:: الأخبار ::

:: الجديد ::

كيف نتدبر القرآن

::: عرض المقالة :::

كيف نتدبر القرآن
8030 زائر
16-10-2012
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

كيف نتدبر القرآن الكريم ؟

لقاء الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

يوم السبت : 26 ربيع الأول 1433 هـ الموافق : 18 / 2 / 2012 مـ

على قناة الشارقة الفضائية برنامج ( مع القرآن ) وكانت حول كيف نتدبر القرآن الكريم ؟

1. معنى تدبر القرآن .

والتدبر : هو النظر في أدبار الأمور ، أي أواخرها ونتائجها وعواقبها ، وتدبر الكلام هو النظر والتفكر في غاياته ومقاصده التي يرمي إليها ، وعاقبة العامل به والمخالف له ، وقد استعملت كلمة ( التدبر) في كل تأمل ، سواء كان نظراً في حقيقة الشيء وأجزائه ، أم في سوابقه وأسبابه ، أم في لواحقه وأعقابه . وتدبر فلان الأمر: نظر في عواقبه ليقع على الوجه المحمود ولذلك يقال : التدبير هو النظر في عواقب الأمور قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }

التفكر هو يقظة عقل مع حضور قلب ، " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " ، العقل هو آلة الفكر والتدبر . عن الحسن قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.

فما طالت فكرة امرئ قط إلا علم، وما علم امرؤ قط إلا عمل، ولو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل، والفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك، ولذلك كان التفكر من أفضل العبادات، فهو يورث الحكمة ويحيى القلوب، ويغرس فيها الخوف والخشية من الله عز وجل.

قال أبو سليمان الداراني : " إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شئ إلا رأيت لله فيه نعمة ولى فيه عبرة " .. ولما سئلت أم الدرداء عن أفضل عبادة أبى الدرداء ؟ قالت : التفكر والاعتبار .

2. أهمية التدبر وفوائده: هل هي فوائد علمية أم فوائد روحية ؟

ثمرة الفكر ليست ترفا للنفس أو فراغا وغفلة يستريح فيها العقل ، بل هي شحنة للروح ووقود للقلب يدفعه إلي الطاعة بقوة وخشوع وشوق ولهفة وفوق ذلك فهو زيادة علم تدعو إلي زيادة خشية " إنما يخشى الله من عباده العلماء " والدليل علي ذلك : قوله تعالي : " إن في خلق السموات والأرض ... ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار " . التفكر في المعاد ورحلة الآخرة ووحشة القبور تمسك النفس عن كثير من المعاصي ، فهي قوة ردع . مما تقدم وغيرها نعرف أهمية التدبر في جميع الأمور والتفكير في عواقبها وبالأخص التدبر في الآيات القرآنية والتفكير في نتائجها :

1-التعرف على عظمة المولى سبحانه وقدرته في الخلق .

2-الهداية إلى الحق وإلى الصراط المستقيم .

3-معرفة الأخطاء السابقة التي وقع فيها الإنسان وربما قادته إلى خسران الدنيا والآخرة والظلم والعدوان على الآخرين .

4-معرفة التأريخ الصحيح للأمم السابقة وما حل عليها من عذاب ونقمة نتيجة ظلمها وعصيانها لله وكفرها به .

5-معرفة الأمور الغيبة التي سوف تحل في يوم القيامة والحساب والعقاب . الإطلاع على الجنة ونعيمها ومن يدخل فيها وما كانت أعمالهم في دار الدنيا وكيف استحقوا لهذه الدار الكريمة . الإطلاع على النار وعذابها ومن يدخل فيها وأوصافهم وما عملوا في دار الدنيا حتى استحقوا أن يدخلوها .

6-التعرف على الهدف الذي خلق الإنسان من أجله .

7-التعرف على قيمة الحياة الدنيا وحقيقتها وأنها مزرعة الآخرة وأنها وسيلة وليست غاية .

8-التعرف على القرآن نفسه وعلى عظمته وأنه من عند الله ولو كان من عند غيره لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا .

9- التدبر في القرآن هو الطريق للاستفادة من آياته والتأثر بها. إن القراءة الميتة للقرآن لا تعني أكثر من كلمات يرددها اللسان دون أن تؤثر في واقع الفرد التأثير المطلوب، أما "التلاوة الواعية" فهي تتجاوز اللسان لكي تنفذ إلى القلب، فتهزه، وتأثر فيه.

