:: الأخبار ::

:: الجديد ::

الأدب مع العلماء .

::: عرض المقالة :::

الأدب مع العلماء .
5968 زائر
20-03-2011
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

الأدب مع العلماء .

لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي


إن الحمد لله وحده . والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .

* أهمية العلم :

العلماء ورثة الأنبياء وهم مصابيح الهدى التي يستضيء الناس بنور علمهم في ظلمة الحياة ، ولولا العلماء لضاعت الحقوق ، وماتت القلوب ، واحترق الأخضر واليابس ، فليس بالطعام وحده ولا بالمال وحده يحيا الإنسان ، فالعلم يبني عقل الإنسان وقلب الإنسان ، والإنسان قبل البنيان .

لو عمرنا الأرض كلها وزيناها وجملناها ولكن ذلك على حساب هدم الإنسان وخراب قلبه وفساد نفسه وشتات عقله وظلمة روحه ، فما قيمة المتاع العريض بغير إنسان صالح تقي يعرف ربه ويحب نبيه ويلتزم شرعه ويرعى حقوق من حوله ؟؟!!

كلنا يعلم أن أول ما نزل من القرآن الكريم أن أمر الله تعالى نبيه بالقراءة : " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ .

ثم أقسم في ثاني سورة بالكتابة وأدواتها : " ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ " ، وفي الحث على التعلم كقوله تعالى : " فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ " . وفي تكريم العلماء كقوله جلّ وعلا : " قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ".
وتمت معجزة الإسلام بالقضاء على ظلام الجهل والخرافة والأمية، ونشر العلم والحكمة والحضارة والمعرفة في أرجاء الأرض . وليس هناك من دين سماوي أو ملة أو شريعة حض على العلم وقدسه وأمر بتحصيله وتحكيمه في كل ميادين الحياة كما فعل الإسلام .
ففي وقت كان العلم محظورا على عوام الناس ، ومقصورا على طبقة الأشراف والنبلاء ، لم يبح الإسلام العلم وإنما جعله فريضة على جميع معتنقيه ، قال
: طلب العلم فريضة على كل مسلم رواه ابن ماجه وغيره عن أنس . وجعل العلم طريقا الى الجنة فقال : " من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا الى الجنة " رواه مسلم ، وجعل طالبه حبيب الملائكة الذين يقومون بتأييده ومعونته، قال : " إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يصنع " رواه أبو داود عن أبي الدرداء ، وجعل طلبه جهادا في سبيل الله فقال : " من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع " رواه الترمذي عن أنس ، وأجره كأجر من ظفر بحجة تامة فقال : " من غدا الى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاجّ تاما حجّته " رواه الطبراني عن أبي أمامة وصححه الألباني صحيح الترغيب رقم : 86 .

وجعل أثره بعد موت صاحبه عملا مستمرا له وأجرا باقيا وثوابا جاريا في صحيفته فقال : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " رواه مسلم عن أبي هريرة .

* درس جبريل في أدب المتعلم :

روى الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب قال : بينما نحن عند رسول الله ذات يوم , إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب , شديد سواد الشعر , لا يُرى عليه أثر السفر , ولا يعرفه منا أحد , حتى جلس إلى النبي , فأسند ركبتيه إلى ركبتيه , ووضع كفيه على فخذيه , وقال : يا محمد , أخبرني عن الإسلام ؟ فقال رسول الله : ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , وتقيم الصلاة , وتؤتي الزكاة , وتصوم رمضان , وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) . قال : صدقتَ , قال : فعجبنا له يسأله ويصدقه . قال : فأخبرني عن الإيمان ؟ قال : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر , وتؤمن بالقدر خيره وشره ) . قال : صدقت .قال فأخبرني عن الإحسان ؟ قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) .قال : فأخبرني عن الساعة ؟ قال : ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل ) قال : فأخبرني عن أمارتها ؟ قال : ( أن تلد الأمة ربَّتها , وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاءَ الشاء يتطاولون في البنيان ). قال : ثم انطلق , فلبثتُ ملِيَّا , ثم قال لي : ( يا عمر , أتدري من السائل ؟ ) .قلت : الله ورسوله أعلم .قال : ( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) . فهذا الحديث قد اشتمل على بيان أصول الدين وقواعده ، ولهذا قال في آخره ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) , فجعل مضامين هذا الحديث بمنزلة الدين كله .

