظلوم ، فإنها تحمل على الغمام ، يقول الله : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين " . صححه الألباني في صحيح الجامع رقم : 117 .

وأخرج مسلم عن جابر وأحمد عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله : " اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، وحملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " . وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح قال: الظالم ينتظر العقوبة، والمظلوم ينتظر النصر.

المؤمن لا تراه بوجهين أبدا ولا بلسانين ، فالصدق طمأنينة والكذب ريبة ، والمؤمن يُطبع علي الخلال كلها إلا الخيانة والكذب . والعدل بين الخصوم يحتاج إلي ورع وتقوى حتى لا يميل القلب بعاطفته مع طرف ضد آخر ، وإذا ضاع حق هنا في هذه الدنيا فلن يضيع يوم القيامة حين تجتمع الخصوم عند الملك الحق ، روي مسلم عن أبي ذر عن النبي قال : " يقول الله تعالي : يا عبادي إني حرمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " .

كم في الحياة من قضايا بين الناس يختفي فيها وجه الحق تحت التزوير والغش وشهادة الزور ، وكم من حقوق ضاعت وتحسر أصحابها علي ما أصابهم من ظلم وقهر وطغيان ، ولو يعلم الظالم ما أعده الله له من عقوبة لردَّ المظالم إلي أهلها من قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار ، " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء " .

روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة أن النبي قال : ( أتدرون ما المفلس ؟ ) ، قالوا : الْمُفْلِسُ فينا من لا درهم له ولا متاع . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعْطَي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيتْ حسناته قبل أن يقْضِي ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار)
وقد حث النبي
على أداء الحقوق إلى أصحابها، قبل أن يأتي يوم القيامة فيحاسبهم الله على ظلمهم، قال : (لَتُؤَدَّن الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقَاد (يُقْتَص) للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم .

وقال : " من ظلم قيد شبر من الأرض، طُوِّقَه من سبع أرضين " متفق عليه .

ويقول النبي : (إن الله لَيمْلِي للظالم (أي: يؤخر عقابه)، حتى إذا أخذه لم يفْلته) [متفق عليه] ، ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102].

* كيف نفهم ما حدث لمصر ؟

إنها تراكمات السنين من ظلم وقهر وذل وهوان ، تعبأت بها صدور المظلومين حتى ثار البركان ، وتزلزلت الأرض وخرج ما في القلوب من كمد دفين ، فكانت الصورة كالآتي :

1- قوم طغاة عاثوا في الأرض فسادا ، فنهبوا الأموال ، وأهدروا الطاقات ، وأذلوا الناس واستعبدوا عباد الله الذين خلقهم الله من بطون أمهاتهم أحرارا .

2- تمادى الظلم وأصبح له أعوان مصوا الدماء حتى النخاع ، وحاربوا الفضيلة ، ونشروا الرذيلة ، ووقفوا بالمرصاد أمام الشباب الطامح إلى حياة كريمة ، وعزة وشرف تتوق إليها نفوس الشرفاء الذي يتطلعون إلى حياة تليق بالإنسان الذي كرمه الرحمن .

3- أمام هذا الظلم الطاغي الذي تجاوز مداه ، كان هناك شعب طيب وقور صبور ، ظنه الجبابرة شعبا أبله عاجز أشبه بالجسد الميت ، ولم يفهموا أن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته .

4- جاءت نقطة الحسم وفصل الخطاب عندما :

· بلغ الظلم والطغيان مداه .

· وبلغ الصبر والحلم مداه .

فكان لابد من تحقيق سنة الله في أرضه ، وهي دحض الباطل وقيام الحق ، " وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " .

* مهما طال ليل فلبد بعده من فجر :

بعد كل ليل لابد أن يأتي الفجر ، ومهما أحكم الظلام ستوره فلابد أن يزول بنور الشمس ، ورحى الدنيا دائرة ، بطون تدفع أجنة يبدؤون مسيرة الحياة ، وقبور تبلع أجسادا تواجه الحساب ، وكم أكل التراب من جبابرة ووارى من طغاة ، ولكن الغلبة دائما للحق وأهله ، والعاقبة للمتقين .

إن الحق لا يخفى نوره علي كل ذي عينين ، ولكن العبد هو المحجوب عنه بكبره وعناده ، فإذا تفتحت منافذ الإدراك فيه وفتح مسامع فؤاده ، يطهر قلبه من دنسه ، ويرى في الدنيا قيما جديدة غير ما تعارف عليه الناس من المال والشهوة والجاه العريض .