10- التدبر في القرآن هو الطريق للعمل بما جاء فيه، وذلك لأن العمل بالقرآن يتوقف على فهمه، وفهم القرآن لا يمكن إلا بالتدبر في آياته.

* أهمية التدبر : والمراد بالتدبر: تفهّم المعاني وتدبر المقاصد ليحصل الاتعاظ ويقع العمل.

أ) التدبر في القرآن غاية من غايات إنزاله: يقول الله تعالى: ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ) . ومدح الحق جل وعلا من تدبر وانتفع، فذكر من صفات عباد الرحمن : ( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَانا ) . وذم من لا يتدبرون القرآن فقال تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ).

ب) التدبر من علامات الإيمان: ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) ، ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) .

ج) التدبر يزيد الإيمان : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون) .

3. أدلة شرعية على أهمية التدبر من القرآن والحديث .

1. الهدف من نزوله هو أن يتدبر الناس فيه "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ" .

2. وفي سبيل الوصول إلى هذه الغاية جعل الله القرآن كتاباً ميسراً للفهم، "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر" ولأهمية هذا الأمر يكرر القرآن هذه الآية الكريمة في سورة القمر أربع مرات. ويقول أيضاً: "فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون" ، ويقول: "فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا" .

3. والقرآن ليس فقط يدعو الناس إلى التدبر في آياته، وإنما يطلب منهم أن يمارسوا التدبر العميق أيضاً، كما نفهم من قوله سبحانه: "أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا" .

4. ثم يؤكد القرآن: أن هناك "أقفالا" معينة تغلق قلوب البشر، وتصرفهم عن التدبر في آياته، ويقول: "أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا". ولكن ما هي هذه الأقفال؟ إنها أقفال الجهل والهوى والكبر .

5. قصص القرآن جند من جنود الحق يثبت الله به قلوب المؤمنين ، " وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين " .

وفي موضع آخر يقول : " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب " . فالقرآن ليس كتابا للتاريخ يسرد قصصا للتسلية وإمتاع الأسماع وإنما هو كتاب هداية يقص علينا أحوال الأمم من قبلنا لنعلم الذي هلك لماذا هلك والذي نجا لماذا نجا ؟ والمواجهة بين الرسل وأتباعهم المؤمنين وبين أقوامهم من الكفار والمعاندين لمن كانت الغلبة ؟؟

1- في قصة يوسف نتعلم درس العفة أمام طوفان الشهوة . ونتعلم الصفح عند الإساءة . ونتعلم الدعوة إلي الله في أحلك المواقف . ونتعلم الصبر الجميل وعدم اليأس من الفرج ، ونتعلم أن العاقبة للصبر والتقوى " إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " .

2- في قصة إبراهيم نتعلم معنى التضحية والصبر لامتثال أمر الله . ونتعلم الحكمة في الدعوة إلي الله . وإقامة الحجة علي الخصوم . وعنى محبة الله وتقديمها علي كل محبة .

3- في قصة موسى عبر لا أول لها ولا آخر ، ابتداء من ولادته ويقين أمه علي موعود الله لها برده سالما وجعله من المرسلين . والصبر علي مشاق الدعوة . وحياء المؤمنة في مشيتها وكلامها . وقيمة الدعاء عند الشدة . والتضحية بالمنافع العاجلة من أجل الآخرة الباقية كما حدث في تضحية السحرة عندما آمنوا بموسى ولم يبالوا ببطش فرعون .

6. عن عطاء قال " دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة ، فقالت لعبيد بن عمير قد آن لك أن تزورنا، فقال أقول يا أمه كما قال الأول "زُر غِبًّا تزدد حبًّا"، قال فقالت: دعونا من رطانتكم هذه، قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شئ رأيته من رسول الله قال: فسكتت، ثم قالت: لما كانت ليلة من الليالي قال: يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي قلت والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت ثم بكي فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكي فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا ً شكورا ً، لقد نزلت على الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ( ( آل عمران: 190) ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل ذكر الله خاليا ً ففاضت عيناه " رواه البخاري ومسلم.

4. واقع السلف الصالح مع التدبر .

