:: الأخبار ::

الأمل ( خطب مسموعة ) => خطب جمعة صوتية ? 453 كتاب الطب - ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء وهل يداوي الرجل المرأة والعكس والدواء بالعسل وألبان الإبل وأبوالها - شرح صحي => سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري ? 454 - فضل الحبة السوداء والتلبينة وجواز الحجامة والنهي عن الكي إلا لضرورة - شرح صحيح البخاري. => سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري ? الجمال في الإسلام ( خطب مسموعة ) => خطب جمعة صوتية ? الغضب - أنواعه وأسبابه وعلاجه => دروس المساجد ? صور إجابة الدعاء => مواعظ قصيرة من دروس المساجد ? صور إجابة الدعاء => دروس المساجد ? شرح الآية (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وسبب نزولها وتصحيح مفاهيم خاطئة حولها => دروس المساجد ? التفكر والتدبر في نعمة الطعام => دروس المساجد ? أخلاق التجار => دروس المساجد ?

:: الجديد ::

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

كيف نحب الرسول صلى الله عليه وسلم ؟

::: المقالة :::

كيف نحب الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
9038 زائر
20-03-2011
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

كيف نحب الرسول صلى الله عليه وسلم ؟

لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

إن الحمد لله وحده . والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .

* حينما فتحت الطائف وأسلمت ثقيف جاء وفدهم إلي المدينة المنورة ، فنزلوا المسجد ليكون أرق لقلوبهم ، وكان في الوفد رجل سأل النبي فقال له : أليس لكل نبي دعوة مستجابة ؟ قال : نعم ، قال : فلماذا لم تدع ربك يعطيك ملكا كملك سليمان ؟ فتبسم وقال : " لكل نبي دعوة مستجابة فمنهم من تعجلها في الدنيا ومنهم من دعا علي قومه ، وإنني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة " رواه البغوي في شرح السنة والحاكم عن عبد الرحمن بن أبي عقيل .

* إذا كانت النعم تحتاج إلي الشكر والحمد لتحفظ من الزوال ، فكم يكون حمدنا وشكرنا لله علي نعمة رسول الله ؟؟ النعمة المسداة . والرحمة المهداة . حبيب الرحمن . وصفيه من خلقه وخليله ، فهذه النعمة هي التي فتحت أبواب النعم الباقية ، فلولا رسول الله ما عرفنا الله حق معرفته ، فهو الذي دلنا علي الله ، وأخرجنا الله به من الضلالة إلي الهداية ، ومن الظلمات إلى النور ، ولذلك محبته فرض واجب . والمحبة لها في حياة الناس صور ثلاثة :

· محبة رعاية وإشفاق : مثل محبة الوالدين للأبناء .

· محبة تعظيم وإجلال : مثل محبة الأبناء للآباء .

· محبة تقليد واتباع : مثل محبة الناس بعضهم لبعض لصفة من الصفات كالقوة ، والعلم ، والغني .

ولذلك جاء الحديث يؤكد علي أن حقيقة الإيمان لا تستقر في القلوب إلا إذا جمعت هذه الشُعَب الثلاثة ، روى البخاري ومسلم عن أنس أن النبي قال : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين " .

وعندنا هنا سؤالين :

الأول : لماذا نحبه ؟ وما هي الأسباب الدافعة إلي حبه ؟

الثاني : كيف نحبه ؟

أولا : الأسباب الدافعة لحبه شرعية وفطرية :

1- نحبه لأننا نحب الله ، ومن يحب الله يحب من يأتيه من عند الله ، وعلاقتنا بالله هي علاقة حب ، فالله خالقنا ومالكنا ورازقنا وولي نعمتنا ، وحبنا لله يزداد بحب من أرسله إلينا ليدلنا عليه سبحانه ، ويبين لنا ما يحبه ويرضاه : " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم " .

2- نحبه لأن الله هدانا به إلي الإسلام ، ولولا ما تحمله من شدة وإيذاء وجوع ومشقة وطرد وابتلاء لإيصال الحق إلي الخلق ، لما كانت هناك في الأرض رحمة ، ولكانت الحياة غابة موحشة لا خير فيها ولا بر ولا معروف ، ما نراه من مساجد ، وما نسمعه من قرآن ، وما نلمسه من بر وإحسان ومعروف ، هذا كله نتاج هذا الدين العظيم ، تخيلوا لولا الإسلام كيف كنا سنكون ؟؟ " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " ، روى مسلم وأبو داود عن جابر أنه لما نزلت هذه الآية في حجة الوداع قال : " يأيها الناس إنكم مسئولون عني بين يدي الله فماذا أنتم قائلون ؟ " ، قالوا : نشهد أنك بلغت الأمانة ، فرفع يده إلي السماء وقال : اللهم اشهد " .

3- نحبه لأخلاقه وصفاته وشمائله ، فما نسمعه من سيرته ورحمته وعطفه وحنانه وحلمه وصبره وسعة صدره لا تري له مثيلا في البشرية من قبل ولا من بعد ، ويكفيه مدح الله له بقوله : " وإنك لعلي خلق عظيم " .

إن المشاهد من حياته كلها منيرة متلألئة ، وهذا مشهد الوفاء والنظر إلي مشاعر الناس بالحب والاحترام ، [ بعد فتح مكة وغزوة حنين ، غنم النبي غنائم كثيرة ، فأعطاها كلها للمهاجرين وبعض المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار منها شيئا قط لا شاة ولا بعير ، فغضبوا وقال بعضهم لبعض : نسينا حينما لقي قومه ، فلما علم النبي بمقالتهم قال لسعد بن عبادة : اجمعهم لي ولا يجتمع معهم غيرهم ، فلما اجتمعوا جاءهم فقال لهم : قلتم كذا وكذا، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى قال: ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي ؟ قالوا : بلى ، قال : ألم أجدكم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي ؟ قالوا : بلى ، قال : أما إنكم لو شئتم قلتم قد جئتنا مخذولا فنصرناك ؟ قالوا : الله ورسوله أمَنُّ، قال : لو شئتم قلتم جئتنا طريدا فآويناك ؟ قالوا : الله ورسوله أمَنُّ قال: ولو شئتم قلتم جئتنا عائلا فواسيناك ؟ قالوا : الله ورسوله أمَنُّ قال: أفلا ترضون أن ينقلب الناس بالشاء والبعير وتنقلبون برسول الله إلى دياركم ، قالوا : بلى ...

وفي رواية : " يا معشر الأنصار! مقالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم ، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ قالوا : بلى ، قال : ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ أما والله ! لو شئتم لقلتم فصدقتم : أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك ، وعائلا فواسيناك ، أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم ؟ فو الذي نفس محمد بيده ! لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار " فغطي القوم جميعا في البكاء ].

وبعد فتح مكة أبي أن يستقر فيها رغم أنها أحب البلاد إلي الله وأحب البلاد إليه ، وبها كان مولده وأيام شبابه و صباه ، ولكنه رجع مع الأنصار ليستكمل بقية أيام عمره المباركة ، وليكون مماته في بلد الأنصار بالمدينة المنورة .

4- نحبه لأنه يحب الأمة ويبادلها حبا بحب ، ويكفي أنه لم ينس أمته في الدنيا ولا ينساها يوم القيامة :

· أ. يعلم أن في أمته فقراء لا يستطيعون تقديم الأضحية في يوم عيد الأضحى لإحياء هذه السنة المباركة ، فماذا فعل ؟ عندما أراد أن يضحي قدم كبشين أملحين أقرنين ، فقرب أحدهما وقال : بسم الله والله أكبر اللهم هذا عن محمد وآل محمد ، وقرب الثاني وقال : بسم الله والله أكبر اللهم هذا عمن لم يضح من أمتي " رواه أبو داود عن جابر .

ب. يقول أبو هريرة أن النبي أتي المقبرة فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أنا قد أرينا إخواننا ! قالوا : أو لسنا إخوانك ؟ قال: بل أنتم أصحابي ، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ، قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك ؟ قال: أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله ؟ قالوا : بلى ، قال : فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء ، وأنا فرطهم على الحوض " . رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة . إنه يبدي شوقه إلي من لم يره من أمته ويبشرهم أنه في انتظارهم علي الحوض ليسقيهم من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا يظمئوا بعدها أبدا .

