:: الأخبار ::

:: الجديد ::

التعليق على قضية حرق المصحف

::: عرض المقالة :::

التعليق على قضية حرق المصحف
5315 زائر
20-04-2011
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

التعليق على قضية حرق المصحف

لقاء الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

يوم الأحد : 29 ربيع الآخر 1432 هـ الموافق : 3 / 4 / 2011 مـ

على قناة المجد الفضائية حول قضية حرق المصحف .

إن الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .

وقد تناول فضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم في هذه الحلقة المحاور التالية :

1- تكفل الله بحفظ للقرآن الكريم ، فهو محفوظ في الصدور قبل السطور ، قال ربنا سبحانه : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " سورة الحجر / 9 . فالله حفظ كتابه من التبديل والتحريف فلا ينقص منه شئ ولا يزيد .

2- أكبر إهانة للقرآن هي هجر المسلم له ، سواء كان هجر التلاوة أو هجر التدبر والتفكر أو هجر العمل والتطبيق أو هجر الدعوة والبلاغ ، وهذا عتاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة : " وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا " سورة الفرقان / 30 .

3- حملة الكراهية والبغض والعداء للإسلام لم تتوقف :

· الحرب على الحجاب وسن القوانين التي تضيق على حرية المسلمة في طاعة ربها وستر نفسها .

· منع بناء المآذن والتضييق على بناء المساجد .

· سب الرسول صلى الله عليه وسلم والنيل منه عن طريق الرسومات المسيئة أو الأفلام الساخرة

· ثم جاء حرق المصحف على يد قسيس أمريكي موتور .

وهذا كله دليل على إفلاس الغرب في ميدان الحجة ، وانبهارهم بهذا المد الإسلامي الهائل الذي أفقدهم توازنهم وهم لا يجدون حيلة في دفعه ولا وسيلة في الحد منه ووقف امتداده . فجاءت هذه التصرفات الحمقاء كدليل على العجز في ميدان الحجة والدليل والبرهان . واستهداف القرآن والمقدسات ليس جديداً فمن الآيات الشيطانية إلى الرسوم الساخرة بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، إلى العزم على تخصيص يوم عالمي لحرق القرآن الكريم !!!

4- الحقد الدفين في صدور الغرب يخرج في صور كثيرة للعداء ، وحاولوا هدم الإسلام عن طريق سلطان الحجة أو سلطان القوة ففشلوا ، وهم قد حاربوا الإسلام في هذين الميدانين منذ زمن بعيد وليس وليد اللحظات الراهنة :

أولا : ميدان الحجة : عن طريق سلالة من المستشرقين الذين كانوا يدرسون الشريعة بغية وجود ثغرة أو خطأ أو زلة يهدمون بها المنهج ، فحاولوا جاهدين إيجاد خلل أو عيب أو تناقض في الكتاب أو السنة ففشلوا ، وحتى شبهاتهم الواهية فقد قيض الله من علماء الأمة من يرد عليها ويجعل كيدهم في نحورهم حتى انقلبوا خاسئين مفلسين في ميدان الحجة والبرهان ، ثم عمدوا إلى الميدان الثاني وهو :

ثانيا : ميدان القوة : حيث استعمروا بلاد المسلمين وبطشوا بالعلماء والصالحين وغيروا مناهج التعليم وسخروا من عقائد المسلمين وعاثوا في الأرض فسادا ، واخترعوا مصطلحا مطاطا فضفاضا سموه الإرهاب الذين هم أهله وصانعوه ومحترفوه ولصقوا هذه التهمة الظالمة بالمسلمين المسالمين الأبرياء ، وسلطوا الضوء على تصرفات قلة انطلقت بغير وعي مدفوعة بغيرة غير منضبطة بقواعد الشريعة فعممت الحكم على سائر الأمة وعاقبوا المسلمين عقابا جماعيا بذنب لم يقترفوه وجرم لا ناقة لهم فيه ولا جمل .

