:: الأخبار ::

:: الجديد ::

خطر الكلمة

::: عرض المقالة :::

خطر الكلمة
12601 زائر
29-07-2011
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

محاور حلقة برنامج [ حياة القلوب ] لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي على تلفزيون قطر

بعنوان : " خطر الكلمة "

والتي كانت على الهواء مباشرة يوم : 24 / 6 / 2011

· نعمة الكلام والكلمة .

أخرج الترمذي وأحمد عن عدي بن حاتم أن النبي قال: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم ، وينظر أشأم منه فلا يرى ما قدَّم ، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة " .

سبحان من علَّم الإنسان الكلام والبيان ، إذا دخل الهواء إلي فم الإنسان وحرك لسانه خرج منه الكلام ، من الذي أنطقه وعلمه البيان ؟ " الرحمن . علم القرآن . خلق الإنسان . علمه البيان " ، فالكلام نعمة يُفصح بها العبد عما يجول بخاطره ويتحرك في صدره ، وإذا أصاب اللسان الشلل فوقف عن الحركة من إله غير الله يحركه ويعطيه القدرة علي البيان والكلام ؟ سبحان من أنطقنا وحرك ألسنتنا بذكره.

لقد جعل الله عز وجل الكلمة جسرا بين قلوب الناس تصل ما بينهم ، وترجمانا تظهر مشاعرهم ، ودليلا على نواياهم ، لذلك منَّ الله تعالى على عباده بخلق اللسان الذي هو مظهر الكلمة فقال سبحانه( ألم نجعل له عينين* ولسانا وشفتين) . وجعل لصاحب الكلام عظيم الثواب أو أليم العقاب بقدر ما يترتب على كلامه من منافع أو مضار ومن خير أو شر ، وأمر المسلم أن لا يستهين بلسانه فيطلقه ويتكلم من غير بينة ولا تدبر ولا إدراك للعواقب ، قال تعالى( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)

وقد مدح الله تبارك وتعالى المؤمنين الذين يبتعدون عن فضول الكلام واللغو فقال( والذين هم عن اللغو معرضون) .

· ما هي أهمية الكلمة في حياتنا ؟

وسئل بعض الأئمة : كيف تعرف الرجل ؟ قال : إن تكلم نعرفه في حينه وإن لم يتكلم نعرفه في نهاره . أخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي قال: " إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم " .

جراحات الطعان لها التئام ...... ولا يلتئم ما جرح اللسان

جروح الأبدان قد يكون لها علاج وشفاء والتئام ولو بعد حين ، أما بعض جروح اللسان بكلمة فقد تستغرق سنين وليس لها التئام ولا علاج . فبكلمة تقوم الحروب وبكلمة تهدأ وتخمد ، وبكلمة تدخل السرور على مسلم وتكون قمت بأحب الأعمال الى الله وبكلمة تدخل الهم والضيق عليه فتكون قمت بعمل يبغضه الله ورسوله !!

وبكلمة لينة ورحمة تكون سببا فى هداية إنسان وبكلمة تكون سببا فى تنفير مسلم يريد التوبة والاستقامة .

يقول الحسن البصري : إن لسان المؤمن وراء قلبه فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه بلسانه، وإن لسان المنافق أمام قلبه، فإذا همَّ بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه .

الكلمة قبل أن تخرج من فم المؤمن تكون أولا قد مرت علي قلبه ليعطيها جواز المرور ، فيتدبرها ويحاسب نفسه عليها ويسأل نفسه أهذه الكلمة ترضي الله أم تسخطه ؟ وهل الخير في صمتي أم في كلامي ؟ فمن علامة الإيمان في المؤمن أن يقول خيرا أو ليصمت ، وإن كان الخير في سكوته سكت ، وإن كان الخير في كلامه نطق ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس ، والإنسان يملك الكلمة طالما كانت حبيسة اللسان ، أما إذا تكلم بها فهي تملكه ولا يملكها ، ولهذا حذر النبي كثيرا من زلات اللسان وأمر ونصح ورغب في أخذ الحيطة والحذر منه حتى لا يفتح علي صاحبه بابا إلي النار .

روي الترمذي عن عقبة بن عامر قال قلت: يا رسول الله ما النجاة ؟ قال : أمسك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك " . ولله در الشافعي عندما قال :

إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى* وحظك موفور وعرضك صين
لسانك لا تذكر به عورة امرئ* فكلك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايبا * فصنها وقل يا عين للناس أعين
و عاشر
بمعروف وسامح من اعتدى * وفارق ولكن بالتي هي أحسن

* قال يحيى بن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه، حلو وحامض، وعذب وأجاج، وغير ذلك، ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه .

فمحور حياة الإنسان كلها تكمن في "الكلمة" !، فمما يميز الإنسان عن باقي المخلوقات على وجه الأرض هو الكلام والعقل .
- فالقرآن هو كلام الله الذي أنزله على رسوله ليخرج الناس من الظلمات الى النور
- ودعوة الأنبياء و الرسل تكمن في "كلمة".......وهي كلمة التوحيد
- والدعوة الى الله" بكلمة"
- ورتب الله الثواب أو العقاب على" كلمة"
- ويدخل الإنسان في الإسلام "بكلمة" التوحيد أو يخرج من الملة "بكلمة" الكفر
- ويتم الزواج "بكلمة" أو يتم الطلاق "بكلمة"
وكم من "كلمة" أشعلت نيران الحروب أو أدت الى السلام .
وكم من "كلمة" خربت بيوت أو ألفت بينها .
وكم من "كلمة" غيرت مسار حياة إنسان الى النقيض .
وكم من "كلمة" قد يندم الإنسان عليها الباقي من عمره .


* ما هو وصف الكلمة في القرآن والسنة ؟

خص الله تعالى وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم ذكر "الكلمة" في عدة مواضع للتنبيه على خطرها مثل :
قوله تعالى" ما يلفظ من قول ٍ إلا لديه رقيب عتيد " . وقول رسوله
في حديث معاذ الطويل" وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصاد ألسنتهم ؟ " و قوله : " الكلمة الطيبة صدقة" .
آيات من سورة إبراهيم يضرب الله فيها مثلا للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة ، فنقرأ كلام الله بقلوب مفتوحة ، ونتعلم من بيان الله الشافي : " ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء . تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون " . قال ابن عباس
: الكلمة الطيبة لا إله إلا الله والشجرة الطيبة المؤمن .

كم من كلمة طيبة أدخلت السرور علي قلب مسلم ؟ أو هدى الله بها عاصيا ؟ أو فتح بها باب التوبة لشارد عن الحق ؟ أو ألَّفَت بين قلبين علي طاعة الله ونزعت البغضاء بين متخاصمين وأصلحت ما بين متهاجرين ووُصلت بها الأرحام المقطوعة ؟ أو زرعت المحبة والألفة بين المسلمين ونشرت الخير والطاعة والمعروف بين المؤمنين ؟ نعم . الكلمة الطيبة بلسم شاف لأمراض كثيرة كالقلق والاكتئاب والسخط والإحباط واليأس ، وهي الدواء لنفوس حائرة ضائعة في دروب الحياة .

* " ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار " ، الكلمة الخبيثة هي كلمة الكفر ، وكلمة الفتنة ، فهي بذرة فاسدة وكلمة خبيثة تفرق بين الأحبة ، وتزرع البغضاء وتشق الصفوف وتوغر الصدور ، وتفتح باب الشيطان ليدخل إلي القلوب فيخرب ما فيها من الإيمان واليقين .

أخرج أحمد والطبراني عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله : " أيها الناس ألا أنبئكم بخياركم ؟ الذين إذا رؤوا ذكر الله ، ألا أنبئكم بشراركم ؟ فإن شراركم المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون البراء العنت " . أي يبحثون عن أي شئ يعيب الأبرياء وإن كانوا منه براء .

كم من بيوت هُدِّمت وطلاق وقع بين زوج وزوجته بسبب كلمة بغيضة زرعت الشك والكراهية ؟ روي أبو داود والحاكم عن أبي هريرة عن النبي قال : " ليس منا من خَبَّب امرأة على زوجها ؛ أو عبدا على سيده " ، معنى خَبَّب امرأة علي زوجها : أي خدعها وأفسدها عليه .

والكلمة الخبيثة لا منفعة فيها ولا بقاء لها ، فهي كشجرة خبيثة فاسدة عديمة النفع لا بقاء لها إلا أن تقطع من جذورها وتصبح وقودا للنار ، فالشجر الفاسد العقيم الذي لا ثمر له لا أحد يسقيه أو يعتني به وكذلك الكلمة الخبيثة في نهاية المطاف لا تضر إلا صاحبها في الدنيا أو في الآخرة ، فكل إنسان سيجني ثمرة سعيه وكده وعمله . روي أبو داود عن أنس عن النبي قال : " مررت ليلة سرى بي على أقوام يخمشون وجوههم بأظافرهم ، فقلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم " .

فالعاقل من يحفظ لسانه إلا من خير ، ويشغل نفسه بذكر الله والدعوة إليه لتسره صحيفته يوم لقاء الله ، روي مالك في الموطأ قال : بلغني أن عيسى قال لقومه : " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو قلوبكم ، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون . ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد ، فإنما الناس رجلان معافى ومبتلى ، فارحموا أهل البلاء ، واحمدوا الله على العافية " .

