:: الأخبار ::

:: الجديد ::

التأني

::: عرض المقالة :::

التأني
5956 زائر
07-04-2011
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

التأني .

لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

* حقيقة التأني :

التأني هو التَّثَبُّت والتمهُّل وعدم التعجُّل . وقد قال بعض الحكماء: من أسرع في الجواب حاد عن الصواب. وقال آخر: من تأنَّى نال ما تمنى.
والمسلم يخشع في عبادته، ويؤديها بتمهل وتأنٍّ وإتقان؛ فإن كان مصليَّا صلى في خضوع وخشوع لله رب العالمين، وإن كان يدعو ربه دعاه في تضرع وتذلل، يبدأ دعاءه بحمد الله وتمجيده، والصلاة على رسوله، فقد سمع النبي
رجلا يدعو في صلاته، ولم يمجد الله -سبحانه- ولم يصلِّ على النبي فقال له: (عَجِلْتَ أيها المصلي). وسمع رسول الله رجلا يصلى فمجَّد الله وحمده ، وصلى على النبي فقال له : (ادعُ تُجَبْ، وسل تُعْطَ) [النسائي].
وعلى المسلم ألا يتعجل إجابة الدعاء، فقد قال النبي
: (يُسْتَجَابُ لأحدكم ما لم يَعْجَل؛ يقول: دعوتُ، فلم يُسْتَجَبْ لي) [متفق عليه].

* جعل الله للإنسان مشيئة وإرادة ، ولكن أي مشيئة هي النافذة ؟ وأي إرادة هي الواقعة ؟ " وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين " . الكل يريد ، وإرادة الله وحده هي النافذة ، " ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين " . طبيعة الإنسان العجلة ، فهو عجول ، أي شيء يريده ويتمناه يريد وقوعه في التو واللحظة ، يرفع يديه بالدعاء وقبل أن يفرغ من دعائه ويخفض يديه يريد أن يري الإجابة ، وينسي أنه عبد ، وأن الأمور يجري بمشيئة الله لا بمشيئة العباد . والقرآن يؤكد علي هذه الطبيعة وهي العجلة ، وأنها فطرة فينا : " خلق الإنسان من عجل " ، " وكان الإنسان عجولا " .

* ومن هنا حذرنا النبي من العجلة وأمرنا بالتروي والتأني والصبر والحلم فقال : " العجلة من الشيطان والتأني من الله "رواه الترمذي عن سهل بن سعد ، لأن العجلة والاستعجال لن يقدم ولن يؤخر من قضاء الله شيء ، فلله سنن في الحياة لا تتبدل ولا تتغير ، البذور لها دورتها في الإنبات والحصاد ، والقمر ينتقل في منازله خلال شهر ، والجنين في بطن أمه تسعة أشهر ، كما لله سنن في النصر والتمكين لعباده المؤمنين إذا لم تتحقق فلا نصر ولا تمكين ، كالذي له أرض صالحة للإنبات لم يلق فيها بذرة واحدة وهطل عليها المطر وهو ينتظر الحصاد ، فهل سيجني ثمرة واحدة حتى لو نزل المطر ؟ أين الذي زرعه حتى يحصده ويجنيه ؟
* كيف كان تأني النبي
؟

1- بعث النبي الوليد بن عقبة إلى قبيلة بني المصطلق ليجمع منهم الزكاة وأموال الصدقات، فلما أبصروه قادمًا، أقبلوا نحوه لاستقباله؛ فظن الوليد أنهم أقبلوا نحوه ليقتلوه، وأنهم ارتدوا عن الإسلام. ورجع إلى المدينة دون أن يتبين حقيقة الأمر، وأخبر النبي بذلك.
فأرسل النبي
خالد بن الوليد ومعه جيش من المسلمين، وأمرهم بالتأني، وألا يتسرعوا في قتال بني المصطلق حتى يتبينوا حقيقة الأمر، فأرسل خالد إليهم بعض الرجال، ليعرف أحوالهم قبل أن يهاجمهم؛ فعاد الرجال، وهم يؤكدون أن بني المصطلق لا يزالون متمسكين بالإسلام وتعاليمه، وقد سمعوهم يؤذنون للصلاة ويقيمونها، فعاد خالد إلى النبي دون قتال، ليخبره أن بني المصطلق ما يزالون على إسلامهم. ونزل قول الله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الحجرات: 6]. فكان يقول نبي الله : " التأني من الله والعجلة من الشيطان "