· ج. أراد أن يبين لأصحابه فضيلة الصابرين علي الحق من القابضين علي الجمر من أمته الذين سيأتون في آخر الزمان حينما تشتد الفتن فقال : " وإن من ورائكم أيام الصبر ، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم قال: لا بل أجر خمسين منكم " رواه أبو داود والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني . وفي رواية : " إن من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم، للمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه أجر خمسين منكم" قيل: بل منهم يا رسول الله. قال: "لا بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون عليه أعوانا " .

· د. قال أنس : سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة، فقال أنا فاعل. قلت يا رسول اللّه فأين أطلبك ؟ قال : اطلبني أول ما تطلبني على الصراط، قلت : فإن لم ألقك على الصراط ؟ قال : فاطلبني عند الميزان ، قلت : فإن لم ألقاك عن عند الميزان ؟ قال : فاطلبني عند الحوض ، فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن " رواه الترمذي وحسنه والبيهقي .

· ثانيا : كيف نحبه صلي الله عليه وسلم ؟؟

1- الإنسان لا يحب من لا يعرفه ، فالسبب الأول لحبه أن نعرف من هو ؟ وكم تحمل من تضحية ؟ وكم سالت دموعه وعرقه ودماؤه وهو لا يبتغي بذلك في الحياة الدنيا مغنما ولا راحة ، إنما غاية رغبته أن ينغمس الناس جميعا في رحمة الله الواسعة ، وأن ينعموا بأنوار وبركات هذا الدين العظيم ، إنه الذي علَّم البشرية لغة العقل والحوار ، وأنقذ المرأة من الذل والهوان والسخرية ، وفجر طاقات العلم والإبداع والفكر في كل ميادين المعرفة ، حتى خرج قادة للبشرية في جميع علومها من هذه الأمة المرحومة القائدة الراشدة .

2- ومن عرف النبي من سيرته فأحبه وجب عليه اتباعه في الصورة والسيرة والسريرة ، في : أخلاقه . وفهمه . و فكره . و همه . و صلاته . و بكائه . و تهجده . و معاشراته . و معاملاته . وكرمه وجوده وسخائه . وفي رقة قلبه وعطفه وحنانه .

يكفي أن كل من رآه أحبه . ومن نظر في وجهه هابه وعلم أنه ليس بوجه كاذب .

3- ومن يحبه ينوب عنه في إيصال الأمانة إلى البشرية والدعوة إلي دينه ، فالإسلام أمانة والسُنَّة أمانة والقرآن أمانة ، وهو قد حَمَّل الأمانة لأمته من بعده حينما قال في حجة الوداع : " بلغوا عني ولو آية " رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو ، وقال : " فليبلغ الشاهد منكم الغائب " رواه البخاري وأحمد عن ابن عباس .

* لقد كان الحبيب يتألف الناس ويذكر لكل قوم صفة طيبة يتألف بها قلوبهم :

· 1- فمدح أهل فلسطين ومن هم بأكناف بيت المقدس فقال : " لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك قالوا : يا رسول الله وأين هم ؟ قال : ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس " رواه ابن جرير عن أبي أمامة .

· 2- ومدح أهل اليمن فقال : " أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا الإيمان يمان والحكمة يمانية " . رواه البخاري عن أبي هريرة ، وقال : " ويوشك أن يأتوكم أنصارا أعوانا فآمركم بهم خيرا " رواه الطبراني عن عبد الله بن عمرو .

· 3- ومدح أهل مصر فقال : " إذا فُتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما " رواه الطبراني والحاكم عن كعب بن مالك .

· 5- ومدح أهل الهند و الباكستان والبنغال وبلاد ما وراء النهرين من أهل الحق عندما نزلت هذه الآية : " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " قالوا : يا رسول الله : من هؤلاء الذين إذا تولينا استبدلوا بنا ؟ - وسلمان إلى جنبه - فقال : هذا وقومه " رواه الترمذي والطبراني وعبد الرزاق عن أبي هريرة .