أخرج أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي عن خباب بن الأرت قال : " قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو الله لنا ؟ فقال : " إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه ، ثم قال : " والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي مالك قال : قال رسول الله : " إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار ، فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز فذلك الذي نجاه الله من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي افتتن " .

* في التاريخ عبرة :

بنو إسرائيل أمة مريضة كثرت أدواؤها وكثر أنبياؤها ، وموسى من أولي العزم من الرسل ، وله مع قومه مواقف عديدة ، ونشهد اليوم موقفا تظهر فيه قدرة الله في نصرة الحق والخير أمام الدجل والباطل والشر ، نشهد الحق كيف يغير نفوسا قيدتها المطامع فانطلقت من أسر الهوى إلي رحاب العبودية لله رب العالمين ، تسجد له خاشعة منيبة ، وتهزأ بكيد العبيد المهازيل الذين لا يفقهون موازين القوى ويظهرون بكل بطشهم وجبروتهم وكيدهم كجناح بعوضة أو خيوط العنكبوت ، تكسّر نسيج فرعون أمام إيمان السحرة ، ولنتعلم اليوم من هذا الموقف درسا يضيئ لنا دروب الحياة ، إنه يوم إيمان السحرة . يوم استعلاء الإيمان علي شهوات الأرض . يوم تبدلت فيه أشواق القلوب وعلّمت الدنيا بأسرها أنها إذا أحبت ربها وخالقها فإنها تستهين بأي ألم أو عذاب ، لا تستهويها المطامع ولا تقيدها المنافع .

" قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى . فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى . قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى . فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى " ، لأن الكفر مطموس البصيرة فهو يرى الحق سحرا ، وظن أن السحر يذهب بسحر مثله ، وغفل عن مقصود الرسالة التي جاء بها موسى ، وأراد نبي الله أن يقيم عليهم الحجة من أنفسهم فطلب أن يكون اللقاء في أكبر جمع من الناس يوم عيدهم ، وأن يكون ضحى حتى تبدو الرؤية واضحة لكل ذي عينين ، ولا يتجرأ علي هذا الطلب إلا الواثق بربه المطمئن إلي نصرة الله المتيقن من النصر والغلبة ، وحقا هذا هو يقين الأنبياء .

* قبل أن تبدأ المواجهة ويتم اللقاء أمام الناس ، دعا موسى هؤلاء السحرة إلي الإيمان وخوّفهم بالله وبيّن لهم عاقبة الافتراء والكذب ، فتكلموا مع بعضهم سرا وبدا الخلل في صفوفهم ، ولكنهم شجعوا أنفسهم ليكونوا يدا واحدة وأقنعوا أنفسهم أن موسى وأخيه طالبي دنيا وطامعي في الملك والجاه :

" قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى . فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى . قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى . فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى " .

الحجة الساطعة تشق صفوف الكاذبين الذين يجادلون بالباطل ويقيمون سحرهم علي الزيف والدجل والخداع ، وهذا هو أثر دعوة الحق في القلوب ، فالحق يزعزع الثقة في صدور أهل الباطل وربما ارتدع بعضهم عن غيه ، كما فعل ابن عباس مع الخوارج حينما حاورهم في باطلهم ، فرجع منهم كثير عن بدعتهم ، وعادوا إلي رشدهم وصوابهم .

* والآن ستبدأ المواجهة بين الفريقين ، فريق فيه موسى وهارون ولكن الله معهما بالنصرة والتأييد ، وفريق فيه السحرة ومن ورائهم فرعون وجنوده وحشوده : " قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى . قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى . فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى . قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى . وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى " ، ولنا في هذه الآيات وقفات :

1- عامة السحر قائم علي تخييل وحيل باطلة يحتال بها السحرة علي الناس ، وهكذا الطغاة في كل زمان يستعملون سحر الكلمة ليخدعوا بها أممهم وينهبوا خيراتهم وثرواتهم ، لهذا قال " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " ، لأنها في الحقيقة عصي وحبال ، وهكذا كلام الطغاة حقيقته كذب وزور وخداع ، لا يصدقون شعوبهم ولا يوفون بعهودهم .