* آداب طالب العلم من حديث جبريل :

1- جلس على ركبتيه وهذه جلسة المتعلم المتأدب بين يدي العالم .

2- تصديقه فيما يخبر به وليس الجدال معه وتكذيبه والتشكيك فيما يقوله .

3- السفر في طلب العلم والتغرب من أجل تحصيله .

4- لبس أفضل الثياب عند حضور مجالس العلم والتطيب والسواك لأنها مجالس تحضرها الملائكة .

5- السؤال عما ينفع ويفيد ، وهذا تعليم للأمة كيف تسال في دينها بعيدا عن سفاسف الأمور أو الأشياء التي لا ينبني عليها عمل وتضيع الوقت والعمر في جدل عقيم وسفسطة فارغة .


* آداب المتعلم مع العلماء :

1-التواضع للمعلم ولو كان أصغر سنا، إذا ليس من الذل المكروه أن يتذلل طالب العلم لمعلمه . قال ابن عباس : ما ذللت طالبا ، فعززت مطلوبا . وقال شعبة : كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبدا ما حييت .
2- احترام العالم وتقديره وإكرامه، والنظر إليه بعين الإكبار والإجلال والتعظيم .
قال الشافعي: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحا رقيقا هيبة لئلا يسمع وقعها.
وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
قال: قال رسول الله : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا" رواه أبو داود والترمذي.
وعن عائشة
قالت: أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم. رواه مسلم.
3- توقير لعالم عند دخوله ، وتقبيل يده احتراما ومحبة وتقديرا . قال الله تعالى : " ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) " الحج . وعن الوازع بن عامر قال : قدمنا ، فقيل : ذلك رسول الله : فأخذنا بيده ورجليه نقبلهما. رواه البخاري .
وعن ابن جدعان قال ثابت لأنس
: أمسست النبي بيدك ؟ قال نعم. فقبّلها. رواه البخاري.
وعن عائشة
قالت: ما رأيت أحد أشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله من فاطمة فكانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته مجلسها. رواه أصحاب السنن.
وعن أبي سعيد
أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ فأرسل إليه النبي فجاء ، فقال: قوموا الى سيدكم وذكر الحديث رواه الشيخان وأبو داود.
4- التأدب في مجلس العالم بجلسته وكلامه، وحسن استماعه وسؤاله. قال الحسن لابنه: يا بني إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول.
5- تجنب الانصراف، ومغادرة مجلس العلم إلا بإذن من المعلم، فإذا أذن له فليستغفر الله لأن الأولى أن لا يغادر مجلس العلم قبل انتهائه.
قال تعالى : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " .
6- الاستئذان في الصحبة، وطلب العلم من المعلم. وطاعته في كل ما يأمره به.
قال الله تعالى : " قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً . قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً . قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً " .
7- القيام بحقوق المعلم على أكمل وجه، وقد جمعها الكثير من السلف الصالح نختار منها ما يلي :

* قال الإمام علي : من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيديك، ولا تغمز بعينك غيره، ولا تقولن قال فلان خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره لله تعالى ، وإن كانت له حاجة سبقت القوم الى خدمته ، ولا تسارر أحدا في مجلسه ، ولا تأخذ بثوبه ، ولا تلح عليه إذا ملّ ، ولا تشبع من طول صحبته ، فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء .


* وقال علي بن الحسن : ما حق أستاذك عليك ، التعظيم له، والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه، وأن لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحدا يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدث في مجلسه أحدا، وأن تدفع عنه إذا ذكره أحد عندك بسوء وأن تظهر مناقبه، ولا تجالس عدوه، ولا تعادي وليه، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بأنك قصدته وتعلمت علمه لله عز وجل لا للناس .