فلما فشلوا في هذين الميدانين ورأوا أن الأمة لا زالت قوية وفي كامل عافيتها وحيويتها ، بل والمد الإسلامي يمتد في شرق العالم وغربه ، ويستقطب طبقات شتى من فقراء وأغنياء وشباب وكهول ونساء ورجال ، فأذهلتهم المفاجأة رغم إنفاقهم الملايين للصد عن سبيل الله ، عمدوا إلى حرب الإسلام عن طريق النكاية في المسلمين بتشويه معتقداتهم وسب مقدساتهم ، فيا ترى ما هو المقصود من هذا ؟

5- المقصود من هذه الأفعال السفيهة هو استدراج المسلمين للوقوع في الخطأ عن طريق حماسة بعض المسلمين ممن يغارون على دينهم ونبيهم وكتابهم فيقومون ببعض الأعمال الطائشة ، وهنا يأتي دور آلة الإعلام الجبارة التي يمتلكها هؤلاء الحاقدون فيسلطون الأنظار على ردود الأفعال متناسين تماما الأفعال المشينة والمسيئة التي أدت إلى ردود الأفعال .

وهذه اللعبة غير الشريفة ولا النزيهة مكشوفة تماما لكل ذي بصر وبصيرة ، ولا تحتاج إلى عناء في فهم أبعادها ومراميها ، وليس هذا التصرف من شرف الخصومة في ميدان الحجة والدليل والبرهان الذي تختلف فيه العقول ويحتاج إلى مساحة الحرية في التعبير عن الرأي التي ينادون بها وهم أبعد الناس عنها قلبا وقالبا ، فدعاواهم في المشرق وأفعالهم في المغرب ، ويقولون بألسنتهم ما لا يفعلون بجوارحهم .

6- سؤال : من هم وراء هذه الأفعال ؟ وهل هناك من يحركها ولكنه لا يظهر علانية ؟

وراء هذه المصائب كلها هم اليهود الحاقدون الذين هم أشد عداوة للذين آمنوا بنص القرآن الكريم : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (82) سورة المائدة .

ولكن التاريخ في بعض مراحله يثبت ما بين المسحيين واليهود توافقا على بغض الإسلام وتلاقيا على حربه ومعاداة أهله ، فهل هم أصدقاء متحابون ؟

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ (51) سورة المائدة ، أم أعداء متباغضون ؟ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ﴾ (113) سورة البقرة .

أم أن المسيحيين يعادون اليهود لأن اليهود متهمون بصلب المسيح ابن مريم ؟

﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ (157) سورة النساء .

ولكن السؤال يظل قائما وهو التعرف على منشأ الحقد والعداوة , هل أتى من المسيحيين أو من اليهود أم من كليهما ؟ وهل الآية ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (82) سورة المائدة , تدل على أن اليهود أعداؤنا و النصارى أوداؤنا ؟ أم أن الآية لا تشمل جميع النصارى بل تشير فقط إلى النجاشي وأصحابه أو الذين جاءوا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبكوا بعدما سمعوا القرآن ؟

للإنصاف ليس كل النصارى في سلة واحدة ، فهم فريقان : فريق مسالم لا يحمل هذا الحقد الموروث الدفين من زمن الصليبيين ، وفريق آخر متصهين يحمل جينات الكره والعداوة التي ورثها من اليهود المعتدين .

بعد هذا الطرح يتبين أن أصابع يهود وراء تحريك هذه الدمى البشرية التي فقدت عقلها أو سلمته طواعية لغيرها حتى يحركها بما يشفي غل صدورها ، ولماذا اختاروا هذا القس السفيه ليقوم بهذه الفعلة الشنيعة ؟

إن أعداء الإسلام يستعملون ضعاف النفوس كمخلب القط ليصيبوا بهم ما يريدون بينما تظل ساحتهم بريئة ولا يجد أحد دليل ضدهم ، وهم يختارون بعناية من فيه ضعف في شخصيته أو عقله مثل إنسان مهووس بحب الشهرة أو ضعيف العقل لا إرادة له يسهل قياده ، أو شره بحب المال والثروة ، أو عاشق للظهور أمام شاشات الإعلام بمنطق خالف تعرف ... وهكذا .