1- إذا وجد أحدهم مجالاً للتدبر في آية لم يجاوزها إلى غيرها ، فإن النبي قام ليلة بآيةٍ واحدة : { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } هذه الآية جاءت في حديث أبي ذر (أن النبي : قام فينا ليلة بآيةٍ يرددها ) .

2- وقام تميم الداري ليلةً بقوله تعالى : " أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ " .

وقام سعيد بن جبير ليلةً يردد هذه الآية : " وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ " . وقال بعضهم : إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر . أي : بعض ما أجد فيها يشغلني عن إتمامها والفراغ منها حتى يطلع الفجر .

3- عن جبير بن مطعم رضى الله عنه أنه قال : سمعت النبي يقرأ في المغرب بالطُّور، فلمَّا بلغ هذه الآية : " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الـْخَالِقُون . أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون . أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الـْمُصَيْطِرُون "(سورة الطور : 35- 37 )، كاد قلبي أن يطير وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي " متفق عليه . وهذا من أعظم البراهين على تأثير القرآن في القلوب .

5. كيف مرَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه وعلمهم التدبر في آيات القرآن الكريم ؟

1- وأخرج البيهقي وغيره عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، كيف يعيد الله الخلق، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: (أما مررت بوادي قومك جدبا ثم مررت به يهتز خضرا) قال: نعم، قال: (فتلك آية الله في خلقه) .

2- عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرأنيها، فلا أعلم إلا أني قد وجدت انفصاماً

في ظهري حتى تمطيت لها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما لك يا أبا بكر؟" قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون، فإنكم تجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة " ، ... وأخبر عطاء بن أبي رباح قال: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما هي المصيبات في الدنيا " .

2- عندما النبي قرأ هذه الآية : " في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " ، فقال بعض أصحابه : مه . ما أطول هذا اليوم يا رسول الله ؟ فقال : والذي نفسي بيده إنه ليمر علي المؤمن كصلاة مكتوبة .

3- بكاء عائشة لما تذكرت أحوال الآخرة فسألها ما يبكيها ؟ قالت تذكرت النار فبكيت . هل تذكرون اهليكم يوم القيامة ؟؟؟

4- خرج عمر رضي الله عنه يعس بالمدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائماً يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: ﴿ والطور.. ﴾ قسم ورب الكعبة حق . حتى بلغ: ﴿ إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع﴾ (الطور: 7-8)... قال: فنزل عن حماره. واستند إلى حائط، فمكث ملياً، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه. رضي الله عنه.

6. نماذج من ثمرات التدبر: بعض الاستنباطات التي توصل إليها علماء السلف عن طريق التدبر .

1- روى أحمد والترمذي عن عائشة -رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال: لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات.

2- وروى الحاكم عن عقبة بن صهبان الحراني ، قال : قلت لعائشة رضي الله عنها: (يا أم المؤمنين، أرأيت قول الله عز وجل: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير}. فقالت عائشة رضي الله عنها: أما السابق فمن مضى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد له بالحياة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع آثارهم فعمل بأعمالهم حتى يلحق بهم، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا وكلٌ في الجنة).