* وقال الإمام الغزالي : آداب المتعلم مع العالم أن يبدأه بالتحية والسلام، وأن يقل بين يديه الكلام، ويقوم له إذا قام، ولا يتكلم ما لم يسأل، ولا يسأل أولا ما لم يستأذن، ولا يعارض كلامه، ولا يشير عليه بخلاف رأيه، ولا يشاور جليسه في مجلسه، ولا يضحك عند مخاطبته، ولا يكثر الالتفات بحضرته، بل يجلس مطرقا ساكنا كأنه في الصلاة، ولا يستفهمه عن مسألة في طريقه، ولا يتبعه بكلامه وسؤاله، ولا يسيء الظن في أفعال ظاهرها منكرة له فهو أعلم بأسراره، وليذكر عند ذلك قول موسى للخضر عليهما السلام: ( أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا) وكونه مخطئا في إنكاره واعتراضه اعتمادا على ظاهره .


* وقال بعض العلماء : من حق أستاذك عليك أن تتواضع له وتحبه ، ولا تخرج عن رأيه وتوجيهه، وأن تشاوره فيما تقصده، وتتحرى رضاه فيما يعتمده، وتنظر إليه بعين الإجلال، وأن تعرف حقه، ولا تنسى له فضله، وتحضر الى درسه قبل أن يأتي، ولا تتنقل أثناء درسه، ولا تتقدم في السير عليه، وأن تدعو له مدة حياته، وأن تصبر على صحبته، وتجلس بين يديه بسكون وتواضع واحترام، وأن تصغي إليه، وتنظر إليه مقبلا بكليتك عليه، غير ملتفت عنه، وأن لا تعبث بيديك أو رجليك أو أنفك أو دفترك أثناء كلامه، وأن تدفع الضحك والقهقهة والتثاؤب في حضرته، وأن تستأذن للدخول عليه وللانصراف من عنده، وأن تدخل عليه كامل الهيئة، متطهر البدن، نظيف الثياب، فارغا من الشواغل، حاضر القلب بذكر الله عز وجل وإرادة وجهه. وقال الإمام الشافعي :

أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ***** ولن تكرم النفس التي لا تهينها
وقال شوقي:

قم للمعلم وفه التبجيلا ***** كاد المعلم أن يكون رسولا
أرأيت أعظم أو أجلّ من الذي ***** يبني وينشئ أنفسا وعقولا


* أمثلة من الأدب مع العلماء :

1- هذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، مع جلالته وقرابته للمصطفى ، يأخذ بركاب زيد بن ثابت ، ويقول: "هكذا أُمِرْنا أن نفعل بعلمائنا"، فيقبَّل زيد يد ابن عباس، ويقول: "هكذا أُمِرنا أن نفعل بآل بيت نبينا".
2- روي عن أبى حنيفة أنَّه قال : "ما مددت رجلي نحو دار أستاذي حمَّاد إجلالاً له، وكان بين داري وداره سبع سكك، وما صليت صلاةً منذ مات حمَّاد إلا استغفرت له مع والديَّ، وإنِّي لأستغفر لمن تعلَّمت منه أو علَّمني علمًا.
3- وقال أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة وصاحبه: إنِّي لأدعو لأبي حنيفة قبل أبَوَيَّ.
4- كان مالك يقول: الليث بن سعد أفقه أهل الأرض ، لولا أنَّ أصحابه ضيَّعوه . أي ضيَّعوا فقهه.
5- ورد عن الشافعي قوله: كنت أتصفح الورقة بين يدي مالك برفق ، لئلا يسمع وقعها .
6- قال الربيع تلميذ الشافعي : والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر.
7- قال أحمد بن حنبل : ما بتُّ منذ ثلاثين سنةً إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له
8- قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : قلت لأبي: أي رجلٍ كان الشافعي؟ فإنِّي سمعتك تكثر من الدعاء له، فقال : يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا، والعافية للناس، فانظر هل لهذين من خَلَف، أو عنهما من عِوَض.
9- قال يحيى بن معين: والله ما تحت أديم السماء أفقه من أحمد بن حنبل، ليس له في شرقٍ ولا غربٍ مثل.

