:: الأخبار ::

:: الجديد ::

منهج القرآن في الرد على استهزاء المشركين بالأنبياء والرسل

::: عرض المقالة :::

منهج القرآن في الرد على استهزاء المشركين بالأنبياء والرسل
7312 زائر
16-10-2012
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

منهج القرآن في الرد على استهزاء المشركين بالأنبياء والرسل

لقاء الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

يوم السبت : 20 ذو القعدة 1433 هـ الموافق : 6 / 10 / 2012 مـ

على قناة الشارقة حول منهج القرآن في الرد على استهزاء المشركين بالأنبياء والرسل .

إن الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .

* إن الله اصطفى الأنبياء والرسل من بين خلقه ، واصطفى من الأنبياء والرسل خاتمهم نبينا وحبيبنا وشفيعنا محمدا صلى الله عليه وسلم

فهو خيرة خلق الله ، أدبه ربه فأحسن تأديبه ، ومدحه في القرآن

بقوله : " وإنك لعلى خلق عظيم " ، وكم تحمل من أذى وعنت وسفاهة من قومه ولكنه صبر صبر الواثق بوعد ربه ، ولم تزده الشدة والبلايا

والمحن إلا إصرارا على دعوة الحق وتبليغ دين الله إلى جميع خلقه .

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كسرت رباعيته ، وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقا شديدا ، وقالوا : لو دعوت عليهم ! فقال : إني لم أبعث لعانا ، ولكني بعثت داعيا ، ورحمة . اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون .
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في بعض كلامه : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! لقد دعا نوح على قومه ، فقال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [ نوح : 26 ] . ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا ، فلقد وطئ ظهرك ، وأدمي وجهك ، وكسرت رباعيتك ، فأبيت أن تقول إلا خيرا ، فقلت : اللهم اغفر لقومي ، فإنهم لا يعلمون .
قال القاضي عياض في كتابه (الشفا بحقوق المصطفى) : انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ، ودرجات الإحسان وحسن الخلق ، وكرم النفس ، وغاية الصبر ، والحلم ؛ إذ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنهم حتى عفا عنهم ، ثم أشفق عليهم ، ورحمهم ، ودعا ، وشفع لهم ، فقال : اغفر أو اهد ، ثم أظهر سبب الشفقة ، والرحمة بقوله : لقومي ، ثم اعتذر عنهم بجهلهم ، فقال : فإنهم لا يعلمون .

ولما قال له الرجل : اعدل ، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله لم يزده في جوابه أن يبين له ما جهله . ووعظ نفسه ، وذكرها بما قال له ، فقال : ويحك ! فمن يعدل إن لم أعدل ! خبت ، وخسرت إن لم أعدل ! ونهى من أراد من أصحابه قتله .

ولما تصدى له غورث بن الحارث ليفتك به ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم منتبذ تحت شجرة ، وحده قائلا ، والناس قائلون ، في غزاة ، فلم ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم ، والسيف صلتا في يده ، فقال : من يمنعك مني ؟ فقال : الله فسقط السيف من يده ، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : من يمنعك مني ؟ قال : كن خير آخذ ، فتركه ، وعفا عنه . فجاء إلى قومه فقال : جئتكم من عند خير الناس .

وحب النبي صلى الله عليه وسلم حب واجب على كل مسلم ، فهو الذي أنقذنا الله به من الضلالة وهدانا به سبل السلام وأخرجنا به من الظلمات إلى النور ، ففتح الله به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين "رواه البخاري ومسلم.

· هل مسألة الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم مسألة جديدة ؟ (التعليق على قوله تعالى: (ولقد أرسلنا قبلك في شيع الأولين . وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون) .

الاستهزاء الأنبياء والرسل ليس جديدا ولكنه سنة ماضية تكررت مع جميع من سبق " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا " ، بل امتدت السخرية والاستهزاء إلى كل مؤمن من أتباع الرسل والأنبياء كما أخبر القرآن الكريم : " إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون . وإذا مروا بهم يتغامزون . وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين . وإذا رآوهم قالوا إن هؤلاء لضالون " .