· ما هو دور الكلمة في حل أزمات الناس وواقع الأمة ؟

تزداد المسؤولية على اللسان وعلى الكلام عندما يتعدى أمرهما إلى الإضرار بالآخرين أو بالإساءة للغير إما بالنميمة أو بالغيبة، أو بافتراء الكذب، فبكلمة يقولها الرجل يهدم أسرة مترابطة وعائلة متماسكة، فالطلاق كلمة، وبكلمة لا يبالي بها صاحبها قد تسوء العلاقات بين الأصدقاء والشركاء والأحبة، ونحن نعلم أن الزواج والطلاق والبيع والشراء والعقود كلها ما هي إلا كلمة، وهذا كله محسوب على قائله ومسجل عليه ومؤاخذ به كما قال رسول الله لمعاذ بن جبل عندما سأله : وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال : « ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس فى النار على وجوههم- أو على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم ». إن أعضاء الإنسان كلها تتأثر بما يصدر عن اللسان من كلام، فتناشده في كل يوم كما قال النبي إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان وتقول: اتق الله فينا، فإن استقمت استقمنا،

وإن اعوججت اعوججنا».

1- الكلمة وقت الأزمات والمحن لها دور في توجيه الطاقات الكامنة لتخرج إلى النور في صورة عمل نافع بعيدا عن الجدل والترف العقلي الذي لا يعود بفائدة خاصة على الفقراء والمساكين ، رجل الشارع العامي البسيط لا يعنيه إلا قوت يومه وأن يكون آمنا على نفسه وعرضه وماله بعيدا عن السفسطة وفلسفة الأمور .

2- تبصير الناس بما هو المطلوب من كل منهم خاصة في نصرة الحق .

3- الكلمة قد تطفئ نار الفتنة أو توقظها ، وبعض الناس كلامهم معسول يخدعك بسحر بيانه وإن من البيان لسحرا ، ومن هنا يأتي دور الأمانة في الطرح وأن المتكلم يسطر عليه كلامه ويسأل عنه كله " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون " .

· كيف نعلم أبناءنا الكلام الطيب وطهارة اللسان من الفحش والبذاءة ؟

بالقدوة أولا فاللغة بنت المحاكاة ، تقول عائشة لقوم أطالوا السهر والسمر بعد العشاء : ألا تريحون الكتبة ؟؟ انظر إلى اللفظ الحسن .

* وفي شأن تربية الأولاد أنصح بالآتي :
1- القدوة تبدأ من الأبوين باستقامتهما على طاعة الله وتعظيم أوامره والحرص على الصلاة في مواقيتها وتحري الصدق في القول والعمل . فالأولاد يمتصون القيم من أبويهم فكل إنسان يشيب علي ما شبَّ عليه ، الذي يُعلم أهله وولده الصدق سيجني في حياته الراحة ويربي فيهم القوة والجرأة في الحق والصراحة ، فلن يري في أحد منهم وجهين ولا لسانين ، يقول عبد الله بن عامر رضي الله عنه : دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا فقالت : ها تعال أعطك ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما أردت أن تعطيه ؟ قالت : أعطيه تمرا ، فقال لها : أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة " رواه أحمد وأبو داود . لا تعد ولدك وعدا وتخلفه ، ولا تحدثه بحديث هو لك مصدق وأنت له كاذب تحت دعوي المزاح ، فهذا سيغرس فيه الغش والخداع دون أن تدري ، فالوالد قدوة ، ورحم الله من استقام ليقتدي به أهله .

2- الدعاء لهم بصدق في قيام الليل وأوقات السحر وعند الفطر من الصيام ، ولنذكر دعاء إبراهيم عليه السلام لذريته ، ودعاء أم مريم لابنتها وذريتها .

3- أن نقص عليهم قصص الصالحين والعظماء والأبطال ، وأهم هذه القصص هي قصص الأنبياء ثم قصص الصحابة والتابعين ، فالقصة لها الأثر الكبير في نفوس الأولاد ، ويمكننا أن نجعلهم يقرؤون لنا ونناقشهم فيما يقرؤون ونستخرج منهم النية بسؤالنا لهم : هل تريدون أن تكونوا مثلهم ؟ إن قالوا : نعم ، نقول لهم : اعملوا مثل عملهم لتكونوا مثلهم .

وهذان مثالان يمكننا أن نقصهما عليهم لتعلو هممهم :

* أم الإمام مالك عممته بيدها وهو صغير وقالت له : اذهب فتعلم من أدب ربيعة – من فقهاء المدينة السبعة - قبل علمه .