والسؤال الآن : هل المسيحيون هم من يدعو إلى حرق القرآن ؟ أم أن اليهود هم المحرك الحقيقي واليد التي يجب أن تقطع وأما المسيحيون فليسوا سوى مخلب القط الظاهر للعيان ؟ أم أن المسيحيين فئات يختلف بعضها عن بعض ؟

المهم أن نفرق بين المسيحية الأصولية الصهيونية المتطرفة في عدائها للإسلام والمتحمسة بشدة لنصرة إسرائيل وبين المسيحية الكاثوليكية التقليدية ، ولسنا بصدد تبرئة المسيحية القديمة لا دينياً ولا سياسياً فكتاب الله ينطق بالحق:

﴿ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ﴾ (30) سورة التوبة ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ (171) سورة النساء ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ (17) سورة المائدة ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ﴾ (73) سورة المائدة ، والتاريخ سطر لنا من صفحات الحروب الصليبية السوداء ما يفجع القلب.

إذن هذه الدعوة إلى حرق القرآن جاءت من أطراف تنتمي إلى المسيحية المتصهينة والكنيسة التي تبنت الدعوة في فلوريدا تأسست على يد قس تخرج من كلية صهيون للكتاب المقدس .

7- حكمة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو :

روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو وفي لفظ مسلم : أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو .

قال ابن حجر في الفتح : [قال ابن عبد البر : أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه ، واختلفوا في الكبير المأمون عليه ، فمنع مالك أيضا مطلقا ، وفصل أبو حنيفة ، وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجودا وعدما ، وقال بعضهم كالمالكية واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر ؛ لوجود المعنى المذكور فيه وهو التمكن من الاستهانة به ] أ.هـ.

وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم : [ " قوله : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ، وفي الرواية الأخرى : مخافة أن يناله العدو ، وفي الرواية الأخرى : فإني لا آمن أن يناله العدو ؛

فيه النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث ، وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته ، فإن أمنت هذه العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة ولا مانع منه حينئذ لعدم العلة ، هذا هو الصحيح ، وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون . ] أ.هـ.

تعليل الفقهاء والمحدثين عن علة النهي في السفر بالقرآن إلى أرض العدو هي صيانة القرآن عن الامتهان والعبث به بأيدي الكفار لو وقع في أيديهم ، وقد يقول قائل وهل كان هناك مصحفا كاملا مكتوبا بين دفتي كتاب واحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ الجواب : لا ، ولكن الحديث محمول على أي صحيفة فيها شئ من كتاب الله ، فهذه الصحف التي كتب فيها القرآن كانت موجودة على عهد الصحابة رضي الله عنهم ، والعلة واحدة سواء كان القرآن كله أو صحف فيها بعض سوره وآياته .

ولعل هذا الحديث من دلائل صدق النبوة ، لأن النسخ من القرآن الكريم أصبحت الآن منتشرة في المكتبات وعبر الحاسوب ( الإنترنت ) ويمكن لأي أحد شراء نسخة من القرآن دون أن يجد صعوبة في ذلك ، إذا فما هي حكمة نهي النبي صلى الله عليه وسلم من السفر بالقرآن إلى أرض العدو ؟

الحديث فيه إشارة إلى أنه سيوجد بعض الحمقى ممن لا عقول لهم سيحاولون العبث بالقرآن والاستهانة به ، فيجب على الأمة الحذر واليقظة وتفويت الفرصة على هؤلاء الحاقدين حتى لا يعبثوا بكتاب الله ، لأنهم من المستحيل أن يتجرؤوا على فعلتهم الشنيعة هذه إلا بعد يقينهم من ضعف الأمة أو موتها بالشهوات والغفلات وأنها لن تحرك ساكنا .