10- قال الشافعي: ما خلَّفت ببغداد أفقه ولا أورع ولا أعلم من أحمد.
11- من ألطف ما يُروى ما ورد من أنَّ مجموعةً من أصحاب الإمام الشافعيِّ قالوا له: نراك تكثر التزاور مع أحمد ، فقال:


قالوا يزورك أحمد وتزوره = قلتُ الفضـائلُ لا تفارق مَنزِلَهْ
إنْ زارني فبفضلِهِ أو زرته فلفضلِه = فالفضلُ في الحالَين لَهْ

* أقوالهم في أهمية الأدب قبل العلم :

قال عبد الله بن المبارك : ( طلبت الأدب ثلاثين سنة , وطلبت العلم عشرين سنة , وكانوا يطلبون الأدب قبل العلم ) . وقال : ( كاد الأدب يكون ثلثي العلم ) .
ويقول بعض السلف: نحن إلى قليل من الأدَب أحوجُ منا إلى كثيرٍ من العلم .

ويقول عبد الله بن وهب : ما تعلَّمنا من أدبِ مالكٍ أكثرُ مما تعلّمنا من علمه .

وفي الزهد لابن المبارك : عن الحسن البصري : ( كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشّعه وهديه ولسانه ويده ) .
وقال أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري : (كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا ويتعبدوا عشرين سنة).
و قال محمد بن سيرين (كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم).وقال الحسن: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين.

وعن أبي زكريا يحيى بن محمد العنبري قال (علم بلا أدب كنار بلا حطب ، وأدب بلا علم كجسم بلا روح).
وقال الليث بن سعد : ( وقد أشرف على أصحاب الحديث فرأى منهم شيئا فقال : ما هذا ؟ أنتم إلى يسير من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم ) .

ولقد طبق سلفنا الصالح رضوان الله عليهم ذلك عملياً , فلقد حرصوا على أن يتعلم أولادهم الأدب قبل العلم , قال مالك بن أنس : كانت أمي تجهز عمامتي وأنا صغير قبل ذهابي لحلق العلم، فتقول: يا مالك خذ من شيخك الأدب قبل العلم!.

وحينما جلس الإمام الشافعي وهو غلام صغير في مجلس الإمام مالك بالمدينة المنورة، وكان الإمام مالك يقرأ في درسـه أحاديث الرسول في مسجده، وكانت عادته إذا ذكر الحديث أن يقول : عن فلان، عن فلان ، عن صاحب هذا المقام ، ثم يشير إلى قبر الرسول . فرأى وهو يشير إلى القبر الشافعي يعبث بثمرة من الحصير؛ بعد أن بلها بريقه فوق يده! فحزن الإمام مالك، ثم انتظر حتى أنهى درسه الذي قرأ فيه أربعين حديثًا، ثم ناداه، فأقبل وجلس بين يديه، فعاتبه قائلاً: لماذا كنت تعبث أثناء تلاوة حديث رسول الله ؟ فقال: يا سيدي! ما كنتُ أعبث ولكني كنتُ أسجل بريقي ما تقول حتى لا أنسى؛ لأنني فقير، ولا أملك الدرهم الذي أشتري به القرطاس والقلم .
فتعجب الإمام مالك، وقال له: إذا كنتَ صادقًا فاقرأ ولو حديثًا واحدًا من الأربعين التي قرأتُها في درس الليلة. فجلس الشافعي كما كان يجلس أستاذه الإمام، وقال: عن فلان ، عن فلان ، عن صاحب هذا المقام ؛ وأشار إليه كما أشار الإمام، ثم قرأ الأربعـين حديثًا. فأعجب الإمام مالك بذكائه، وقال له: إني أرى الله قد ألقى في قلبك نورًا، فلا تُطفئه بظُلمة المعاصي .


وفي يوم رأى الإمام الشافعي أن ذكاءه لم يعد في الدرجة التي كان عليها من قبل، فذهب إلى أستاذه الإمام وكيع ، وشكا له سوء حفظه ، وقد أشار إلى هذا بقوله :

شكوتُ إلى وكيعٍ سُوءَ حِفظي * * * فأرشــدني إلى تــركِ الـمعـاصي
وأخـبـرني بـأنَّ العلـمَ نـورٌ
* * * ونــورُ اللهِ لا يُــهــدَى لـعــاصي

فالتعلم قبل التأدب قد يقود المرء إلى الغرور والعجب والكبر وهي ليست بأخلاق أهل العلم .

   طباعة 
1 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 4 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net