* قال علي بن عاصم الواسطي : دفع إليّ أبي مائة ألف درهم ، وقال لي : اذهب وسافر لطلب العلم ، ولا أرى وجهك إلا ومعك مائة ألف حديث ، فسافر وارتحل وطلب العلم ، ثم رجع لنشره حتى كان يحضر مجلسه أكثر من ثلاثين ألفاً . ( تذكرة الحفاظ : 1 / 317 ) .

4- أن يصحب الولد أباه إلى المسجد لحضور مجالس العلم ومجالسة الصالحين ، ولو كان هناك إمام مسجد صالح مربي يتولاه في حفظ القرآن وتعلم بعض السنن والآداب فهذا أولى ، وأما البنات فيكونوا مع أمهن في حلقات العلم النسائية وتحفيظ القرآن .

· ما هي خطورة اللسان في الوقيعة بين الناس والخصومات وتفريق الأحبة ؟

* اللسان هو زمام الإنسان للخير أو الشر ، فالمرء مخبوء تحت لسانه وإذا تكلم ظهر ما في قلبه ، فالمؤمن لا يتكلم إلا بخير ومعروف فقلبه طاهر نقي يحب الله ورسوله ويحب الخير للمسلمين ، والكافر والمنافق لا يتكلم إلا بشر وفتنة فقلبه أغلف أسود عقيم من محبة الله ومحبة عباده ، فالكلمة لها شأن عظيم في الإسلام ، ومن لم يحفظ لسانه من الفحش والسوء والكذب والبهتان ضاعت منه حسناته ، وجاء يوم القيامة مفلسا ، " وهل يكب الناس علي وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم " .

يقول ربنا سبحانه : " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " ، فما خرج من اللسان مسطر مكتوب وسيقرؤه الإنسان يوم القيامة في كتاب منشور بين يديه ، ويُقال له : " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " ، فهنيئا لمن ملأ صحيفته بذكر الله والتذكير به ، وويل لمن سوَّد صحيفته باللغو والكذب والغيبة والنميمة والمعصية حيث يذهل العاصي من دقة الحساب والإحصاء : " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا " .

أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي قال : " إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تُكَفِّر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا " معنى تكفر اللسان : أي تذل وتخضع له

* ليس هناك شئ يحتاج إلي طول سجن من لسان ، فإنه الذي يورد صاحبه المهالك ، قال بعض الصالحين : خلق الله للإنسان أذنان ولسانا واحدا ليسمع أكثر مما يتكلم . وكم زلة للسان أوجبت هلاك الإنسان وختمت له بسوء الخاتمة ، روي مسلم عن جندب البجلي عن النبي قال : " إن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، قال الله: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان ؟ فإني قد غفرت لفلان ، وأحبطت عملك " . فقد تكلم والله بكلمة أحبطت عمله كله .

روي ابن جرير وغيره عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس، ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء ! فقال رجل في المجلس : كذبت ، ولكنك منافق ، لأخبرن رسول الله ! فبلغ ذلك النبي ، ونزل القرآن ، قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله ، تنكبه الحجارة ، وهو يقول : يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ، ورسول الله يقول : { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } ، ونزل قوله تعالى : " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن " .

كلمة علي سبيل الاستهزاء والسخرية ولكن هلك بها من جعل شعائر الله ميدانا للسخرية واللهو واللعب .

لقد حذر الإسلام من الآثار السيئة للكلام الذي لا طائل من ورائه ومن التحدث في أمور لا تهم قائلها، وأن ذلك قد يوهن الجسم ويتعب الفكر، قال مالك بن دينار: إذا رأيت قساوة في قلبك، وضعفا في بدنك، وحرمانا في رزقك، فاعلم أنك قد تكلمت فيما لا يعنيك . وهذا يتوافق مع العلم الذي أثبت أن كثرة الكلام بغير نفع واللغو في الحديث يستلزم جهدا يؤثر سلبا على طاقة الجسم وقدراته وفكره .

* من صفات عباد الرحمن : " وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا " أَيْ إِذَا سَفِهَ عَلَيْهِمْ الْجَاهِل بِالْقَوْلِ السَّيِّئ لَمْ يُقَابِلُوهُْ بِمِثْلِهِ بَلْ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ وَلَا يَقُولُونَ إِلَّا خَيْرًا كَمَا كَانَ رَسُول اللَّه لَا تَزِيدهُ شِدَّة الْجَاهِل عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا وَكَمَا قَالَ تَعَالَى " وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْو أَعْرَضُوا عَنْهُ" الْآيَة ، وَرَوَى أَحْمَد عَنْ النُّعْمَان بْن مُقَرِّن الْمُزَنِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه وَسَبَّ رَجُل رَجُلًا عِنْده فَجَعَلَ الْمَسْبُوب يَقُول : عَلَيْك السَّلَام فَقَالَ رَسُول اللَّه : " أَمَا إِنَّ مَلَكًا بَيْنكُمَا يَذُبّ عَنْك كُلَّمَا شَتَمَك هَذَا قَالَ لَهُ بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقّ بِهِ وَإِذَا قُلْت لَهُ وَعَلَيْك السَّلَام قَالَ لَا بَلْ عَلَيْك وَأَنْتَ أَحَقّ بِهِ " . ولله در القائل :