2- لماذا خاف موسى ؟ هل لأنه لا يعلم أن عصاه ستصبح حية عظيمة ؟ أم أنه لم يكن يدري أنها ستلقف ما صنعوا ؟ أم أنه خاف علي دعوته أن يكذبها القوم من أجل سحر ودجل وشعوذة ؟

إن موسى علي يقين من أن العصا تتحول إلي حية كما رأى ذلك بعينه عند مناجاة ربه في الوادي المقدس طوى ، ولكنه لم يكن يدري كيف ستأتي نصرة الله له ، وهكذا حب الأنبياء للحق وخوفهم عليه من التكذيب والفتنة يجعلهم من شدة حرصهم علي هداية قومهم يخافون من تكذيب الناس للحق الذي فيه فلاحهم ونجاتهم .

3- وهنا تأتي نصرة الله فيأمره بإلقاء ما في يمينه فتظهر المعجزة التي بهرت السحرة ، فلم يملكوا أمامها إلا السجود لله رب العالمين ، وذلك أين ؟ في حضرة فرعون وأمام عينيه وعلي مشهد من جميع الناس ، هذا هو استعلاء الإيمان وهذه هي القوة التي يمنحها الله لعباده المؤمنين إذا تعلقوا به وتوكلوا عليه .

* السحرة عددهم كثير ، وسحرهم عظيم ، خطف الأبصار وأذهل العقول ، حتى أن موسى أخذته من رهبة الموقف خيفة ، ولكن يأتي التثبيت من الملك الجبار ، " قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى " ، معك الإيمان ومعهم الحِرفة ، معك الحق ومعهم الباطل، معك الحقيقة ومعهم الخدعة ، وما أن ظهر الإعجاز حتى خروا لله سجدا وقيل : كانوا يقاربون ثمانين ألفا :

" فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى . قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى . قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى . إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى . وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى . جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى " .

يا عباد الله : لمسة واحدة من الإيمان واليقين تفجر طاقات في القلوب لا يعلمها إلا رب القلوب ، تغيرت الأشواق والأماني والرغبات في لحظات ، هذا هو فعل الإيمان عندما تخالط أنواره القلوب .

السؤال هنا : كيف أصبح السحرة دعاة إلي الله ؟ وأين تعلموا وممن تعلموا حقائق الغيب التي أخبروا بها ودعوا إليها ؟ لم يسبق لهم لقاء بموسى ولا بغيره حتى تنطق ألسنتهم بهذا البيان المعجز البليغ الذي جمع حقيقة دعوة الأنبياء في الإيمان والتذكير بالجنة لمن أطاع والنار لمن عصى .

كم من أناس صغرت الدنيا في عيونهم عندما عظَّموا الله بقلوبهم ؟ وكم من أشواق القلوب تبدلت من الرغبة في الدنيا والحرص عليها بأي ثمن إلي التضحية بها رخيصة في سبيل الله ؟

درس سحرة فرعون درس عظيم لاستعلاء الإيمان في القلوب علي أي تهديد أو إغراء ، وفيه تثبيت لقلوب المؤمنين وهم في ميدان المواجهة مع شهوات نفوسهم وباطل دنياهم حتى لا يخافوا من فوات حظوظ عاجلة ويرغبوا في النعم الباقية .

* التضحيات روح الانتصار ووقود الأحرار :

كيف كان مصعب وكيف أصبح ؟ روي أبو نعيم عن عمر قال: نظر رسول الله إلى مصعب بن عمير مقبلا عليه إهاب كبش قد تنطق به ، فقال النبي : " انظروا إلى هذا الذي نوَّر الله قلبه ، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه أطيب الطعام والشراب ، لقد رأيت عليه حلة اشتريت بمائتي درهم ، فدعاه حب الله وحب رسوله إلى ما ترون " .

وروى البيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله حين انصرف من أُحد ، مرَّ على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه ، فوقف عليه ودعا له ، ثم تلا هذه الآية : " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه - إلى – تبديلا " ثم قال رسول الله : " أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة ، فأتوهم وزوروهم ، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه " .

وكان مصعب في مكة قبل إسلامه فتى مدللا ، تحبه أمه وتغدق عليه المال والطعام والعطايا ، فلما أسلم هددته بالحرمان من هذا النعيم كله ، ولكن قلبه قد استنار بالإيمان فرأى حقيقة النعيم ، ولم يرض عن الآخرة بديلا ، فحرمته أمه وعذبته ، ولكنه صبر حتى هاجر إلي الحبشة ثم عاد وكان من أوائل من هاجروا إلي المدينة ، ودعا أهلها إلي الإسلام فأسلم علي يديه كثير من كبار الأنصار ، وكان بحق أول سفير للإسلام .