فالكفار والمنافقون والملحدون سنتهم واحدة لأنهم على الباطل ويكرهون الحق لأنه يصطدم مع أهوائهم الفاسدة وشهواتهم الجامحة ونفوسهم المريضة وقلوبهم القاسية ، وقد ذكر القرآن الكريم نموذجا من سخرية هؤلاء الأقوام لنبي زمانهم وهو نوح عليه السلام : " كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه " . كيف يصنع سفينة في البر وأين هو الماء الذي ستمشي عليه ، وذا نموذح ذكره القرآن لطبيعة نفوس الكفار النكدة المريضة .

لهذا قال الله تعالى لنبيه : " ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا " .

· لماذا تكرر في القرآن الكريم ذكر استهزاء المشركين برسلهم وأنبيائهم ؟

1- تسلية وترية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم حتى يصبر على الأذى ، فهذا الذي يلقاه من سخرية وسخافة واستهزاء قد لقيه من سبقه من إخوانه من الأنبياء والمرسلين .

2- درس للدعاة وأتباع الرسل ليتعلموا أن الابتلاء سنة الله في كل مؤمن ، وذلك حتى يستقيموا على طاعة الله ولا يفارقوا الحق .

3- تقوية المناعة الإيمانية في قلوب المؤمنين حتى لا يفرطوا في الحق ولا يتأثروا بأهواء الساخرين ولا يضروهم بالتنازل عن الحق إرضاء لهم ولا يخافوا من سخريتهم لأن هذا لا يؤثر على صدق المنهج وصحة الطريق .

· هل الاستهزاء بالرسل جزء من الابتلاء لهم على اعتبار أن أعظم الناس بلاء الأنبياء ؟

روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) . وفي رواية ينضح الدم عن وجهه .

وروى البخاري عن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى عن الأرض وما عليه خطيئة " .

السبب في هذا :

1- أنهم قدوة لغيرهم حتى يجد المبتلون في أنبيائهم عزاءا وقدوة .

2- أنهم أعظم الأمة إيمانا وأعلاها قدرا لهذا نصيبهم من الابتلاء أكبر وأعظم .

· ما هي الدوافع التي تجعل المشركين يستهزئون بالرسل قديما ؟

1- الكفر : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُون . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) . عن عبد الله بن عمر قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلس : ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء !

فقال رجل في المجلس : كذبت ، ولكنك منافق ! لأخبرن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ونزل القرآن . قال عبد الله بن عمر : فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنكبه الحجارة ، وهو يقول : يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) .

2- الحسد : (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) .

فكفار قريش كأبي جهل وأشباهه كانوا يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا رأوه ، ويتخذونه هزواً ، ويقولون ( أهذا الذي ذكر آلهتكم ) أي يسبها ويسفه أحلامكم . والاستفهام في قولهم (أهذا) مستعمل للتعجب ، كأن النبي صلى الله عليه وسلم عجيبة من عجائب الدهر . وكذلك فاسم الإشارة (هذا) مستعمل في التحقير وذلك بقرينة الاستهزاء التي دل عليها السياق .

(وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) .

3- الجهل : (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ) . قال الواحدي في سبب نزولها : وكذلك نزلت في رجل من نصارى المدينة كان إذا سمع المؤذن يقول :أشهد أن محمداً رسول الله ،قال :حرق الكاذب ، فدخل خادم هذا الرجل المستهزئ بنار ذات ليلة ،وكان هذا المستهزئ نائماً وكذلك أهله نيام ، فتطايرت شرارة من النار التي دخل بها الخادم ؛ فأحرق البيت،فاحترق النصراني المستهزئ وأهله وبيته .

4- حب الجاه والحرص على الدنيا : (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) . والكفار يسخرون من فقراء المؤمنين كبلال و عمار و صهيب - رضي الله عنهم - لفقرهم و إعراضهم عن الدنيا . وهذه السخرية سخرية مستمرة غير منقطعة و هذا ما تدل عليه صيغة الاستقبال (ويسخرون من الذين آمنوا) .

5- الإفلاس في ميدان الحجة : (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) . وهذه بعض مظاهر هذا الإفلاس :

· الحرب على الحجاب وسن القوانين التي تضيق على حرية المسلمة في طاعة ربها وستر نفسها .

· منع بناء المآذن والتضييق على بناء المساجد .

· حرق المصحف على يد قسيس أمريكي موتور

· ثم جاء سب الرسول والنيل منه عن طريق الرسومات المسيئة أو الأفلام الساخرة .