· 6- ومدح كل من لم يره من أمته أينما كانت أرضه وبلاده حينما قال لأصحابه في صبيحة يوم : " يأيها الناس من أعجب إيمانا ؟ قالوا : الملائكة ، قال : " وكيف لا تؤمن الملائكة وهم يعاينون الأمر ؟ ". قالوا: فالنبيون يا رسول الله. قال: "وكيف لا يؤمن النبيون والوحي ينزل عليهم من السماء". قالوا: فأصحابك يا رسول الله. قال: "وكيف لا يؤمن أصحابي وهم يرون ما يرون، ولكن أعجب الناس إيماناً قوم يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني، أولئك إخواني " رواه الطبراني عن ابن عباس .

لذلك لا عجب حينما تري البشرية كلها من القارات الخمس مع اختلاف ألوانهم ولغاتهم ومشاربهم وهم يتزاحمون في مسجده بالمدينة المنورة للسلام عليه ، وتري هذا الحب العجيب من الرجال والنساء والصغار والكبار عندما يقفون جميعا في لهفة وشوق وحب وأدب واعتراف بالجميل ، وكلهم يقول :

السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، نشهد أنك بلغت الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، وكشف الله بك الغمة ، ونحن علي ذلك من الشاهدين .

* روى الحاكم بنحوه عن عائشة قالت لما رأيت من النبي طيب نفس قلت: يا رسول الله ادع الله لي ، قال : " اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر وما أسرت وما أعلنت" ، فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك ، فقال رسول الله : " أيسرك دعائي ؟ ". فقالت : وما لي لا يسرني دعاؤك ؟! فقال : " والله إنها لدعوتي لأمتي في كل صلاة " وحسنه الألباني .

هذا حب المصطفي لأمته ، فكيف تبادله الأمة حبا بحب ؟ لقد ترك لنا سنته وهديه وسيرته لتكون منهج حياة لأمته ، وكمال الحب في كمال المتابعة ، " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " ، فما هو الواجب علي أحبابه وأتباعه ؟

أولا : أن يتعلموا سنته ويحييوها في الأمة ، روى أحمد والترمذي عن ابن مسعود عن النبي قال : " نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع " . فالعلم أول طريق العمل والتطبيق ، ومن جهل شيئا فكيف يقوم به ويدعو إليه ؟؟

ثانيا : دعوة الناس إلي إحياء سنته وحسن اتباعها ، فكل سنة نحييها نور يضيئ حياتنا ، وطاعة ترضي ربنا ، فالحياة المباركة المحبوبة عند الله هي حياة نبيه ومصطفاه .

روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، قيل: ومن يأبى يا رَسُول اللَّهِ؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى " .

* أما عن حب أصحابه له :

فكانوا يفدونه بأنفسهم وأمهاتهم وآبائهم ، لما وقع خبيب بن عدي في الأسر وخرجت به قريش إلي بطحاء مكة ليقتلوه ، فلما صلبوه علي جذوع النخل قال له أبو سفيان – وكان يومها مشركا - : يا خبيب أتحب أنك معافى في أهلك وولدك ومحمد مكانك ؟ فقال : لا والله ما أحب أني بين أهلي سليم معافى ويصاب رسول الله بشوكة يشاكها في قدمه !! عندها قال أبو سفيان : ما رأيت أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا .

وقال ابن عباس : أن رجلا أتى النبي فقال يا رسول الله : إني لأحبك حتى إني لأذكرك فلولا أني أجئ فأنظر إليك ظننت أن نفسي تخرج فأذكر أني إن دخلت الجنة صرت دونك في المنزلة فشق ذلك علي وأحب أن أكون معك في الدرجة فلم يرد رسول الله شيئا فأنزل الله عز وجل : "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " فدعاه رسول الله فتلاها عليه ، فما فرح الصحابة فرحا أشد من فرحهم بنزول هذه الآية .

وهذا خادمه ربيعة بن كعب الأسلمي يقول : كنت أبيت مع رسول الله فأتيته بوضوئه وحاجته. فقال لي "سل" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال " أو غير ذلك ؟ " قلت : هو ذاك . قال : " فأعني على نفسك بكثرة السجود " . هذا هو حب المتابعة وحسن التأسي والقدوة رجاء الصحبة في الفردوس الأعلى من الجنة .