ستذهب الدنيا بحلوها ومرها ، ولن يبقى إلا تقوى الله والعمل الصالح ، فهذا هو خير زاد ليوم المعاد .

* نصيحة الأمة وقت الغمة :

* أخرج أبو داود وأحمد أن النبي كان إذا حزبه أمر فزع إلي الصلاة وقال: " أرحنا بها يا بلال" . وعلَّم أمته دعاء الكرب والشدة فكان يقول عند الشدائد : " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض، ورب العرش الكريم " رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس . لا ملجأ من الله إلا إليه ، فاللهم اكشف الكرب والبلاء عن جميع المسلمين .

* نعم . الدين النصيحة ، وعلي المسلم أن يتعلم ما هو فرض الوقت ، وما الذي يجب عليه عمله ، ومن صفة الناجين من الخسران أنهم أصحاب الإيمان الراسخ والعمل الصالح ، ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر . أنصح نفسي وإياكم وأوصي نفسي وإياكم بأربع أمور هامة هي من أسباب رفع البلاء وكشف الكرب عن الأمة ، وكل من هذه الأربع له سنده من الكتاب والسنة ، فالأمور كلها تجري بالمقادير ، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين .

أوصي نفسي وإياكم بالوصية الأولي وهي :

أولا : التوبة : فلا ينزل بلاء إلا بذنب ولا يرتفع إلا بتوبة ، وهذه الأمة فيها أمانان من العذاب : وجود رسول الله فيها ، والاستغفار ، وذلك لقوله تعالي : " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " ، فحينما رحل نبينا إلي الرفيق الأعلي ، لم يبق لنا إلا أمان واحد وهو الاستغفار وطلب المغفرة ، فالتوبة والإنابة ترفع البلية وتكشف الغمة ، فالتائب حبيب الرحمن ، ولا تنظر إلي من حولك بل انظر إلي نفسك ، " اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا " .

ستموت وحدك . وتُقبر وحدك . وتُسأل وحدك . وتُبعث وحدك . وتقف بين يدي الله وحدك . وستعبر الصراط وحدك . فما لك وللناس ؟؟!! " بل الإنسان علي نفسه بصيرة " ، " كل نفس بما كسبت رهينة " ، " وكلهم آتيه يوم القيامة فردا " . جدِّد التوبة ، واصطلح علي مولاك ، واعتذر عما مضي ، وهذا ما نحتاجه جميعا ، فاللهم اجعل هذه الساعة ساعة توبة ، اغفر لنا في هذه الساعة أجمعين ، وهب المسيئين منا للمحسنين ، " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعف عن كثير ".

إذا قال العبد : يارب ، قال الله له : لبيك ، وهو سبحانه أرحم بعبده من الوالدة بولدها ، أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني والبزار والبيهقي في الشعب عن أبي بكر الصديق : سمعت رسول الله يقول : " ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيذكر ذنبه، فيتطهر ثم يصلي ركعتين ، ثم يستغفر الله من ذنبه ذلك إلا غفر الله له . ثم قرأ هذه الآية {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله} إلى آخر الآية . وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال : " قال إبليس: يا رب - وعزتك - لا أزال أغوي بني آدم ما كانت أرواحهم في أجسادهم . فقال الله : وعزتي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ".

أخرج البيهقي عن عقبة بن عامر الجهني أن رجلا قال: " يا رسول الله أحدنا يذنب قال : يُكتب عليه قال : ثم يستغفر منه ويتوب قال : يُغفر له و يُتاب عليه قال : فيعود ويذنب قال : يكتب عليه قال : ثم يستغفر منه ويتوب قال : يغفر له و يتاب عليه قال : فيعود ويذنب قال : يكتب عليه قال : ثم يستغفر منه ويتوب قال : يغفر له و يتاب عليه ، ولا يمل الله حتى تملوا " . وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال : "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة " .

ثانيا : الألفة : المسلم أخوك وله حرمة أعظم من حرمة الكعبة ، فلا وقت للجدال والخصام والمنازعة ، ما نتفق عليه في ديننا أكثر مما نختلف عليه ، فلنجتهد فيما اتفقنا عليه ، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه ، وفي ديننا سعة لتعدد الصواب وليس تعدد الحق ، فالحق واحد لا يتعدد وإنما يمكن الوصول إليه باجتهاد صحيح : " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا " .

عند بدء الهجرة فعل النبي شيئين ليجعل من الأمة نسيجا واحدا وجسدا واحدا وقلبا واحدا :

· أصلح بين الأوس والخزرج وكانت بينهما حروب وعداوات لسنين عديدة .

· آخي بين المهاجرين والأنصار .

وهذه الألفة سر القوة ، وهذا الالتحام سبب العزة والمنعة والتمكين ، وهناك من يريد أن يضرب ألفة الأمة بإثارة الخلاف والعصبية ، وقد حدث في المدينة حينما مر رجل من اليهود فوجد الأوس والخزرج مجتمعين يتحدثون في محبة وألفة ، فساءه اجتماعهم وتآلفهم ، فأرسل رجلا يجلس بينهم ويذكرهم بيوم بعاث – يوم كان بينهم فيه حرب وقتال شديد – فحميت نفوسهم وغضب بعضهم علي بعض ونادوا بشعارهم وطلبوا سلاحهم وتأججت بينهم العصبية وحمية الجاهلية ، وتواعدوا بالحِرَّة بإحدى ضواحي المدينة للمناجزة والاقتتال ، فبلغ ذلك النبي فجاء مسرعا وجعل يسكتهم وقال : " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ وتلا عليهم قول الله تعالي : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءا فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم علي شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " .فسكن القوم ، وبكوا وتعانقوا وألقوا سلاحهم ، وندموا علي ما كان منهم .

* قد يختلف أهل الحق في الرأي ، ولكنهم لا يختلفون في الحق ، لأن الحق واحد لا يتعدد ، وإشاعة الألفة والمحبة فرض واجب ، روي مسلم عن أبي هريرة عن النبي قال : " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم " .

ولن تكون هناك ألفة إذا اجتمعت الأمة علي المصالح أو المال أو الدنيا ، وإنما الألفة نعمة وهبة من الرحمن يمن بها علي الأمة إذا اجتمعت علي طاعة ربها مع تجردها من الأغراض والأهواء وإخلاص النية لله ، أخرج الطبراني عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله : " ليبعثن الله أقواما يوم القيامة في وجوهم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء . فقال أعرابي: يا رسول الله صفهم لنا نعرفهم ؟ قال : هم المتحابون في الله من قبائل شتى وبلاد شتى ، يجتمعون على ذكر الله يذكرونه " . وأخرج ابن جرير وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : " إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء". قيل : من هم يا رسول الله، فلعلنا نحبهم ؟ قال: " هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم من نور ، على منابر من نور ، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس" ؛ وقرأ : {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } " .

وهذا وصف القرآن للصحابة في الكتب السابقة : " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما " .

ولن تراهم رحماء بينهم إلا إذا كانوا ركعا سجدا . وأخرج وأحمد ومسلم وابن حبان عن سعد بن أبي وقاص " أن النبي أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال : " سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة ( أي القحط والجدب ) فأعطانيها ، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها " .

ثالثا : الاستقامة : كل وعد في القرآن أو في السنة يقابله شرط ، فإذا قمنا علي الشرط تحقق الوعد :

· " إن تنصروا الله " -----> هذا شرط ،" ينصركم " -----> هذا وعد .

· " ومن يتق الله " -----> شرط ، " يجعل له مخرجا " -----> وعد .

· " احفظ الله " -----> شرط ، " يحفظك " -----> وعد .

قبل أن نبحث عن النصر نسأل : أين هي الاستقامة والطاعة ونصرة دين الله ؟

قبل أن نبحث عن المخرج من البلايا وسعة الأرزاق نسأل : أين هي التقوى ؟

الموعود لا يتخلف ولا ينفك عن مشروطه ، لأن الذي وعد به صادق ، فهل قمنا علي ما أُمرنا به حتى يحقق الله لنا ما وعدنا به ؟؟ ، " ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من الأرض " ، ولما وقع البلاء من فرعون وجنوده قال موسي لقومه : " استعينوا بالله واصبروا عن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " .

ما هو الدافع وراء الاستقامة ؟ الدوافع وراء الاستقامة هي :

· إيمان قوى يدفع إلي كل بر وطاعة .

· تقوى تحجز النفس عن كل معصية .

· صبر علي المكاره والشدائد .