وهذا كله دليل على إفلاس الغرب في ميدان الحجة ، وانبهارهم بهذا المد الإسلامي الهائل الذي أفقدهم توازنهم وهم لا يجدون حيلة في دفعه ولا وسيلة في الحد منه ووقف امتداده . فجاءت هذه التصرفات الحمقاء كدليل على العجز في ميدان الحجة والدليل والبرهان . واستهداف النبي الكريم والقرآن والمقدسات ليس جديداً فمن الآيات الشيطانية إلى الرسوم الساخرة بالنبي الكريم ، إلى العزم على تخصيص يوم عالمي لحرق القرآن الكريم !!!

· ما هي الدوافع التي تجعل الحاقدين في العصر الحالي يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟

هناك أسباب ثلاثة :

1- وَجَدُوا فِي دعوةِ النبيِّ وفِي كتابِهِ الخالدِ مَا يُعارِضُ أهواءَهُمْ ويُقاوِمُ ضَلالَهَمْ ، ويَفْضَحُ طُغْيانَهُمْ فِي البلادِ والإِكثارَ فيهَا مِنَ الفسادِ . ودعوة النبي أيضا تصطدم مع شهواتهم الجامحة حيث أن ثقافتهم تقوم على الإباحية والانفلات من كل قيم وأخلاق فليس في قاموسهم شئ اسمه عيب أو حياء بل حتى لايعرفون شئ اسمه بر الوالدين ولا يدرسونه أو يعلمونه لأبنائهم فماذا ننتظر منهم ؟؟!!!

2- ورَأَوْا أنَّ دعوتَهُ لاَ تَقِفُ في وجْهِهَا سُدُودٌ مَهْمَا أُحْكِمَتْ ، ولاَ تَشُلُّ حَرَكَتَهَا قُيودٌ مَهْمَا شُدِّدَتْ ، إنَّهَا بوضُوحِهَا وشُمُولِهَا ، وواقعيتِهَا وربانيتِهَا وعالميتِهَا تنتقلُ مِنْ قَرْنٍ إلَى قَرْن ، ومِنْ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ ، ومِنْ قَلْبٍ إلَى قَلْبٍ ، وهيَ تأخذُ طريقَهَا فِي الانتشارِ شرقًا وغربًا ، والناس يدخلون في دين الله أفواجا ، وهذَا كُلُّهُ يُثِيرُ حِقْدَهُمْ وحَسَدَهُمْ ، ويجعلُ قُلُوبَهُمْ تَتَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ، قالَ اللهُ تعالَى : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ

غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ "

وقال وَرَقَةَ بنِ نَوْفَلٍ لِرَسُولِ اللهِ : لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِىَ .

وإفلاسهم في ميدان الحجة حيث لم يعد لديهم ما يقدمونه للبشرية الحائرة الضائعة من شئ يخرجها من شقائها وتعاستها .

3- جهل الأمم والشعوب في تلك البلدان وقلة علمها بهذا النبي الكريم وهذه ثمرة مرة للتقصير في واجب الدعوة إلي الله وهي أمانة في عنق كل مسلم يحب الله ورسوله ويغار علي دينه وعقيدته : " قل هذه سبيلي أدعو إلي الله علي بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين " .

4- صرف أنظار الأمة واهتمامها عن قضايا ساخنة ودماء تراق ومآسي تتعرض لها عن طريق افتعال أزمات تشتت جهودها وتصرف نظرها عما نزل بها .

المقصود من هذه الأفعال السفيهة هو استدراج المسلمين للوقوع في الخطأ عن طريق حماسة بعض المسلمين ممن يغارون على دينهم ونبيهم وكتابهم فيقومون ببعض الأعمال الطائشة ، وهنا يأتي دور آلة الإعلام الجبارة التي يمتلكها هؤلاء الحاقدون فيسلطون الأنظار على ردود الأفعال متناسين تماما الأفعال المشينة والمسيئة التي أدت إلى ردود الأفعال .

وهذه اللعبة غير الشريفة ولا النزيهة مكشوفة تماما لكل ذي بصر وبصيرة ، ولا تحتاج إلى عناء في فهم أبعادها ومراميها ، وليس هذا التصرف من شرف الخصومة في ميدان الحجة والدليل والبرهان الذي تختلف فيه العقول ويحتاج إلى مساحة الحرية في التعبير عن الرأي التي ينادون بها وهم أبعد الناس عنها قلبا وقالبا ، فدعاواهم في المشرق وأفعالهم في المغرب ، ويقولون بألسنتهم ما لا يفعلون بجوارحهم .