3- عن الإمام المُزَنيُّ(ت:264) أو الرَّبيع(ت:270) قال: (كنَّا يوماً عند الشافعي بين الظهر والعصر عند الصحن في الصُّفَّة, والشافعي قد استند – إما قال: إلى اصطوانة, وإما قال إلى غيرها -, إذ جاء شيخ عليه جبة صوف, وعمامة صوف, وإزار صوف, وفي يده عُكَّاز, قال: فقام الشافعي, وسوى عليه ثيابه, واستوى جالساً, قال: وسَلَّمَ الشيخُ وجلس, وأخذ الشافعيُ ينظر إلى الشيخ هيبةً له, إذ قال له الشيخ: أسأل؟ فقال: سل. قال: أيشٍ الحُجَّةُ في دين الله؟ فقال الشافعي: كتاب الله. قال: وماذا؟ قال: وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: من أين قلت: اتفاق الأمة من كتاب الله؟ قال: فتدبر الشافعي ساعةً, فقال للشافعي: يا شيخ, قد أَجَّلْتُك ثلاثةَ أيام ولياليها, فإن جئت بالحُجَّةِ من كتاب الله في الاتفاق وإلا تُبْ إلى الله عز وجل. قال: فتغَيَّرَ لون الشافعي, ثم إنه ذهب فلم يخرج ثلاثةَ أيامٍ ولياليهن, قال: فخرج إلينا اليوم الثالث في ذلك الوقت - يعني بين الظهر والعصر -, وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه, وهو مِسْقَام, فجلس, قال: فلم يكن بأسرعَ أن جاء الشيخُ فسلم وجلس, فقال: حاجتي. فقال الشافعي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم, قال الله عز وجل: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا}(النساء 115), لا يُصلِيه على خلافِ المؤمنين إلا وهو فرضٌ. قال: فقال: صدقت. وقام وذهب. قال الفاريابي: قال المزنيُّ أو الربيعُ: قال الشافعي: لما ذهب الرجلُ قرأتُ القرآنَ في كلِّ يومٍ وليلةٍ ثلاثَ مراتٍ حتى وقفتُ عليه). وقد كان هذا الاجتهاد دأبُ الشافعي رحمه الله, ومنه قوله: (لَمَّا أردتُ إملاءَ تصنيف أحكام القرآن قرأتُ القرآنَ مائةَ مَرَّة(.

4- عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر, فكأن بعضهم وجدَ في نفسه, فقال(116): لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَنْ حيثُ علمتم. فدعاه ذات يومٍ, فأدخله معهم, فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليُرِيهم, قال: ما تقولون في قول الله تعالى {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}[النصر]؟ فقال بعضهم: أُمِرنَا نحمدُ اللهَ ونستغفِرُه إذا نَصَرَنَا وفَتَحَ علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً, فقال لي: أكذاك تقول يا ابنَ عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجَلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَه له؛ قال: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}[النصر], وذلك علامةُ أَجَلِك {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}[النصر]. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول) .

5- ما فهمه عمر رضي الله عنه من هذه الآية استنباطاً, يُطابِقُ ما فهمه من قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}(المائدة 3)؛ فإنه لَمَّا نزلت هذه الآيةُ فرح الصحابةُ رضي الله عنهم بهذا التمام, وبكى عمر رضي الله عنه مستشعراً نعيَهُ صلى الله عليه وسلم, وقال: (لم يكمُل شيءٌ إلا نقص)(138), وما عاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إحدى وثمانين يوماً .

6- روى البخاري ومسلم عن ابن أبي ملكية: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه، إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حوسب عذب). قالت عائشة: فقلت: أوليس يقول الله تعالى: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا}. قالت: فقال: (إنما ذلك العرض، ولكن: من نوقش الحساب يهلك).

7. المنهج العملي والخطوات التي تعين على تدبر القرآن الكريم .

1- تعلم اللغة العربية :

أ) يقول القرآن الكريم: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم، قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين"4.

قد يبدوا للنظرة العابرة أن كلمة "الملأ" في هذه الآية تعني "الجماهير"، وعلى هذا الأساس فإن الذين كفروا بنوح وغيره من الأنبياء كانوا عامة الناس . وهنا يثار السؤال التالي: لماذا كفرت الجماهير برسالات الأنبياء؟ ألم تكن رسالات الأنبياء تدعوا الناس إلى فطرتهم وضمائرهم؟ والحقيقة أننا لو فتشنا حول مدلول كلمة "الملأ" لوجدناها أنها تعني: "أشراف القوم الذين يملأون العيون والصدور هيبة،" كما تؤكده معاجم اللغة العربية، وكتب التفسير. ومن هنا نستنتج أن الذين كفروا برسالات الأنبياء لم يكونوا "الجماهير"، وإنما كانوا "الأشراف" و "الوجهاء"، كما نستنتج من ذلك أن رفضهم لرسالات الأنبياء لم يكن من أجل عدم اقتناعهم بها، وإنما من أجل الحفاظ على مصالحهم الشخصية .