يخاطبني السفيه بكل قبح ** فأكره أن أكون له مجيباَ
يزيد سفاهة فأزيد حلماَ ** كعود زاده الإحراق طيباَ

وهذه هي أخلاق الصالحين : قال أبو الدرداء لرجل أسمعه كلاماً : " يا هذا لا تغرقنَّ في سبنا ، ودع للصلح موضعاً ، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله عزّ وجلّ فيه . وشتم رجل الشعبي فقال : إن كنتُ كما قلتَ فغفر الله لي ، وإن لم أكن كما قلتَ فغفر الله لك . رجل قال لضرار بن القعقاع : والله لو قلتَ واحدةً لسمعت عشراً، فقال ضرار: والله لو قلتَ عشراً ما سمعتَ واحدة . وقال الأحنف بن قيس وكان حكيما: ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره ثلاث خصال:

أ – إن كان أعلى مني عرفتُ له قدره.
ب – وإن كان دوني رفعتُ قدري عنه.
ج - وإن كان نظيري تفضلت عليه.

العمر أغلي من الرد علي سفاهة السفهاء ، وكل إناء بما فيه ينضح ، وعند المؤمن ما يشغله ويكفيه من طاعة ربه في رحلة الحياة ، والحياة كلها قصيرة ، وما أشبه الدنيا بسوق قام ثم انفض ، ربح فيه من ربح ، وخسر فيه من خسر .

· ما مدى تأثير الكلمة الطيبة في حياة الزوجين ؟

الكلمة الطيبة كم تمسح من جراح وتداوي أسقام وتنشرح بها نفوس ، فالكلمة لها فعل عجيب في إطفاء نار الفتن والمشاكل بين الزوجين ، والعكس الكلمة النابية الجارحة تطبع في القلب جروحا دفينة قد يصعب علاجها مع الزمن ، فاحذروا من زلات اللسان ، قال الله تعالى : " وقل لعبادي يقولوا التي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا " .

جفاف المشاعر وطول الأمد مع المحن والنكد المستمر يؤدي إلى البرود والنفور وهذا مراد الشيطان ، فالرجل الذي لا يرعى حق امرأته في الدلال والترويح عنها بالكلمة الطيبة والغزل الذي هو قوت قلب المرأة إن لم تسمعه من زوجها فممن تسمعه ، ألا نتعلم من نبينا ومن سيرته ؟

* ونتعلم من سيرة حبيبنا كيف تكون العشرة داخل البيوت :

* التلطف والدلال : من صور الملاطفة والدلال :

أ) نداء الزوجة بأحب الأسماء إليها أو بتصغير اسمها للتلميح أو ترخيمه يعني تسهيله وتليينه، فقد كان يقول لـ[عائشة] :" يا عائش ، يا عائش هذا جبريل يقرؤك السلام .والحديث متفق عليه.إذاً فقد كان يلاطف عائشة ويناديها بتلك الأسماء مصغرة مرخمة .

وفي حديث عائشة

أنها قالت: قال رسول الله : " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله" .

ب) ومن صور المداعبة والملاطفة أيضا إطعام الطعام فقد قال النبي " وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى فِي امرأتك " حتى اللقمة التي ترفعها بيدك إلى فم امرأتك هي صدقة ليست فقط كسباً للقلب وليست فقط حسن تعاون مع الزوجة بل هي صدقة تؤجر بها من الله عز وجل .إذاً فمن صور المداعبة والملاطفة للزوجة إطعامها الطعام . وكم لذلك من أثر نفسي على الزوجة.ماذا يكلفك مثل هذا التعامل ؟ لا شيء إلا حسن التأسي والاقتداء بما يفضي إلى جمع القلوب والتآلف .