سيوجد بعض الحمقى ممن لا عقول لهم سيحاولون الاستهزاء بكل رمز ديني والاستهانة به ، فيجب على الأمة الحذر واليقظة وتفويت الفرصة على هؤلاء الحاقدين حتى لا يعبثوا بعقيدة المسلم ، لأنهم من المستحيل أن يتجرؤوا على فعلتهم الشنيعة هذه إلا بعد يقينهم من ضعف الأمة أو موتها بالشهوات والغفلات وأنها لن تحرك ساكنا .

فهذه الأفعال بمثابة جس نبض الأمة ليتبين أعداؤها : هل هي حقا أمة ميتة هامدة مشلولة لا حراك فيها ، أم ما زالت أمة حية فيها بقية رمق من حياة ، وهم يحاولون جهدهم وصف المسلمين بأنهم أمة همجية جاهلة فوضوية لا تعرف نظاما ولا حضارة ، ويسلطون الضوء على بعض السلبيات التي لا ينفك عنها أي مجتمع بشري ، فمن من البشر معصوم لا خطأ له ؟ ولكن تسليط الضوء على البقعة السوداء في الثوب الأبيض يدل على سوء النية وفساد الطوية ، وهذا المنهج الانتقائي الذي أسهب الغرب في التنفير منه والبعد عنه ووصفه بأنه مهج غير علمي ولا يمت للحقيقة بصلة ، هم الآن من يقعوا فيه ، فيدخلون على الأحداث من باب الهوى وينتقون منها ما يشفي غليل صدورهم من الكره والعداء للإسلام ، بل ويصفون عامة المسلمين المسالمين الطيبين بالإرهاب ، ويلصقون بهم هذه التهمة الظالمة ، والإرهاب مصطلح من صنعهم يبررون به جرائمهم وفظائعهم ضد البشرية التي تعشق الحياة الكريمة وتريد أن تحيا على الأرض بالحرية الكاملة التي ولدت بها من بطون أمهاتها .

· هل يصل النبي صلى الله عليه وسلم أذى من الاستهزاء به ؟

قال الله تعالى : " ورفعنا لك ذكرك " وقال حسان بن ثابت :

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه... إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد

وشق لــه من اسمه ليجله... فـذو العرش محمود وهذا محمد

والعجيب في شأن النبي وشأن دينه ودعوته أنهم لو تركوه وسكتوا لانتشر الإسلام بهدوء ودخل الناس في دين الله أفواجا ، ولو حاربوه لدخل الناس أضعافا مضاعفة من باب حب الفضول والاطلاع وحب المعرفة : من هو محمد الذي يسيؤن إليه ؟ فالنبي بهذا الابتلاء والاستهزاء :

أ) تزداد محبته في قلوب أتباعه ولا يزداد المسلمون له إلا حبا وتعظيما ومهابة وجلالا ووقارا .

ب) يعامل الله المستهزئين بعكس مقصودهم فتنتشر دعوته ويزداد حماس المسلمين للتعريف بنبيعن ودعوة الناس إلى شريعته ، فكأن فعلتهم هذه أيقظت بعض النيام في الأمة للحمية والدفاع عن دينهم ونبيهم .

1- روى مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال : " كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة و آل عمران.. و كان يكتب للنبي فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب ، قال فعرفوه قالوا هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا " .

فهذا الملعون الذي افترى على النبي أنه ما كان يدري إلا ما كتب له قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارا وهذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذا عقوبة لما قاله وأنه كان كاذب ، إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا.


2 - قد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكلاهما لم يُسْلم، لكن قيصر أكرم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكرم رسوله ، فَثَبَتَ ملكه ، فيقال : إن الملك باقٍ في ذريته إلى اليوم .

أما كسرى مَزَّقَ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتله الله بعد قليل، ومزق ملكه كل ممزق، و لم يبق للأكاسرة ملك، وهذا ـ والله أعلم ـ تحقيق قوله تعالى: ** إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ } [الكوثر : 3] ؛ فكل من شنأه وأبغضه وعاداه فإن الله تعالى يقطع دابره، ويمحق عينه وأثره، وقد قيل: إنها نزلت في العاص بن وائل، أو في عقبة بن أبي معيط أو في كعب بن الأشرف، وقد رأيت صنيع الله بهم.