ب) يقول القرآن الكريم: "أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِر" .إن معنى الآية الكريمة واضح، وهو - على ما يعطيه السياق: شغلكم التكاثر في متاع الدنيا وزينتها، والتسابق في تكثير العدة عما يهمكم وهو ذكر الله، حتى لقيتم الموت، فعمتكم الغفلة مدى الحياة2 ، ولكن السؤال هو: لماذا يستعمل القرآن كلمة "زرتم"؟ لماذا لم يقل: "حتى سكنتم المقابر" أو "ملأتم المقابر" أو "حللتم المقابر"؟ والجواب: ربما ليلفت الأنظار إلى أن المقام في القبر مقام مؤقت، وأن الدخول إلى القبر دخول زيارة لا سكن، خلافاً للأفكار المادية الضيقة التي تعتبر الموت هو النهاية، والقبر هو آخر المطاف.

ج) يقول القرآن الكريم: "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّن إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُم" بينما يقول في آية أخرى: "وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم" ، فلماذا - في الآية الأولى - قدم رزق المخاطبين على رزق أولادهم، وفي الآية الثانية قدم رزق الأولاد؟ هل جاءت المسألة عفوية أو نوعا من التفنن التعبيري أم وراءها شيئا آخر (وقد ترمز إلى حقيقة علمية أو واقعية) ؟

فباختلاف العبارتين يختلف معنى كل آية. المعنى قد يكون في الجملة واحداً، ولكن في التفصيل ونوع المخاطب به يختلف. لماذا؟

لأنك لو نظرت إلى عجز كل آية مع صدرها لوجدت أن العجز مناسب لذلك الصدر تماماً. لأنه في الآية الأولى يقول: "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّن إمْلاَقٍ"، فهذه العبارة "مِّن إمْلاَقٍ" توحي بأن الفقر موجود بالفعل. وما دام الفقر موجود بالفعل فاهتمام الإنسان يكون برزق نفسه قبل أن يهتم برزق ولده، فهو يخاف أن يبقى جائعاً لو أراد أن يطعم أولاده. وهنا يطمئنه الله تعالى على نفسه - أولا - ورزق أولاده - ثانيا - فيقول: "نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ" يا أصحاب الإملاق "وَإِيَّاهُم".

بينما في الآية الثانية يقول الله: "وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ" أي خوفاً من فقر يقع مستقبلاً، فكان الفقر غير موجود، ولكن الأب يخاف إن جاءه أولاد أن يأتي الفقر معهم، فيقول له الله تعالى: لا.. أنا سأتكفل لهم برزقهم: "نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم".

إذن فالمعنى ليس واحداً في الآيتين، وإن كان يبدوا في ظاهره واحداً. لأن في قضية قتل الأولاد خوفاً من الفقر يكون المخاطب في كل آية مختلفاً عن الآخر.

فمرة يكون فقيراً بالفعل، وهنا يشغل برزقه قبل أن يشغل باله في رزق ولده ، فقتل الأولاد يكون نتيجة لوجود الفقر، وهنا تحمل العبارة ضمانا لرزقه أولا، ثم رزق ولده ثانيا. ومرة يكون غنياً، ولكنه يخاف أن يأتي الفقر إذا جاء الولد، فيكون باله مشغولاً برزق ولده، فيقتله تحسباً من الفقر المتوقع بمجيء الولد، وهنا تعطيه الآية بشارة برزق الولد مع مجيئه "نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم" .

د) يقول القرآن الكريم بعد أن يتحدث عن الصبر على المصيبة: "إِنَّ ذَلِك مِنْ عَزْمِ الْأُمُور" . ولكن القرآن يضيف حرف "اللام" للتوكيد حينما يتكلم عن الصبر على أذى الآخرين، فيقول: "وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور"10. والسؤال: لماذا أضيفت حرف "اللام" في الآية الثانية ؟ والجواب - على ما قيل: إن الصبر على أذى الغريم الذي يستطيع الإنسان أن يرد عليه بأذى مثله يحتاج من الإنسان إلى عزم أكبر، فالصبر هنا ليس كالصبر على المصيبة لا حيلة للإنسان فيها، ومن هنا لم تجيء لام التوكيد في الآية الأولى، وجاءت في الآية الثانية .

2- ترديد الآية التي يتعلق بها القلب :

أ) عائشة مرَّ عليها القاسم وهي تقرأ:{فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} ترددها وتبكي وتدعو .

ب) وعن عبادة بن حمزة قال دخلت على أسماء وهي تقرأ : ( فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السموم ) فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو ، فطال عليّ ذلك فذهبت إلى السوق ، فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو ، ورويت هذه القصة عن عائشة .