· ما هي أهمية الكلمة الطيبة في حياة الدعاة والعلماء والمربين ؟

* أحوج ما نحتاج إليه للكلمة الطيبة عند الدعوة إلي الله وإسداء النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، " ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " ، وقال سبحانه يزكي الدعوة والداعي : " ومن أحسن قولا ممن دعا إلي الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين " ، وقال محذرا عباده من مغبة الفحش وبذاءة اللسان وأنها مدخل من مداخل الشيطان : " وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا " . فالداعي كالطبيب الرحيم والمشفق الناصح الأمين ، والمعصية داء ومرض وتحتاج إلي الحكمة لإخراجها من القلوب ، روي أحمد عن أبي أمامة : أن شابا قال : يا نبي الله ائذن لي في الزنا ؟ فصاح الناس به ، فقال النبي : " قربوه ، أُدْن " فدنا حتى جلس بين يديه ، فقال النبي : " أتحبه لأمك ؟ " فقال : لا، جعلني الله فداك! قال : " كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم . أتحبه لابنتك ؟ " قال: لا، جعلني الله فداك! قال : " كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم . أتحبه لأختك ؟ " وزاد ابن عوف : حتى ذكر العمة والخالة وهو يقول في كل واحد : لا، جعلني الله فداك! وهو يقول : " كذلك الناس لا يحبونه" وقالا جميعا في حديثهما، أعني ابن عوف والراوي الآخر، فوضع رسول الله يده على صدره وقال : " اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه " فلم يكن شيء أبغض إليه منه ، يعني الزنا .

هذه هي الحكمة التي تداوي النفوس ويصلح الله بها الأحوال ويشفي بها الصدور . ورحم الله ابن عمر حينما قال : الكرم شئ هين ، بشاشة وجه وقول لين . والقول اللين هو وصية الله لنبيه موسى وأخيه هارون حينما كلفهما بدعوة فرعون فقال لها : " فقولا له قولا لينا . لعله يتذكر أو يخشى " .

والكلمة الطيبة شجرة لا تموت ، بل ثمارها تظل موفورة بعطائها علي مدار الأجيال والقرون ، ينتفع بها الناس في كل حين ، فالعلم النافع صدقة جارية وما هو إلا كلمة طيبة ، والدعوة إلي الله سبب لهداية الناس ودخولهم في دين الله أفواجا ، ومن يهتدون علي يد الداعي فله نصيب من هدايتهم بسبب دعوته إياهم إلي الحق ، أخرج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله : " من دل علي خير فله مثل أجر فاعله " ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا؛ ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا " .

· ما هو دور الإعلام في الرقي بمنطق التعامل بين الناس ؟

1- تحري الصدق والبعد عن الإثارة القائمة على الإشاعات والظنون وحسن اختيار من يتكلمون في شؤون الأمة ، فمن علامات الساعة أن يتكلم الرويبضة ؟ ... الرجل التافه يتكلم في أمور العامة .

2- حملة تطهير لمنطق الكلام وحوار المتحدثين ، فمن أدب الحوار حسن الاستماع ثم الرد دون تجريح أو تحقير ، وقد يكون الرأيان صوابا فما الحرج ؟

3- تقديم الحلول لقضايا الأمة ، الناس ينتظرون ماذا نفعل ؟ نريد حلولا لقضايانا ومشاكلنا ، فالحديث عن المرض فقط يفشيه ويصيب بالإحباط ، فالمريض إذا ظل يسمع عن مرضه وخطورته فمتى يسمع الدواء ؟

4- التحري عمن يتكلم في دين الله بمعرفة مؤهلاته العلمية وعلى يد من تلقى العلم ، فالدعوة حق لكل مسلم بالحكمة والموعظة الحسنة ، ولكن الدعوة تختلف عن الفتوى وأحكام الحلال والحرام ، كما أن الدعوة ليست بابا مفتوحا لمن لديه صنعة الكلام فإن من البيان لسحرا ، ولكن من المهم التأكد مما يقول ، فكم من داع حدث بحديث موضوع وقصة مختلقة ولفق أحداثا وهمية من نسج خياله ليمتع بها العامة ثم يثبت بعد ذلك أن عامة دروسه ومجالسه قصص باطلة وحواديت استمتعت بها الآذان وربما سجلت في كتب وشرائط ملئت بها بقاع الأرض وهي كذب في ضلال . هل هذا يرضي ربنا ؟ وإذا روجع ونصحه بعض العلماء يتعالى كبرا ويزوغ مدعيا أن تصحيح الخطأ تصيد لأخطاء العلماء وهو ليس بعالم ولا من العلماء .

* كم مرة سُئل النبي عن شئ فما أسرع بالجواب تأدبا مع الله ، فالدين أمانة ، ومقام الفتوى في دين الله مقام عظيم ، لأن المفتي يدخل بين الله وبين عباده في شأن الحلال والحرام ، وبيان الشرائع والأحكام ، سُئِل عن الرُّوح وعن أهل الكهف وعن ذي القرنين ،فلم يجب حتى نزل عليه الوحي، غير عابئ بما يقوله المشركون عندما تأخّر الوحي بالإجابة عليه ، فإذا كان هذا حال نبي الله ورسوله ومصطفاه المكلف من الله ببيان شريعته حيث قال سبحانه : " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّل إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " . فإذا هو يتأدب بهذا الأدب العظيم في مقام الفتوى وعدم التسرع في القول على الله بغير علم ، أليس من باب أولى مَنْ هم دونه من سائر المؤمنين من أمته ؟؟!!!