* كم مرة قال له أصحابه : فداك أبي وأمي يا رسول الله ؟؟ وفي غزوة أحد كان تنهال عليه السهام من كل جانب وحفروا له حفرة وقع فيها حتى كسرت رباعيته وشج وجهه الشريف وسالت دماؤه الطاهرة وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم ؟ وهذا أبو طلحة وظهره قد امتلأ سهاما وجعل نفسه كالترس يتقي كل سهم بجسده ليفدي نبيه ويحرك عنقه ورأسه هنا وهنا يقول : نحري دون نحرك يا رسول الله . نفسي دون نفسك يا رسول الله . أي حب هذا كان في صدور القوم ؟ وأي حب ما زال حيا في صدور أتباعه ولم يروه ويتمني أحدهم لو يفتدي بأهله وماله ليراه ولو مرة واحدة . والله هو أهل لهذا الحب : أليس هو الذي دلنا علي الله ودعانا إلي الحق وأخرجنا الله به من الظلمات إلي النور ولولا صبره وتضحيته ما كنا نجلس الآن في مسجد نسمع الأذان ونسمع كلام الحق ونعبد الله الواحد الأحد ، فالحمد لله علي نعمة رسول الله .

* " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا "، لا يعلم نبي أحب أمته كما أحب النبي هذه الأمة ، وكان النبي معلما ومربيا ، وحقيقة حب الأمة لنبيها لا يدل علي صدقه إلا حسن المتابعة له في عباداته ومعاشراته ومعاملاته وأخلاقه ، " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم " ، هكذا فهم الصحابة وهكذا أحبوا نبيهم حتى صار أحب إليهم من نفوسهم وأموالهم وأولادهم ويفتدونه بآبائهم وأمهاتهم وما يملكون من دنياهم .

الإنسان لا يحب من لا يعرفه ، فالسبب الأول لحبه أن نعرف من هو ؟ وكم تحمل من تضحية ؟ وكم سالت دموعه وعرقه ودماؤه وهو لا يبتغي بذلك في الحياة الدنيا مغنما ولا راحة ، إنما غاية رغبته أن ينغمس الناس جميعا في رحمة الله الواسعة ، وأن ينعموا بأنوار وبركات هذا الدين العظيم ، الذي علّم البشرية لغة العقل والحوار ، وأنقذ المرأة من الذل والهوان والسخرية ، وفجر طاقات العلم والإبداع والفكر في كل ميادين المعرفة حتى خرج قادة للبشرية في جميع علومها من هذه الأمة المرحومة القائدة الراشدة ، أليس هو القائل : " العلماء ورثة الأنبياء " .

* وعندما تأتي الوفود من مشارق الأرض ومغاربها للصلاة في مسجده ثم تعرج للسلام عليه كبارا وصغارا رجالا ونساءا كلهم يقف أمام قبره ويقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، نشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في سبيل دينك حتى أتاك اليقين .

ولله در القائل :

أحــزان قلبي لا تــزول * حــتى أُبشـر بالقبــول

وأرى كــتابي باليمـين * وتُســر عيني بالرســول

* الوفاء مع رسول الله :

بحبه وتعلم سيرته وأخلاقه والاقتداء بسنته وهديه وكثرة الصلاة عليه . يقول النبي يوم أحد من يدفعهم عنى وله الجنة فيأتي عمارة بن يزيد بن السكن أحد الأنصار ويظل يدافع ويدافع عن رسول الله حتى يسقط شهيداً على الأرض , فيقول النبي : ضعوا خده على قدمي - أي لا تضعوه فى التراب - ثم يرفع النبي رأسه إلى السماء ويقول : اللهم أنى أشهدك أنه قد وفى . هل وفيت مع رسول الله مثلما وفى عمارة بن يزيد ؟ هل عمرت مسجدا هل تعلمت سورة من كتاب الله هل دعوت أحدا إلي الله ماذا فعلت لدينك وهل وفيت بعهدك مع رسول الله أن تحمل همه ودينه وتنشر هديه وسنته أليس هو القائل في حجة الوداع " بلغوا عني ولو آية " ، وقال : " فليبلغ الشاهد منكم الغائب " . حقا . إن تعلم السيرة سبب للمحبة .

   طباعة 
2 صوت

::: التعليقات : 0 تعليق :::

::: إضافة تعليق :::


1 + 9 =

/500

::: جديد المقالات :::

حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ

::: روابط ذات صلة :::

المقالة السابق
المقالات المتشابهة المقالة التالي

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net