· وقفة عند قوله تعالى: (إنا كفيناك المستهزئين) وقوله تعالى (والله يعصمك من الناس) قد يقول قائل: كيف نفهم هذه الآية في ضوء وجود استهزاء فعلا ؟

العصمة هنا هي العصمة من القتل ويؤكد هذا سبب نزول الآية وأقوال الصحابة فيها : ذكر ابن حجر في الفتح : عن أبي هريرة قال " كنا إذا نزلنا طلبنا للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم شجرة وأظلها، فنزل تحت شجرة، فجاء رجل فأخذ سيفه فقال: يا محمد من يمنعك مني، قال: الله فأنزل الله: " والله يعصمك من الناس " وهذا إسناد حسن، فيحتمل إن كان محفوظا أن يقال كان مخيرا في اتخاذ الحرس فتركه مرة لقوة يقينه، فلما وقعت هذه القصة ونزلت هذه الآية ترك ذلك.

وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت: والله يعصمك من الناس "

أما الاستهزاء فإنه لا يضيره شيئا بل يرفعه وعاقبة المستهزئين هي الخسران في الدنيا والآخرة ، ولله در القائل :

اصبر على كيد الحسود * فإن صـبرك قـاتلــه

فالنــار تـأكل بعضـــها * إن لم تجد ما تأكله

وقال غيره :

كناطحِ صخرةٍ يوماً ليُوهنها فما أَوهَنَها وأوهى قِرنَهُ الوعلُ

· ألا يقع علينا شيء من اللوم حين يستهزئ بعض الناس بنبينا ؟ ألسنا نحن من قصر في نشر سيرته والتعريف به بين الأمم ؟

نعم لتقصيرنا في التعريف بنبينا وإحياء سنته ودعوة الناس إلى دينه وشريعته .

1- أن الغضب من الإساءة لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أمر مشروع ومطلوب وهو من دلائل الإيمان، وأن الحمية للدفاع عنه ومنع الإساءة له غيرة إيمانية محمودة والواجب ضبط كل ذلك بالحكم الشرعي والعمل فيه وفق الهدي النبوي لئلا ندافع عن الرسول صلى الله عليه وسلم بمعصيته ومخالفة أمره وهديه.

2- ربط الغضب والغيرة بالهدف وهو إيقاف هذه الإساءات ومنع تكرارها وتجريم فاعليها، والارتباط بهذا الهدف الأسمى بترك كل عمل قد يزيد هذه الإساءات أو يوسع دائرة انتشارها أو يفضي إلى تكرارها أو يوجد الذرائع لحماية فاعليها قانونيا تحت حجج حماية حرية التعبير .

3- الواجب علينا لا يقتصر على الرد على الإساءات التي تصدر ولا على تفنيد الشبهات التي تروج بل الواجب يتعدى ذلك إلى لزوم قيامنا بالتعريف برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وأخلاقه العظيمة ورسالته الخالدة وذلك لإزالة الجهالة ومعالجة الصور النمطية المسيئة الموجهة للشعوب من خلال جهود الحاقدين وتأثيرهم في مجالات الإعلام والسياسة, فيحب ألا ننتظر الإساءات بل نتقدم بالمبادرات والمشروعات التي توصل السيرة العطرة لكل شعوب الأرض بمختلف وسائل العرض.

· ما هو الحكم الشرعي لشاتم الرسول صلى الله عليه وسلم ؟

إن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به من نواقض الإيمان التي توجب الكفر ظاهرا وباطنا سواء استحل ذلك أو لم يستحله

قال تعالى : " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم "

(التوبة : 64-65) .

روى ابن أبي حاتم بإسناده عن عبدالله بن عمر قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوما : ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء لا أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء فقال رجل في المجلس : كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن قال عبدالله : فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة وهو يقول : يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أبالله ورسوله كنتم تستهزئون .


* المسلم إذا سبّ النبي يقتل بإجماع العلماء والمذاهب الأربعة:

لم يختلف المسلمون، لا في المذاهب الأربعة ولا غيرها؛ أن "المسلم" إذا سبّ النبي حدّه القتل، وقد نقل الإجماعات كثير من أهل العلم، وقد نقل الإجماعات عدد من علماء القرن الثالث والرابع ومن بعدهم.