وفي رواية : أن النبي بعثه إلى بني المصطلق بعد إسلامهم ، فلما سمعوا به ركبوا إليه ، فلما سمع بهم خافهم ، فرجع إلى رسول الله فأخبره أن القوم قد هموا بقتله ، ومنعوا صدقاتهم . فهَمَّ رسول الله بغزوهم ، فبينما هم كذلك إذ قدم وفدهم على رسول الله فقالوا : يا رسول الله ، سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه ، ونؤدي إليه ما قِبَلنا من الصدقة ، فاستمر راجعا ، وبلغنا أنه يزعم لرسول الله أنا خرجنا لنقاتله ، والله ما خرجنا لذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

2- بعث الرسول أسامة بن زيد إلى أقوام رفضوا دعوة الإسلام، فحاربهم أسامة ومن معه حتى هزمهم، وفرَّ رجل منهم؛ فتبعه أسامة ورجل من الأنصار؛ ولـمَّـا اقتربا من هذا الرجل الفارِّ، وأوشكا على قتله. قال الرجل: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري وتركه، أمَّا أسامة فظن أنَّه قال: لا إله إلا الله خوفًا من القتل، فطعنه برمحه، فقتله.
ولما قدموا المدينة بلغ النبي
ما حدث، فقال: (يا أسامة، أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله؟!). فأجاب أسامة: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا (أي: قالها لينجو بها من القتل)؛ فكرر الرسول قوله: (أقتلتَه بعدما قال لا إله إلا الله؟). قال أسامة: فما زال يكررها، حتى تمنيتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم. [مسلم].
3- وقع سُهَيْل بن عمرو أسيرًا في أيدي المسلمين يوم بدر، وكان خطيبًا مفوَّهًا بليغًا، فأراد عمر بن الخطاب
أن يقتلع أسنانه الأمامية حتى لا يخطُب في الكفار، ويحرِّض المشركين على القتال، فاستأذن النبي قائلا: دعني أنزع ثنيتي سهيل؛ فلا يقوم علينا خطيبًا؛ فقال له النبي : (دعها؛ فلعلها أن تَسُرَّك يومًا).
وفي فتح مكة أسلم سهيل
، وحسن إسلامه، ولما مات النبي أراد بعض أهل مكة أن يرتدوا عن الإسلام، فقام سهيل يخطب فيهم، ويذكرهم بالله، ويحثهم على الثبات، والتمسك بالدين، فسمعوا له وأطاعوا.

4- روي الطبراني عن خباب قال أتينا رسول الله وهو متوسد برداء له في ظل الكعبة فقلنا يا رسول الله : ألا تدعو الله لنا ألا تستنصر لنا ، فجلس محمرا وجهه غضبانا ثم قال : لقد كان من قبلكم وإن أحدهم لتحفر له الحفرة ثم يوضع فيها ثم يوضع المنشار على رأسه ثم يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه فما يصرفه ذلك عن دينه ولكنكم تستعجلون ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه " .

5- وقبل هذا كان يمر علي آل ياسر وهم يعذبون فيقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة .
قال
: (السَّمْتُ الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة) [الترمذي].وقال لأحد الصحابة: (إنَّ فيك خصلتين يُحِبُّهُما الله: الحـلم، والأناة) [مسلم].
* العجلة :
أمرنا الله تعالى بعدم الاستعجال؛ فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} .
* فالعجلة قبل استكمال شروط القبول والإجابة من أكبر المفاسد علي الفرد والأمة ، كمن أنزل الجنين قبل أوانه أو استعجل قطف الثمرة قبل نضوجها ، فنزول الجنين قبل أوانه لا يكتب له حياة ولا بقاء ، والثمرة قبل أوانها تحمل معها المرض والآفات : لما اشتدت وطأة عذاب فرعون علي بني إسرائيل وقالوا لموسى : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ، فقال لهم موسى
: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ، ثم دعا ربه وكان هارون يؤمن علي دعائه :

" ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم " ، فكيف كانت الإجابة ؟ " قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون " . بين الدعاء والإجابة أربعون عاما من الاستقامة والصبر والتقوى . نصر الله قريب ولكن لم يأت أهله ، فإذا جاء أهله تحقق وعد الله والله لا يخلف الميعاد .

