:: الأخبار ::

:: الجديد ::

محاسبة النفس

::: عرض المقالة :::

محاسبة النفس
6900 زائر
07-04-2011
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

محاسبة النفس .

لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

* حقيقة محاسبة النفس :

يقول ربنا سبحانه : " وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ " ، وهذه هي نفس المؤمن ، تلوم صاحبها علي ترك الطاعة أو التقصير فيها ، ودائما تسأله وتلومه مرة بعد مرة : ما أردت بكلمتي ؟ ما أردت بنظرتي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟ وأما الفاجر فيمضي لا يعاتب نفسه .

ويقول ربنا سبحانه : " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفي بنا حاسبين " . سمعت عائشة من النبي يقول في بعض صلاته : " اللهم حاسبني حسابا يسيرا " فلما انصرف قلت : يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال : " أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه ، إنه من نوقش الحساب هلك " رواه أحمد والحاكم وصححه . وكان من أواخر ما نزل من القرآن الكريم : " واتقوا يوما ترجعون فيه إلي الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " .

اللهم هون علينا الحساب ، وأدخلنا الجنة بلا مناقشة حساب ولا سابقة عذاب .

لابد لهذه الحياة من نهاية ، ولابد للعباد من رجعة إلي الله ، لا بد من الحساب بعد الموت ، وهناك تنصب الموازين حيث لا تضيع عند الله الأعمال ، " والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون " .

* والسؤال : كيف نهون علي أنفسنا الحساب يوم الحساب ؟ هذه نصيحة عمر التي أنطقه الله بها لتكون معيارا ومقياسا لأهل الحق حتى يقفوا مع أنفسهم وقفة للحساب ، فلابد من محاسبة النفس ، ولابد من وقفة مع هذه النفس ، أيامنا تمضي وساعات عمرنا تمر وتنقضي ، وإلي أين نحن ذاهبون ؟ " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " ، " وكلهم آتيه يوم القيامة فردا " ، " وأن إلي ربك المنتهى " .

قال عمر : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، وتهيئوا للعرض الأكبر . " يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية " .

· كيف أحاسب نفسي ؟

· وما الذي يعينني علي محاسبة نفسي ؟

· وما هي فوائد محاسبة النفس التي تعود علي في دنياي قبل آخرتي ؟

يعينني علي محاسبة نفسي : عالم تقي . وصديق صدوق . وصاحب صالح . وخلوة مع الله . روي أحمد والترمذي عن شداد بن أوس عن النبي قال : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى علي الله " .

* إن العاقل لابد أن يكون له في اليوم ساعة يخلو فيها بربه ويراجع شريط حياته وينظر إلي أعماله التي سطرها في صحيفته لو كانت كتابا منشورا بين يديه وهو يقرأ منه بين يدي ربه وهو فرد وحيد لا أحد معه علي رؤوس الأشهاد ، فهل أعماله التي قام بها يرضاها وترضيه ويحب أن يلقى الله بها ؟؟

إن كانت خيرا وطاعة وبرا ومعروفا بكى فرحا وسرورا علي نعمة التوفيق ، وإن كانت سوادا في غفلة وتضييع ومعصية بكى ندما علي جريمة العصيان . لأنه ما رأى من ربه غير الإحسان فلماذا يقابله بالجحود والنكران والعصيان ؟ " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " .

إن قمت بطاعة ولو يسيرة فرح الله بها وقبلها . وإن قمت بمعصية ولو كبيرة ثم اعتذرت وتبت ورجعت يغفر لك ويباهي بك ملائكته ، وهو القائل سبحانه : " ورحمتي وسعت كل شيء " . ضع نعم الله عليك في كفة ، وضع ذنوبك وتقصيرك في كفة وقل لنفسك في جلسة الحساب : أهذا عدل وإنصاف ؟؟!!!

" لا أقسم بيوم القيامة . ولا أقسم بالنفس اللوامة " والنفس اللوامة : هي التي تلوم صاحبها : ماذا أردت بأكلتي ؟ ماذا أردت بكلمتي ؟ ماذا أردت بنظرتي ؟ ، وأصل الفلاح هو تزكية النفس "ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها " .

* الكل مسؤول حتى الأنبياء :

ما من أحد إلا سيسأله ربه حتى الأنبياء والمرسلين ، " فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين . فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين " .

وعند الرحيل من هذه الحياة فلن نأخذ من دنيانا ذرة ولن نترك من أعمالنا ذرة ، سنرحل بأعمالنا ونترك دنيانا ، " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد " .

جاء في صحيح الجامع عن أبي سعيد الخدري أن النبي قال : يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل ، والنبي ومعه الرجلان ، والنبي ومعه الثلاثة ، وأكثر من ذلك ، فيقال له : هل بلغت قومك ؟ فيقول : نعم ، فيدعى قومه ، فيقال لهم : هل بلغكم هذا ؟ فيقولون : لا ، فيقال له : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته ، فيدعى محمد وأمته فيقال لهم : هل بلغ هذا قومه ؟ فيقولون : نعم ، فيقال : وما علمكم بذلك ؟ فيقولون : جاءنا نبينا ، فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه ، فذلك قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا }

* محاسبة الصحابة لأنفسهم :

عمر الذي قال هذه المقالة : كان يحاسب نفسه . ويحاسب عماله . ولا يتحرج أن يحاسبه واحد من رعيته رجلا كان أو امرأة صغيرا أو كبيرا .

1- يقول الأحنف بن قيس : كنت مع عمر فلقيه رجل فقال : يا أمير المؤمنين! انطلق معي فأعدني على فلان فإنه قد ظلمني ، فرفع الدرة فخفق بها رأسه وقال: تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم حتى إذا شغل في أمر من أمر المسلمين أتيتموه أعدني أعدني، فانصرف الرجل وهو يتذمر ، فقال: علي الرجل، فألقى إليه المخفقة ، فقال: امتثل، فقال: لا والله ولكن أدعها لله ولك! قال: ليس هكذا، إما أن تدعها لله إرادة ما عنده أو تدعها لي فأعلم ذلك. قال: أدعها لله.
قال: فانصرف ثم مضى حتى دخل منزله ونحن معه فافتتح الصلاة فصلى ركعتين وجلس فقال: يا ابن الخطاب! كنت وضيعا فرفعك الله، وكنت ضالا فهداك الله، وكنت ذليلا فأعزك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين فجاءك رجل يستعديك فضربته! ما تقول لربك غدا إذا أتيته ؟ قال : فجعل يعاتب نفسه في ذلك معاتبة ظننا أنه من خير أهل الأرض .

أيها المسلم : ماذا تقول لربك غدا إذا أتيته ؟ هل تعلمون أن شاعر الهند بل أقول شاعر الإسلام في عصرنا الحديث " محمد إقبال " رحمه الله كان يقول : اللهم لا تحشرني يوم القيامة أمام رسول الله فإني أستحي أن يسألني : ماذا فعلت لأمتي يا إقبال ؟؟!! يا إقبال ماذا فعلت لأمتي ؟ يا مسلم ماذا فعلت لأمتك ؟

2- وكيف كانت الرعية وهم خيرة الصحابة يحاسبون عمر ؟ روى ابن الجوزي عن العتبي قال: بعث إلى عمر بحلل فقسمتها فأصاب كل رجل منا ثوبًا. ثم صعد المنبر وعليه حلة ( والحلة ثوبان) فقال : أيها الناس ألا تسمعون ؟ فقال سلمان الفارسي : لا نسمع !! فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله ؟قال : إنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا وعليك حلة . فقال : لا تعجل يا أبا عبد الله.ثم نادى: عبد الله . فلم يجبه أحد . فقال: يا عبد الله بن عمر.فقال : لبيك يا أمير المؤمنين . قال: الثوب الذي اتزرت هو ثوبك ؟.قال: اللهم نعم .فقال سلمان : الآن فقل نسمع. [ صفوة الصفوة 1/535 ]

لا محاباة في الحق ، لا حرج من قبول الحق ، أليس عمر هو الذي كان يمشي مع نفر من أصحابه فقال له رجل : اتق الله يا عمر !! فزجره من معه لغلظته مع أمير المؤمنين ، فقال عمر لأصحابه : دعوه ، لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها .

ما كان حديثا يفتري ، إنهم قدوة لبشرية ستمتد أجيالها إلي يوم القيامة وقد اختارهم الله لرعاية الأمم بعدما كانوا رعاة للغنم ، وجعلهم فوق رؤوس البشر بإيمانهم وتقواهم وورعهم .

إنها ليست أساطير ولكنها حقائق صنعها الإسلام ورباها رسول الله علي الإيمان ، والذي أخرج هؤلاء هو الإسلام ، وتغييب التاريخ فيه قطع لشريان الحياة عن قلب الأمة النابض ، فكيف تكون ثمرة بغير شجرة ؟ وكيف تنبت شجرة بغير بذرة ؟؟ فالبذرة أصل الشجرة . والشجرة أم الثمرة .

* كيف نحاسب أنفسنا ؟؟ :

1- علي الفرائض : الفريضة تصعد إلي الله بيضاء مسفرة تدعو لك بالخير إذا كانت في وقتها جماعة بالمسجد مع خشوع وخضوع وحضور قلب ، ومن يعظم الفريضة تقضى له حوائجه ويعصم من الفتن ، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " ، روي الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال : احملوا حوائجكم علي المكتوبة .