فمن أهم المتقدمين الذين نقلوا الإجماع الإمام محمد بن سحنون (ت256هـ) وقد نقلها عنه ابن دحية في نهاية السول:

(قال إمام أهل أفريقية محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي –صلى الله عليه وسلم- المنتقص له؛ كافر، وحكمه عند الأئمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر)[نهاية السول في خصائص الرسول: ص261، تحقيق الفادني].

وهذا النقل الذي نقله ابن دحية عن ابن سحنون قد يكون من رسالة ابن سحنون التي ذكرها أهل التراجم عنه، فقد قال ابن فرحون عن مؤلفات ابن سحنون (ذكر تآليفه: ألف ابن سحنون.. ورسالة فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم)[الديباج المذهب:ص236]. والله أعلم بحقيقة الحال.

وقال ابوبكر الفارسي من متقدمي الشافعية (ت305هـ) في كتاب صنفه في مسائل "الإجماع" (حد من يسب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القتل)[نهاية المطلب للجويني:18/46]. ونص ابو بكر الفارسي على أن هذه من مسائل الإجماع.

ومنهم الإمام الجليل المعروف ابن المنذر (ت319هـ)، وهو من أشهر من اعتنى بنقل فقه طبقتي "الصحابة والتابعين" بشكل خاص، حيث يقول ابن المنذر (ت319هـ) رحمه الله في كتابه الذي صنفه في الإجماع:

(أجمع عوام أهل العلم على أن حد من سب النبي -صلى الله عليه وسلم- القتل)[الإجماع لابن المنذر:2/584، تحقيق الجبرين].

وقال الخطابي (ت388هـ): (سابّ النبي -صلى الله عليه وسلم- مقتول، ولا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله)[معالم السنن:3/296].

وقال عالم المغرب القاضي عياض اليحصبي (ت544هـ) ما نصه: (أجمعت الأمة على قتل متنقص النبي من المسلمين، وسابّه)[الشفا:2/467].

وقال ابن تيمية (ت728هـ) (الساب إن كان مسلما فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك)[الصارم المسلول على شاتم الرسول:ص4].

وقال السبكي (ت756هـ) (الفصل الأول: في وجوب قتله، وهو مجمع عليه..، ومن استقرأ سير الصحابة، تحقق إجماعهم على ذلك، فإنه نقل عنهم في قضايا مختلفة منتشرة، يستفيض مثلها، ولم ينكره أحد)[السيف المسلول على من سب الرسول للسبكي: ص119-122، تحقيق إياد الغوج].

وهذا الإجماع على (قتل المسلم الذي سبّ النبي صلى الله عليه وسلم) مستقر في المذاهب الأربعة لأهل السنة، وانظر على سبيل المثال: المذهب الحنفي (مجمع الأنهر:1/677) المذهب المالكي (البيان والتحصيل:16/398) المذهب الشافعي (نهاية المطلب:18/46) المذهب الحنبلي (شرح المنتهى:3/394) وغيرها، وهذه مجرد نماذج .

ولسنا بحاجة لنقل اقتباساتهم لأن المسألة أصلاً محل إجماع، ولا مخالف في أصل المسألة، لا من أهل العلم السابقين ولا المعاصرين.

وبسبب ظهور هذه المسألة وشهرتها، أعني قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد بوّب عليها أهل الحديث في مصنفاتهم في السنة النبوية، ومن ذلك أن البخاري قال في صحيحه (باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي صلى الله عليه وسلم)[البخاري:6926]

وقال أبو داود في سننه (باب الحكم فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم) [أبو داود :4361]

وقال النسائي في سننه (الحكم فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم) [النسائي:4070]

وقبل هؤلاء قال عبد الرزاق (ت211هـ) في مصنفه (باب من سب النبي -صلى الله عليه وسلم- كيف يصنع به؟)[المصنف:5/307].

وقال ابن أبي شيبة (ت235هـ) في مصنفه (قتل من يشتم الرسول صلى الله عليه وسلم)[المصنف: 7/301].