* روى أبو داود عن جابر قال : خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على النبي أُخْبِر بذلك فقال : " قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العِيِّ السؤال ، وإنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب - شك الراوي - على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده " .

كم كانت شدة غضب النبي على من أفتوا بغير علم حتى هلك الرجل في أيديهم فمات ؟؟!! ألا قالوا : لا ندري ؟ ألا قالوا : الله أعلم ؟ حقا إن الجهل مرض . ودواء الجهل العلم ، والعلم يؤخذ من أهله لا من أدعيائه ، " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ، وإذا كان الإنسان لشدة حرصه على بدنه وجسمه إذا أصابه المرض يسأل عن أفضل طبيب ليأخذ على يديه أفضل دواء رجاء الشفاء ، فإذا كان هذا شدة حرصنا على أبداننا وهي فانية سيأكلها التراب ، أفلا نحرص من باب أولى على قلوبنا التي سنلقى الله بها ، أن نتخير لها العلم النافع الذي يثمر في النفس العمل الصالح ؟!!

العلماء هم الأمناء على ميراث النبوة ، وميراث النبوة هو العلم ، روى أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله : " وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم ؛ فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ " .

* العالم التقي والورع إذا سُئل ليفتي تراه متهيبا للإفتاء ، لا يفرح بالسؤال ولا يباهي بكثرة من يسأله ، ولا يتجرأ على الجواب حتى يكون الحُكْم جليا واضحا في كتاب الله أو سنة رسوله ، أو يكون محل إجماع بين الأمة ، وأما ما اختُلف فيه وتعارضت بشأنه الأقوال والوجوه وخفي حكمه ، فعليه أن يتريث ويتثبت حتى يتضح له الجواب ، فإن لم يجد جوابا توقف ورد العلم إلى الله .

روى الدارمي عن النبي مرسلا قال : " أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار " ، وقدْ كانَ الصحابةُ الكرامُ -رضوانُ اللهِ عليهِمْ- إذَا سُئلَ أحدُهُمْ أحالَ السائلَ إلَى أخيهِ، ووَدَّ أنْ يكفيَهُ الإجابةَ، فعنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى قالَ : لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِى هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الأَنْصَارِ وَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ ، وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ فُتْيَا إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا .

وكانَ ابنُ عمرَ يقولُ : تريدونَ أنْ تجعلونَا جسرًا تعبرونَ علينَا إلَى جهنمَ . وكان ابن عمر يُسأل عن عشر مسائل فيُجيب عن واحدة ويسكُت عن تسع .

وكانَ الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ يَقُولُ : مَنْ أَجَابَ فَيَنْبَغِي قَبْل الْجَوَابِ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَكَيْفَ خَلاَصُهُ فِي الآخِرَةِ ، ثُمَّ يُجِيبَ فِيهَا . ، وسُئِلَ مرة عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري.

وسئل عن مسألة فقال:‏ (لا أدري)،‏ فقيل:‏ هي مسألة خفيفة سهلة،‏ فغضب وقال:‏ (ليس في العلم شيء خفيف) العلم كله ثقيل .‏ هذا هو حال الكبار من الصحابة والعلماء والأئمة فكيف بمن هو دونهم علما وفقها وورعا وتُقى ؟؟

* روى أحمد عن ابن عمر أن النبي سُئل عن خير البقاع ؟ فقال : " لا أدري حتى أسأل جبريل " ، فسأل جبريل فقال : لا أدري حتى أسأل ربي ، فسأل ربه فقال : " خير البقاع المساجد وشرها الأسواق " ، ليت المتسرعون في الفتوى يتعلمون من نبيهم ويتعلمون من جبريل أمين الوحي : كيف نعود ألسنتنا أن تقول لما لا نعلم : لا أدري ؟؟!!!

وقال مالك :‏ "ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك".‏ وفي رواية :‏ "ما أفتيت حتى سألتُ‏ من هو أعلم مني :‏ هل يراني موضعا لذلك " ‏؟‏ فالذي يتسرع بالفتوى ألا سُئل من أذن له بالإفتاء في دين الله ؟ وهل شهد له أحد من العلماء كما شهد للإمام مالك - وهو من هو – سبعون عالما أنه أهل لذلك ؟؟!!!

المفتي يحتاج إلي جانب ورعه وتقواه : فقه النص ، وفقه الواقع ، وكيفية تنزيل الأحكام والنصوص على واقع الناس ، حتى لا يعيش في واد والناس في واد آخر ، وليس عليه أن يخفي حقا أو يكتم علما ، أو يجامل ويداهن في الحق إرضاءا لشهوة وحصول مصلحة ونزولا على هوى ، من علم خطورة مقام الفتوى لما تكلم بكلمة واحدة بغير علم إلى أن يلقى الله ، وبهذا الورع وتلك التقوى يُحفظ الدين عند أهله من العبث على يد الصغار والأدعياء .