فهذه الأفعال بمثابة جس نبض الأمة ليتبين أعداؤها : هل هي حقا أمة ميتة هامدة مشلولة لا حراك فيها ، أم ما زالت أمة حية فيها بقية رمق من حياة ، وهم يحاولون جهدهم وصف المسلمين بأنهم أمة همجية جاهلة فوضوية لا تعرف نظاما ولا حضارة ، ويسلطون الضوء على بعض السلبيات التي لا ينفك عنها أي مجتمع بشري ، فمن من البشر معصوم لا خطأ له ؟ ولكن تسليط الضوء على البقعة السوداء في الثوب الأبيض يدل على سوء النية وفساد الطوية ، وهذا المنهج الانتقائي الذي أسهب الغرب في التنفير منه والبعد عنه ووصفه بأنه مهج غير علمي ولا يمت للحقيقة بصلة ، هم الآن من يقعوا فيه ، فيدخلون على الأحداث من باب الهوى وينتقون منها ما يشفي غليل صدورهم من الكره والعداء للإسلام ، بل ويصفون عامة المسلمين المسالمين الطيبين بالإرهاب ، ويلصقون بهم هذه التهمة الظالمة ، والإرهاب مصطلح من صنعهم يبررون به جرائمهم وفظائعهم ضد البشرية التي تعشق الحياة الكريمة وتريد أن تحيا على الأرض بالحرية الكاملة التي ولدت بها من بطون أمهاتها .

كثير من الأحكام الشرعية تبدو مثيرة للعجب إذا لم تأت في سياقها الكاشف عن الحكمة وتبرير الحكم . ومنها نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو كما سبق آنفا .

ومن الأحكام التي ذكرها الفقهاء أيضا عدم جواز بيع المصحف من الكافر بل عدم جواز إعطاؤه الكافر وإن كان في يده وجب أخذه منه .

بالتأكيد لا ندعي أن هذه الدعوة من هذا المتطرف هي دليل على سلامة الحكم الشرعي وضرورته , فقد يكون وراء الحكم ما هو أبعد وأعمق وأدق من إبعاده عن هؤلاء خشية إهانته حرقاً وتلويثاً ، والنيل من كتاب الله العزيز يكون تارة مادياً بتعريض أوراقه للقذارة - كما يفعل المشتغلون بالسحر - أو بحرقه ، أو ربما بإهماله من قبل بعض المسلمين بجعله معرضاً لعوامل التلف والكتابة عليه ، وقد يتعرض القرآن للإهانة المعنوية بمحاولة التقليل من شأنه وقيمته الروحية وصدق محتواه . أو بتفسيره تأولاً وتوجيهاً للمصالح والهوى.

8- هم قرروا فماذا قررنا نحن ؟

لقد قرروا وفعلوا ما قرروه وعزموا عليه ، فماذا قررنا نحن ؟ وما هو الواجب الشرعي على كل مسلم عندما يرى أغلى مقدساته تهان ويعتدى عليها ؟ هل يقف مكتوف اليد مشلول الجوارح وهو يُطعن في أغلى ما يملكه وهو عقيدته ودينه وإيمانه ؟ أم يكون له دور يدل على غيرته الإيمانية تجاه من يحاربون دينه ويعتدون على حرماته ومقدساته .

عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " أخرجه مسلم .

قوله : "من رأى" فيه أن ذلك يشمل من رأى سواء رأى بعينه الباصرة ، أم بلغه الخبر علمًا، فكل من رأى أو سمع منكرًا وعنده قدرة، فعليه أن يسعى في تغيير ذلك المنكر، وفيه أن المنكر يختلف بحسب المغير له، فمن الناس من يقدر على تغيير المنكر بيده، شريطة أن يكون في ذلك أمران: القدرة على ذلك، وعدم حصول مفسدة أكبر منه ، فمن الناس من يستطيع أن يغير بلسانه بحسب المنكر ، ومن الناس من يعجز فلا يستطيع التغيير لا بلسانه ومن باب أولى لا يستطيع بيده ، وهنا قاعدة أو هنا ضابط ذكره بعض أهل العلم وهو أن تغيير المنكر على أربعة أقسام :

إما أن يغير المنكر ويحل محله منكر أكبر منه ، وهذا لا يجوز؛ لأن هذا إزالة المفسدة الصغرى لا ينبغي أن يولد مفسدة كبرى ، يبقى المنكر على هيئته إذا ترتب على تغييره منكر أكبر فليبقَ على هيئته ؛ ولذا يذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية لما دخل جنود التتار دمشق أو الشام كانوا يشربون الخمر فيتساقطون أو ينتشون، ويتركون القتال ، فكأن بعض تلاميذ شيخ الإسلام أو بعض المسلمين يريد أن يكسر دنان الخمر فكان يقول لهم دعوهم ، إذا شربوا سكروا وغفلوا عنا ، فإذا أفاقوا قتلوا المسلمين . إذن :

الحالة الأولى: أن يترتب على تغيير المنكر منكر أكبر وهذا لا يجوز.