القرآن يعلمنا الطريق : من أين نبدأ ؟ وكيف نبدأ ؟ الإجابة مع الدعاء ما لم يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال : " يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول : دعوت فلم يُستجب لي " .
* العجلة في الخيرات :
المسلم إذا أراد أن يفعل خيرًا، فإنه يقدم على فعله، ولا يتأخر، فإذا أراد أن يتصدق بصدقة، فعليه أن يسرع في إخراجها. كذلك إذا فعل طاعة معينة فعليه أن يبادر بها، وقد قال النبي
: (التُّؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) [أبو داود].
كما أمرنا النبي
بتعجيل الفطر عند الصيام؛ فقال: (لا يزال الناس بخير ما عَجَّلوُا الفطر) [متفق عليه].
ويتضح من هذا أنه ليس هناك تأنٍّ في فعل الخيرات، والدخول فيها، قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين}

* والعجلة والتأني ضدان لا يجتمعان ، ولكن هناك مواطن أمرنا الله فيها بالمسارعة ، وأخرى أمرنا فيها بالصبر والتأني ، قال بعض العلماء : العجلة مذمومة إلا في ستة مواضع :

· أداء الصلاة إذا وجبت ، فخير الفريضة ما وافق وقتها .

· تزويج البكر إذا بلغت ، " أيسرهن مؤمنة أكثرهن بركة " .

· دفن الميت إذا حضره أجله .

· إطعام الضيف إذا نزل ، فالضيف يأتي برزقه ويرحل بذنوب القوم .

· قضاء الدَيْن إذا حَلَّ موعده .

· والتوبة من الذنب .

فالمسارعة والمبادرة والسبق يكون إلي المغفرة والطاعات ، " فاستبقوا الخيرات " ، " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون "

* متى يكون التأني فضيلة ؟

والتأني يتأكد في مواضع : منها الحكم علي الناس ، فلا ينبغي المسارعة إلي سوء الظن ، وأي إنسان يبلغك عن أخيك شرا فاعلم أنه شيطان ، ولا تظنن بأخيك السوء وأنت تجد لكلمته في الخير محملا ، والنبي مع سعة صدره كان لا يحب أن يسمع شيئا عن أحد من أصحابه فقال : " لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإن أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " رواه أحمد وأبو داود عن ابن مسعود .

إياك والعجلة والتسرع في الحكم قبل التثبت والتأني . وأما في شأن الأرزاق فيكفينا قوله سبحانه : " فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور " . ما كان لك فسوف يأتيك ولو كان بين جبلين ، وما لم يكن لك فلن يأتيك ولو كان بين الفكين . فالسعي للمكتوب المقدور واجب مطلوب ، ولكن دون الهلع والخوف والقلق ، وروي أحمد والنسائي عن ثوبان عن النبي قال : " إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد العمر إلا البر " .

* لذلك عصمنا الله تعالي من أمرين أن نقع فيهما : الخيبة والندامة وذلك بما شرعه لنا من : الاستشارة والاستخارة . في أي أمر مباح إذا أردت أن تتزوج أو تزوج ولدك أو ابنتك ابدأ بالاستخارة ، إذا أردت سفرا للتجارة أو سفرا مباحا للراحة والاستجمام فابدأ بالاستخارة ، فلا تدري أيكون في هذا السفر سرور وراحة أم غم وهمّ وتعب ومشقة ، إذا أردت صفقة للتجارة أو أردت الانتقال من عمل إلي عمل فابدأ بالاستخارة ، ولعظم الاستخارة قال جابر فيما يرويه البخاري : كان رسول الله يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول : " إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، وعاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري، وعاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به . قال : ويسمى حاجته باسمها " .

   طباعة 
1 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 4 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net