فالفتوى من جاهل يترتب عليها عبادة وعمل يُتقرب به إلى الله ، فإن كان خطأ ضيَّع من أفتاه وباء بذنبه ووزره يوم القيامة .

* كيف كان خوف السلف الصالح من القول في الدين بغير علم ؟ وكيف كان ورعهم من مقام الفتوى فلا يجعلونه ميدانا للفخر والاستعلاء وتبؤ المناصب وحب الدنيا ، روي عن ابن المُنكدر قال:‏ "العالم بين الله تعالى وخلقه،‏ فلينظر كيف يدخل بينهم".‏ وعن الشعبي والحسن وأبي حَصِين -بفتح الحاء- التابعيين قالوا :‏ "إن أحدَكَم ليفتي في المسألة ولو وَرَدَتْ على عُمَر بن الخطاب

لجمع لها أهل بدر".

وعن عطاء بن السائب التابعي :‏ " أدركتُ أقواماً يُسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد" .

* من الأدب مع الله ألا يُفتي أحد في دين الله بغير علم ، أو يُحرِّم ويُحلِّل من تلقاء نفسه ، ومن الأدب مع القرآن ألا يُفسَّر بالرأي والهوى ، وإنما يُرجع فيه إلي العلماء ، وهذا دليل علي تقوي القلوب وخشيتها من الله رب العالمين ، فإن أجرأ الناس علي الفتوى أجرأهم علي النار .

ويشتد النهي عن الفتوى بغير علم إذا تعلق الأمر بالقرآن الكريم ، روى أبو داود والترمذي والنسائي عن جندب قال: قال رسول الله : " من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ " .

وروى ابن جرير عن أَنَس قَالَ : قَرَأَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : " عَبَسَ وَتَوَلَّى " ، فَلَمَّا أُتِيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَة : " وَفَاكِهَة وَأَبًّا" ، قَالَ : قَدْ عَرَفْنَا الْفَاكِهَة فَمَا الْأَبّ ؟ ، فَقَالَ : لَعَمْرك يَا اِبْن الْخَطَّاب إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّف . إن القرآن له حرمة كبيرة وليس لأحد أن يتجرأ عليه بغير علم ، فديننا في أعناقنا أمانة ، وإذا هان الدين على أهله تجرأ عليه كل صاحب هوى ومن لا علم له .

وإذا أردنا أن نسأل في ديننا فنسأل عما ينفعنا ، ولا نسأل في ديننا أي أحد بل نسأل العلماء وأهل الفتوى والتخصص ، يقول ابن سيرين : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم . ولا نتسرع بالفتوى بل نرد الفتوى إلي أهلها من الراسخين في العلم ، مع التفريق بين مقام الفتوى ومقام الدعوة ، فالدعوة لعموم الأمة وشرطها الحكمة والموعظة الحسنة ، أما الفتوى فهي للعلماء من هذه الأمة ، وحتى لو كان عالما واشتبه عليه الأمر ، فمن قال هنا : لا أدري فقد أفتى .

* بيت الشعر الذي قتل صاحبه :

الشاعر المعروف : المتنبي ، وهو في طريق العودة إلى الكوفة من مصر تعرض له الحكام الذين هجاهم لينتقموا منه بسبب هجوه لهم فكان أمامه خياران :

الأول :أن يهرب و ينجوا .

الثاني : أن يقاتل فأما أن ينجو و هذا شبه مستحيل أو يموت.

فقرر الهرب ، فقال له مرافقه : أتهرب يا سيدي وأنت القائل :

الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس و القلم

فقرر المواجهة ومات . و قيل إن (هذا البيت قتل صاحبه) .

* نصائح :

1- لا تتكلم فيما لا يعنيك يسلم لك قلبك ودينك .

2- أنت تملك الكلمة فلا تكن عبدا لها لأن الكلمة إذا خرجت منك ملكتك ولم تملكها

3- الكلمة الطيبة صدقة لا مؤونة فيها .

4- أحسن الاستماع يرزقك الله حسن التعبير والبلاغ ، فالله خلق للإنسان لسانا واحدا وأذنان ليسمع أكثر مما يتكلم .

   طباعة 
4 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

29-03-2013

محمد مسعود كامل شعبان

الإسم
بارك الله فيكم وجمعنا واياكم في جنته انه ولي ذللك والملك المالك عليه وجزاكم الله خيرا
التعليق
[ 1 ]
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 8 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
الاستغلال الوظيفي - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net