إذا دخلت بيت الله فاقطع صلتك بالحياة وابدأ صلتك بالله ، وكفى ما في قلوبنا من هواتف نسكتها بالمجاهدة حتى تأتي الهواتف الجوالة فتهيج ما في القلوب من خواطر ساكنة ، أين شعور المسلم وقد كتبوا له بكل اللغات ووضعوا له صورة علي أبواب المساجد أن يغلق هاتفه !! أهناك أهم وأعظم وأجل وأعز وأكبر من لقاء مع الله ليزاحمه غيره هذا اللقاء ؟؟؟!!!

والفرائض رأس مال وربحها النوافل ويزكيها تلاوة القرآن وقيام الليل وذكر وتسبيح ، فحاسب نفسك علي ذلك كله أين أنت منه ؟؟

2- علي الجوارح : عيني ولساني وأذني وعقلي ، هذه كلها أمانات قد استودعنا الله إياها فلا أستعملها كما أريد ، وهي منافذ القلب فحاسب نفسك لأنك مسئول عن نظرات العيون ، والنظرة الحرام سهم مسموم يزرع في القلب شهوة ، فاتقيه بغض البصر يسلم قلبك من سم هالك ، ولسانك لا تحركه إلا بحساب وإلا أفسد أعمالا صالحة كالجبال ، ولا تسمع بأذنك إلا ما ينفعك ، والفكر جوال في هموم كثيرة ، فاجعل همك هم الآخرة يكفك الله هموم دنياك .

3- علي الحقوق :

أ) حق نفسك : فلنفسك عليك حقا ، أن تزكيها بمجالس العلم ، وألا تجور عليها بالظلم فهي جسد وروح ، فلو كانت كل الطاقة مصروفة لأحدهما دون الآخر فالنتيجة هي روح ميتة في جسد ميت بالشهوة ، أعطها طعامها بنوعيه : قوت البطون مع قوت القلوب والأرواح .

ب) حقوق الوالدين : لا تكسر لهما قلبا ولا تذرف لهما دمعة حسرة ، وكن سبب فخر وسرور ورحمة ولا سيما عند الكبر ، فهما بابان إلي الجنة أو إلي النار ، لهما عليك حقوق أحياءا وأمواتا ، أحياءا بالطاعة في غير معصية الله . والاحترام . والخدمة . والسؤال . وأمواتا : بالترحم عليهما بالدعاء والاستغفار وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما .

ج) حقوق الزوجة والأولاد : حاسب نفسك ماذا علمت زوجتك من دينها ؟ هل علمتها حرفا من القرآن ؟ هل جلست معها هذه السنة مرة تعلمها حكما من الأحكام أو تسمعها خيرا مما تسمعه من كلام الخير والإيمان ؟ هل جلست مع أولادك لتغرس فيهم حب نبيهم ودينهم وكتابهم ؟ وأن ذلك من أوجب الواجبات كالطعام والدراسة . فهل تفكرت لأولادك ذكورا وإناثا أن يكونوا من حفظة القرآن ؟ وماذا فعلت لتحقيق مرادك ؟ ألا يكون لك نصيبا من هذا العطاء ؟ وخير ما قدمته لولدك علما نافعا وأدبا حسنا ، " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " .

هل علمنا أن هذه الوقفة مع النفس فيها فتوح عظيمة وعزمات خير لا نهاية لها يلقيها الله في قلوبنا ؟

* منافع محاسبة النفس :

كلنا في حاجة للمغفرة وتطهير الصحائف من الخطايا قبل العرض أمام الله ، فهذه فرصة لفتح باب التوبة وتغيير مسارنا في الحياة ، فمن كان مذنبا تاب ، ومن كان غافلا كسولا نفض ثوب الكسل والدعة وأقبل علي الله ، ومن كان طائعا رفع الهمة ليزداد خيرا وطاعة . " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون " .

روى أحمد والترمذي عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله أي الناس خير قال : " من طال عمره وحسن عمله " قال : فأي الناس شر ؟ قال : " من طال عمره وساء عمله " .

إن الزمن يعمل فيك فاعمل فيه ، وإذا مضى يومك فقد مضى بعضك ، ويوشك إذا مضى بعضك أن تمضي كلك .

1- تجديد التوبة للإحساس بالتقصير في حق الله سواء في طاعات شابها سهو وغفلة أو في معاصي وقعنا فيها بغفلة وجهالة .

2- نزع ثوب الكبرياء والغرور خاصة عند عقد مقارنة بين نعم الله المتوالية وبين التفريط في حق الله .

3- علو الهمة عند الشعور بقرب الأجل ، وعلاج مواطن الضعف في النفس التي يتسلل منها الشيطان خاصة : كثرة النوم والأكل واللغو والكلام الفارغ الذي يقسي القلب ولا فائدة له .

4- سد باب الفراغ بالفكر في أعمال وطاعات منسية أو غفلت النفس عنها مثل واجب الدعوة

والنصيحة للأمة . تعلم العلم النافع . زيارة القبور للعبرة . عيادة المرضى لرقة القلب …

   طباعة 
3 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 8 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net