أثر الإيمان ينضح علي السلوك ، وتري ثمرته في الأخلاق والمعاشرة . فالزوجة تحب زوجها وتحترمه وتطيعه ولا تخونه ولا تبدد أمواله في السراب ولا تهمل أولادها ، ليس لأنها خادمة كما يصورون ليفتتوا الأسرة ، وإنما لأنها راعية في بيت زوجها . والزوج يفهم معني القوامة ، أنها قوامة النفقة والمسئولية والواجب ، لا قوامة القهر والتسلط ، فلا يخون زوجته ولا يضيعها ولا يضيع أولاده ، لأنه مسئول عن أهله أن يقيهم حر نار وقودها الناس والحجارة ، كم من آباء يقون أهليهم وأولادهم الجوع والفقر والمرض ، أليست النار أهم وأوجب ؟؟ " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة " .

الشاب لن يضيع شبابه في الفراغ والضياع ، فهو يُعطي الشباب مرة واحدة ، فيا أيها الشاب الموحد أنت لك عند الله كرامة إذا حفظت شبابك عن الغفلة والهوى ، فلا تنهار ولو رأيت حولك ألوفا من الضائعين ، فمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : " شاب نشأ في عبادة الله " .

رابعا : الدعوة إلي الله : عمل الداعي هو إنقاذ الغرقى من الهلاك ، فالشارد العاصي لا ينعم براحة ولا طمأنينة ، والدعوة رحمة وجهد وسعي مشكور يحبه الله ، ففيه نجاة العباد من الفتن والهلاك : " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " ، وعلَّق الله نجاة الأمم والأقوام بجهد الإصلاح لا بجهد الصلاح ، فقال سبحانه : " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون " . وقيل لعمر : أتوشك أن تهلك القرى وهي عامرة ؟ قال : نعم ، إذا علا فجارها أبرارها.

* لا يأس في قاموس الشريعة :

إنه لا يأس في قاموس هذه الشريعة ، فالله وحده هو الخالق ولا خالق غيره وهو المالك ولا مالك غيره ، والكون كله في قبضته ، وله سبحانه سنن لا تتبدل ولا تتغير ، وهناك يوم تتبدل فيه الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار يقال : لمن الملك اليوم ؟ لله الواحد القهار .

روي أحمد والبخاري في الأدب المفرد عن أنس عن النبي قال : " إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها " . ازرع خيرا حتى لو رأيت الساعة ستقوم ، هناك الأمل والرجاء ، فالعمر سينتهي بالموت أو الشهادة ، وكل عبد يموت علي ما عاش عليه ويُبعث علي ما مات عليه ، فاللهم ارزقنا قبل الموت توبة نصوحا .

روي الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي أمية الشعباني قال " أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية ؟ قال : أية آية؟ قال : قوله {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قال : أما والله لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول الله قال : " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر. حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر العوام ، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم " ورواه الترمذي عن أنس بلفظ : " يَأتي على النَّاسِ زمانٌ الصَّابرُ فيهم على دينِهِ كالقَابضِ على الجمرِ " .

العين أمانة . والأذن أمانة . والعقل أمانة . والمال أمانة . واللسان أمانة . والوقت أمانة . فانظر كيف تصنع بهذه الأمانات ؟ هذه الودائع والأمانات من صاحبها ؟ مالكها هو الله ، وقد استخلفنا فيها ، وهي مردودة إلى صاحبها يوم القيامة . عيني . عقلي . لساني . حتى دموعي أمانة . عمر يبكي حينما رأي عابدا كبيرا في السن عندما ذهب ليتسلم مفاتيح بيت المقدس ، فسألوه : لم تبكي ؟ قال : تذكرت قول الله تعالي : " وجوه يومئذ خاشعة . عاملة ناصبة . تصلي نارا حامية " .

* خلاصة القول في الأحداث :

إن الظلم إذا بلغ مداه ، ودعوات المظلومين التي لم تذهب سدى ، أكبر دليل وبرهان على أنه مهما أمهل الله للظالم فليس هذا إهمالا ولا نسيانا ، ولكنها حكمة الله ليميز الخبيث من الطيب ، وزوال الظلم اختبار للناس ماذا سيفعلون بعد زوال الغمة ؟ وكيف سيشكرون هذه النعمة ؟ هل سيستقيمون ويطيعون ويقبلون حتى يحفظ الله عليهم النعمة ؟ أم سيتغافلون ويهملون وينسون نعمة الله فيخرجوا من ظلم وقع عليهم لهم فيه أجر إلى ظلم أنفسهم بالمعاصي والذي فيه عليهم إثم وذنب ووزر ؟

الأيام هي التي ستصدق هذا وتخبر عن مكنونات الصدور .

   طباعة 
6 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 9 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net