وإفراد أهل الحديث، وأهل الفقه، لمسألة (سب الرسول صلى الله عليه وسلم) من بين مسائل الردة، وفي وقت مبكر، ونقلهم الآثار الخاصة فيها؛ يدل على اختصاصها والتشديد في شأنها، وأنها ليست داخلة في مفهوم الردة بالعموم فقط، بل فيها أدلة خاصة واعتبارات خاصة، فهي عقوبة مستقلة في الفقه الإسلامي .

· لماذا جاء هذا الوعيد الشديد والحكم الشرعي المغلظ في شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم بينما لم يأت مثل هذا الوعيد فيمن سب الذات الإلهية ؟

أجمع أهل العلم على أن سب الباري جل وعلا كفر بالله تعالى ، وأن من صدر منه ذلك فهو كافر مرتد . وأما من تاب من ذلك فإن جمهور أهل العلم أجمعوا على صحة توبته قال تعالى : "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم " .

أما شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم فقول الجمهور فيه هو أن يُقتل ولا تُقبل منه توبة ، هذا هو الحكم قضاءا أي الظاهر الذي تنبني عليه أحكام الشريعة ، أما توبته ديانة فقد تٌقبل منه لأنها بينه وبين الله ، والله تعالى يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك .

وأما من يسب الله تعالى فلا خلاف في عقوبته ، ولكنه يُستتاب لأن حقوق الله قائمة على المسامحة ، واما من سب الرسول فلا يستتاب لأن الجرم تعلق بحق آدمي ، وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال ثلاثة :

القول الأول: يقتل بكل حال ولا يستتاب، فإن تاب لم تقبل توبته.

وهذا مذهب الحنابلة والمالكية.

الدليل : دليل القول الأول الذين قالوا بأن من سب الله وسب رسوله هو كافر ويجب قتله دون الاستتابة، وهؤلاء لهم حظ من الأثر والنظر.

أ) أما من الأثر: فقد قالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، والفاء للتعقيب، وليس ثمة مهلة ولا تراخ، وهذا في الردة فما بالكم بأغلظها وهو التجرؤ على الذات الإلهية المقدسة فوجب القتل دون الاستتابة.

ب) دليل القول الأول من النظر: قالوا: غِلَظُ هذه الردة في سب الذات الإلهية، أو سب عرض النبي صلى الله عليه وسلم يجرئ السفلة الرعاع على الله وانتهاك حرمته وانتهاك حرمة النبي صلى الله عليه وسلم، والواجب أن نمنع الألسنة من التجرؤ على الله أو على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا القول له قوة وحظ من النظر.

القول الثاني: يستتاب ويعامل معاملة المرتد، فإن تاب قبلت توبته وسقط القتل سواء في سب الله أو سب رسوله، وهذا مذهب الشافعية والأحناف ورواية عن أحمد ، وهو قول الجمهور.

الدليل : دليل القول الثاني وهم الشافعية والأحناف ورواية عن أحمد الذين قالوا: تقبل التوبة ويعامل معاملة المرتد،

أ) دليلهم من الأثر : قالوا: (من بدل دينه فاقتلوه)، الفاء للتعقيب، لكن الصحابة الذين هم أعلم الناس برواية النبي صلى الله عليه وسلم وبمراده قد طبقوا الاستتابة في المرتدين، فإن عمر بن الخطاب عندما أرسلوا له في رجل قد ارتد فقتلوه دون استتابة قال: (اللهم إني لم أشهد ولم أرض).

ب) ودليل القول الثاني من النظر أنهم نظروا إلى مقاصد الشريعة وقالوا: الشرع ينظر إلى العتق وينظر إلى الحرية، ويأمر بعتق الرقبة، فهل هناك أعظم رقّاً من الكفر؟!والله جل في علاه أرحم بالعبد من أمه ومن نفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ قالوا: لا، قال: لَلَّهُ أرحم بالعبد من هذه الأم بولدها)، فالله أرحم بالعباد من أنفسهم وأمهاتهم فهو القائل سبحانه: " وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ "[الأعراف:156]، (والله جل في علاه أفرح بتوبة العبد من فرح العبد عندما رجعت إليه دابته وعليها طعامه وشرابه)، كما في الحديث المشهور.

القول الثالث: هو التفريق والتفصيل، فقالوا: نفرق بين الله وبين رسوله، فمن سب الله جل في علاه فتاب قبلت توبته وسقط القتل، ومن سب الرسول صلى الله عليه وسلم فتاب لم تقبل توبته، ولم يسقط القتل، أو نستتيبه فيتوب حتى لا يقتل ردة فيقتل حداً .