ج) وردد سعيد بن جبير : " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " ، وردد أيضا : " فسوف يعلمون . إذ الأغلال في أعناقهم ..." الآية ، وردد أيضا : " ما غرك بربك الكريم " ، وكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى : " لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل " رددها إلى السحر .

د) وقال محمد بن كعب: " لأن أقرأ ( إذا زلزلت الأرض زلزالها، والقارعة ) أرددهما وأتفكر فيهما أحب إلى من أن أهذ القرآن كله هذا ".

3- حسن التلاوة والترتيل :

أ) وعن عائشة قالت : قال رسول الله : " الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة " .

ب) وثبت عن أم سلمة : " أنها نعتت قراءة رسول الله مفسرة حرفا حرفا " . وعن ابن عباس قال : ( لأنْ أقرأ سورة أرتّلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله ) .

4- العمل بالقرآن :

أ) وذلك مثل قوله يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ، وعلى كل أحد أن ينظر فى أمر أهله فى صلاتهم وصيامهم وأداء ما يلزمهم فى طهاراتهم ... وحيض النساء ونفاسهن ، وعلى كل أحد أن يتفقد ذلك فى أهله ويراعيهم بمسألتهم عن ذلك ، فمن كان منهم يحسن ذلك كانت مسألته تذكيرا له وتأكيدا لما فى قلبه ، وإن كان لا يحسن كان ذلك تعليما له . ثم هكذا يراعى صغار ولده ويعلمهم إذا بلغوا سبعا أو ثمانى سنين ، ويضربهم إذا بلغوا العشر على ترك ذلك ، فمن كان من الناس قد قصر فيما مضى اعتقد قبوله والأخذ به فيما يستقبل ، وإن كان يفعل ذلك وقد عرفه فإنه إذا مر به تأمله وتفهمه .

ب) وكذلك قوله تعالى : " يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا " ، فإذا قرأ هذه الآية تذكر أفعاله فى نفسه وذنوبه فيما بينه وبين غيره من الظلامات والغيبة وغيرها ، ورد ظلامته واستغفر من كل ذنب قصر فى عمله ، ونوى أن يقوم بذلك ويستحل كل من بينه وبينه شىء من هذه الظلامات ، من كان منهم حاضرا وأن يكتب إلى من كان غائبا ، وأن يرد ما كان يأخذه على من أخذه منه فيعتقد هذا فى وقت قراءة القرآن ، حتى يعلم الله تعالى منه أنه قد سمع وأطاع .

فإذا فعل الإنسان هذا كان قد قام بكمال ترتيل القرآن ، فإذا وقف على آية لم يعرف معناها يحفظها حتى يسأل عنها من يعرف معناها ، ليكون متعلما لذلك طالبا للعمل به ...

ج) قال ابن مسعود : إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فأوعها سمعك فإنه خير ما يأمر به أو شر ينهى عنه .

* شروط التدبر :

1- أنه يُفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى وفضله ولطفه بخلقه، عندما أنزل علينا هذا الكتاب، وجعله لنا ميسرا للذكر والفهم ، فإن القرآن عظيم ، لأنه كلام الله ، والله عز وجل عظيم ،

ولولا أن الله يسّر لنا تلاوة كتابه لما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله الذي لو نزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) .

- التدبر أن يُحضر الإنسان في قلبه عظمة المتكلم وهو الله سبحانه وتعالى . فتعظيم الكلام تعظيمٌ للمتكلم، وينبغي لتالي القرآن أن يستشعر عند قراءته أنه يقرأ كلام الخالق القادر الرازق المهيمن ، فالكون كله في قبضته ، وتحت مشيئته وقدرته ، والخلق مترددون بين فضله ورحمته ونقمته وسطوته ، إن أنعم فبفضله ، وإن عاقب فبعدله .

3- أن يحضر قلبه ويترك حديث النفس ، قال الله تعالى : ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ) . أي : بجدٍ واجتهاد، وأخذه بالجد أن يكون متجرداً عند قراءته ، منصرف الهمة إلى القرآن فقط ، مفرغاً لذهنه وقلبه من أي شواغل أخرى غير القرآن ، وقيل لبعض السلف : إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء ؟ فقال : وأي شيءٌ أحب إليّ من القرآن حتى أحدث به نفسي! وكان بعض السلف إذا قرأ آيةً لم يكن قلبه فيها -أي: سها- أثناء القراءة أعادها ثانيةً، وهذه الصفة هي صفة حضور القلب، وتتولد من استشعار عظمة المتكلم .