الحالة الثانية: أن يترتب على تغيير المنكر منكر أصغر، يعني يخِفّ شيء من المنكر وهذا يجب على من قدر عليه .

الحالة الثالثة: أن يزول المنكر بالكلية ، ولا يترتب في ذلك شيء ، وهذا أوجب .

الحالة الرابعة : أن يزول المنكر ويترتب في مكانه منكر مساوٍ له، يقولون: وهذه بحسب حال المحتسب المغيِّر، على سبيل المثال : مثل أن يتعارض أمران أحدهما حرام والآخر مكروه ، فيرتكب المكروه تفاديا للوقوع في الحرام ؛ مثل طعامان أحدهما فيه شبهة والآخر خمر أو لحم خنزير ، فيقدم الطعام الذي فيه شبهة على الطعام الحرام الذي لا يشك أحد في حرمته . فيدرأ شر الثانية ويقبل الأولى ليس لأن فيها خير لكن لأنها أقل شرًّا ، والعرب إذا فرقت بين الشرين تقول : هذا أقل شرا من هذا .

وفي الحديث أيضًا أن براءة الذمة لا تستلزم إزالة المنكر، بل ذلك مرهون بالاستطاعة، ومن هنا يظهر خطأ البعض عندما يوجب على الناس أن يسعوا في تغيير المنكر ، ويلزم نفسه بذلك مع علمه بأنه لا يستطيع أو سيترتب ضرر أكبر ، فهنا لا يجب عليه أن يأمر الناس بما لم يستطيعوا : " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا " ، " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا " ؛ ولهذا من ضعف الفقه والسياسة الشرعية أن بعض الناس يرى أنه من لازم الأمر أن يتغير المنكر ولو ترتب عليه منكر أكبر منه ، وهذا من الجهل بمقاصد الشريعة ، قال الله تعالى : " وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ ماذا؟ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ " .

وفيه الحديث أيضًا كمال الشريعة وسماحتها حيث لم تكلف المسلم بما لا يستطيع ، وفيه أيضًا أن الإيمان قول وعمل واعتقاد ، كما أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة ، فالقول نأخذه من قوله : بلسانه ، والعمل من قوله : بيده ، والاعتقاد عمل القلب من قوله : فبقلبه ، وفي الحديث أيضًا أن الإيمان يزيد وينقص بحسب حال الشخص .

وهنا مسألة مهمة وهي : لا يجوز إنكار المنكر إلا بشروط :

الأول: أن يتحقق المغير أن ذلك الأمر منكر.

والثاني: أن يكون ذلك الأمر منكرًا في حق الفاعل .

والثالث : ألا يترتب على ذلك مضرة أكبر، مثال ذلك: رأيت رجلًا يأكل في رمضان هذا منكر، لكن قد يكون هذا المنكر ليس منكرًا في حق الفاعل كيف ذلك ؟ قد يكون الآكل مسافرًا ، قد يكون مريضًا، قد يكون ناسيا، فالمرض والسفر له ذلك، لكن النسيان لا ، هو منكر في حقه أنه لا يجوز ، لكن كون أن الآكل مسافر أو مريض يحق له ذلك ، لكن إذا كان يأكل أمام الناس في مجتمع جميع أهله صيام ، فهنا يقال : ينبغي احترامًا لمشاعر الناس عدم الأكل ، وأن لا يترتب منكر أكبر، ترى رجلا يفعل منكرًا إما بكذب أو بسب ، وتعلم أنك لو نهيته في هذا الحال سيترتب عليك أمر أكبر، إما أن يسب دينك، أو أن يسب نبيك، أو أن يسب الصحابة، أو أن يسب أهل السنة، المهم سيترتب منكر أكبر، فمن السياسة الشرعية فقه هذه المسائل ؛ لأن الغرض تغيير المنكر لا إحداث منكر أكبر. كما قال الله تعالى : " وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ " الأنعام / 17 .