الدليل : التفصيل عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة الذين قالوا: التفريق والتفصيل بين الله وبين رسوله، وهؤلاء لهم أدلة كلها من النظر قالوا: الأصل في حق الله المسامحة، كما جاء في الحديث: (من تاب تاب الله عليه)، وقوله: (وإن تقرب إلي عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).

فهذا دليل على أن الأصل في حق الله: المسامحة.

وأيضاً التجرؤ على الله لا يقلل من هيبة الله وعظمته في القلوب؛ لأن من يتجرأ على الله جل في علاه يعلم أن الله قد يصيبه بالعمى، أو بالموت، أو بتحقير الناس له.

فإبليس لما أعلن سوء الأدب مع الله تعالى أوجب الله عليه اللعنة، والجميع يعلم أن الله قادر على كل شيء، إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون.

أما إبليس فقد قص الله علينا سوء أدبه معه كما قال الله تعالى " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "[الإسراء:61-62]، إلى آخر الآيات.

فإبليس يقدح في حكمة الله جل وعلا ، فلسان حاله: ليس من الحكمة ولا من العدل أن يسوي الله بين النار والطين، قال: " أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ " [الأعراف:12].

ولم يتجرأ كثير من الكافرين على أن ينتقصوا من قدر الله، فهم يشركون بالله اعتقاداً منهم أنها ديانة وليست مسبَّةً ولا انتقاصاً، فالذين يعبدون الأصنام يقولون: " مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى " [الزمر:3] ، فهم يعظمون الله ولا يتجرءون على التنقيص من قدر الله ولا الاستهزاء بالذات المقدسة، فقالوا: حرمة الله في القلوب معظمة.

أما بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم فالأصل في حقه أنه حق آدمي، وهذا الحق لا يسقط إلا إذا أسقطه النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم نجد النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا فإنه لا يسقط، والدلالة على ذلك ما جاء في الصحيح: (أن رجلاً غائر العينين دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقام خالد بن الوليد وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق)، فهذا الرجل قدح في عدالة النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدَّ بذلك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط حقه؛ لأن له أن يسقط حقه وهو موجود، لكن لما كان النبي صلى الله عليه وسلم غير موجود بين أظهرنا لم يسقط حقه، فاستحق منتقصه القتل.

إذاً: الأصل في حق الله جل في علاه المسامحة، وأن من تاب تاب الله عليه، وأن من أتى بقراب الأرض خطايا ثم استغفره سبحانه غفر الله له.

* الترجيح : الراجح في هذه الأقوال هو القول الثالث الذي فيه التفريق بين من سب الله وسب رسول الله، فمن سب الله فتاب تاب الله عليه ويسقط عنه القتل، وأما من سب رسول الله فإننا نستتيبه وندعوه إلى التوبة، فإن تاب قتلناه حداً لا ردة، حفظاً لجناب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولأنه ليس بين أظهرنا حتى يسقط حقه، وأن الأصل في حق الله جل في علاه المسامحة، ولن تصيب الله معرة من سب أحد من الرعاع السفلة، والتجرؤ على ذاته المقدسة.

وهذا التفريق قال به بعض الشافعية وبعض الحنابلة لأنهم رجَّحوه بالإسلام، قالوا: إذا تاب من سب الله جل وعلا قبلت توبته وسقط القتل، وإن تاب من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلت توبته لكنه لا يسقط عنه القتل بحال، بل لا بد أن يقتل ردعاً وزجراً حتى لا يتجرأ أحد على أن يسبَّ عرض النبي صلى الله عليه وسلم .

* الفرق بين التوبة والاستتابة ؟

التوبة لها شروط ثلاثة زهي :

1- الإقلاع عن الذنب .

2- لندم على فعله .

3- العزم على عدم العودة إليه مستقبلا .

وأما الاستتابة فهي طلب التوبة من المذنب الذي وقع في الذنب ربما بجهالة أو شبهة ، فيقوم العلماء بإزالة الشبهة وإقامة الحجة ، فإن رجع عن ذنبه ولم يصر عليه قُبل منه وإلا عوقب .

   طباعة 
0 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 3 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ
الاستغلال الوظيفي - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net