4- أن يتجنب موانع الفهم من الغفلة والكبر والمعاصي .

5- أن يسمع من أحد العلماء الثقات أو يقرأ تفسيراً للقرآن ، كيف يتدبر وهو لا يعرف المعنى من كلام أهل العلم ؟ إذاً : كيف يتدبر وهو لا يعرف ما قاله أهل العلم في الآية ؟ هل يتدبر من تلقاء نفسه ؟قد يفهم الإنسان أشياء كثيرة خطأ ؛ بسبب جهله باللغة ، وبأسباب النزول.. ونحو ذلك . إذاً لا يمكن أن يأتي التدبر إلا بعد قراءة التفسير .

6- التخصيص : أي: أن يظن ويعتقد أنه مقصود بالخطاب ، وأنه خاصٌ به موجهٌ إليه ، ليس إلى غيره . فإذا سمع قصص الأولين والأنبياء علم أنه ليس القصد من ذلك هو التسلي بالأحداث والسمر بها ، أو الأخذ بروعة القصة وأحداثها دون أن يكون معنياً بما فيها من العبر ، وكذلك إذا سمع الوعد والوعيد ، يظن نفسه مقصوداً ، وإذا سمع قصص الأنبياء عرف أن المقصود منها هو تثبيت الفؤاد ، لأن الله قال : ( كذلك نقص عليك من أنباء الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ) .

7- أنه إذا مرَّ بآية الرحمة سأل، وإذا مر بآية الوعيد استعاذ ، كما سبق بيان ذلك ، فإذا مرَّ بقول الله عز وجل: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ } أرعى سمعه لها ، لأن ما سيأتي بعدها شروط : { لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى } ، وإذا قال الله عز وجل : { وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } ، وجاء استثناء من هذا الخسران لفئة من الناس ، فمن هؤلاء الذين ينجون من الخسران ؟ { إِلَّا الَّذِينَ آمَنوا } . وقال ابن مسعود : ( كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن) . فهكذا كان منهج النبي في تعليم الصحابة القرآن : تلازم العلم والمعنى والعمل ؛ فلا علم جديد إلا بعد فهم السابق والعمل به .

8. أثر تدبر القرآن على الأخلاق والسلوك .

1- أبو بكر الصديق مع مسطح بن أثاثة : تقول عائشة فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد ما قال لعائشة. فأنزل الله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة - إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم}. فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه.

2- عمر كتب إلى رجل سمع أنه يشرب الخمرَ فكتب إليه : من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان ، فسلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ، ولما بلغ الرجل كتاب عمر جعل يقرأ ويردد ، ويقول : غافر الذنب ، وقابل التوب ، شديد العقاب، قد حذرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه ، ثم بكى ونزع مما كان فيه من شرب الخمر .

3- الفضيل بن عياض : فهذا الفضيل بن عياض كان في بداية حياته مجرماً خطيراً، وكان ذكر اسمه كافياً لإثارة الرعب في القلوب. لقد كان يقطع الطريق على القوافل، ويسلب المسافرين ما يملكون. وذات يوم وقعت نظراته على فتاة جميلة، فصمم في نفسه أمراً، وفي نفس تلك الليلة كان يتسلق جدار ذلك البيت الذي تسكن فيه الفتاة، وهو ينوي الاعتداء عليها ، وفي هذه الأثناء، تناهى إلى مسامعه صوت يتلو هذه الآية الكريمة: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه"، فأخذ يفكر في الآية بضع ثوان، وأخذ يردد مع نفسه: "يا رب، بلى قد آن." ثم هبط من الجدار، وتولى بوجهه شطر المسجد الحرام، فاعتكف فيه إلى أن مات.

إن تدبر هذا الرجل في آية واحدة حوّله من مجرم متمرس بالجريمة إلى معتكف في محراب العبادة، فكيف إذا تدبر الإنسان في كل القرآن ؟

   طباعة 
0 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 6 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ
الاستغلال الوظيفي - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net