أيضًا من مسائل تغيير المنكر هناك مرتبة رابعة جاءت في القرآن والسنة، والسنة يفسر بعضها بعضا، في قوله جل وعلا : " وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " الأنعام / 68 ، وقال صلى الله عليه وسلم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر " رواه الترمذي والحاكم عن جابر رضي الله عنه ، ماذا نستفيد من هذه النصوص ؟ أن بعد تغيير المنكر بالقلب واللسان وعدم انصياع العصاة للنصح بالحكمة والموعظة الحسنة ، هنا يستلزم ترك المجلس والمفارقة إن لم يكفوا عن باطلهم ويقلعوا عن فعل المنكر القولي والعملي ، لأن الجلوس معهم وهم على الباطل مشاركة لهم في ذلك .

9- ما هي ردود أفعال المسلمين ؟

ما هو الدور وما هي المسؤولية الملقاة على عاتق من يقدس القرآن ويعظمه ؟ هل يكفي القول بأن للقرآن رب يحميه ؟ أم أن نصرة الدين واجبة على كل مسلم ؟ الناس ينقسمون تجاه الأحداث إلى أقسام :

1- فمن الناس من لا يعنيه الخبر ، ويمر عليه وكأن شيئاً لا يتعلق به ، ولا يطرف له جفن ونرجو أن قلة بيننا.

2- ومنهم من يتألم ويحزن ويغضب وينفعل فيسب ويشتم ويقع في المصيدة وتصدر منه ردود أفعال باطلة لا تمت للشريعة بصلة ، فيطلق فربما أطلق عبارات فيها مساس بالإنجيل أو المسيح والدين المسيحي والمسحيين ، ويرد على الجميع دون تمييز بين الجاني الحقيقي والراضي بالجناية والمحايد الذي لا يهمه الأمر والمعتدل والمتعاطف الذي لا يرضى بإهانة مقدسات المسلمين..

3- ومنهم من يتحرك على الصعيد العلمي والأكاديمي ويحاول رد الاعتبار ببيان فضائل القرآن ونفي التهم الباطلة عنه ، بإلقاء خطبة أو محاضرة أو تأليف كتاب أو تسطير مقالة حول عظمة القرآن .

فالتعريف بحقيقة الإسلام ودفع الشبهات لجمهور الأوربيين والغربيين ، ورفع دعوى قضائية ضد هذا القس الأمريكي تيري جونز ومتابعتها قانونيا ، والخطاب العقلاني واللغة الرصينة على المنابر وفي الصفحات والشاشات.

4- ومنهم من يغار على دينه وكتابه ورسوله فيعيد النظر في تعامل الأمة مع القرآن ، ويتعهد بالمشاركة في حفظه وتعلمه وتعليمه ، ودعم من يقومون على جهود الحفظ وكذا العلماء بالشرح والبيان .

* ولكن هناك واجب عل كل ذي سلطان في موقعه يمكنه ردع هؤلاء الحمقى :

- ولي الأمر في كل دولة مسلمة أو وزير أو سفير أو مفتي أو عالم مسموع الكلمة مطاع الأمر عليه : أن ينكر السخرية من عقائد الآخرين ، وتقديم من يفعل ذلك إلى محاكمة عادلة ، فهذا هو المتاح في عصرنا .

- أما الواجب الشرعي فقد فعله :

1- النبي صلى الله عليه وسلم عندما أهان يهودي امرأة مسلمة في سوق بمي قينقاع ، فأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة .

2- وفعله أبو بكر رضي الله عنه عندما افترى رجل يهودي اسمه فنحاص وأساء الأدب مع الله فقال – وبئس ما قال - : إن الله فقير يحتاج على القرض !!! فلطمه أبو بكر ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم .

3- وفعله الخليفة العباسي المعتصم بالله عندما استجارت به حرة مسلمة أهانها فاجر من فجار الروم فنادت بصوتها : وا معتصماه ... فهبَّ مسرعا إلى نصرتها وقاد بنفسه جيشا لغزو الروم ولقنهم درسا لا ينسوه .

   طباعة 
2 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 1 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net