:: الأخبار ::

:: الجديد ::

دور العلماء وواجبهم في نصرة الثورة السورية في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الأمة

::: عرض المقالة :::

دور العلماء وواجبهم في نصرة الثورة السورية في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الأمة
5807 زائر
26-06-2013

دور العلماء وواجبهم في نصرة الثورة السورية في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الأمة

لقاء الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

يوم الجمعة : 12 شعبان 1434 هـ الموافق : 21 / 6 / 2013 مـ

على قناة أورينت الفضائية حول دور العلماء في نصرة الثورة السورية بين الفكر والممارسة .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أسأل الله أن ينصر أهلنا في الشام وأن يرحم شهداءهم وأن يشفي مرضاهم وأن يعافي مبتلاهم وأن يربط على قلوبهم وأن يؤلف بينهم وأن يسدد رميتهم وأن ينصرهم على عدوه وعدوهم ، كما أسأله ألا يرفع لأي ظالم راية وأن يجعله لمن خلفه من كل طاغية متكبر عبرة وآية .

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم .

محاور الحلقة :

1- ما هو واجب العلماء في هذه المرحلة ؟

* مكانة العلماء لا تجعلهم يقفون موقف المتفرج من أحداث الأمة لأنهم في موقع الريادة والصدارة ، فهم قادة الأمة وأئمتها كالإمام في الصلاة ، والعالم له في القلوب هيبة ومحبة بل للعلماء سلطان على القلوب أكبر من سلطان الأمراء والملوك .

لذلك فالعلماء لا تراهم في مؤخرة الصفوف بل هم دائما في المقدمة فلا يحرضون الناس على الجهاد وهم قعود في بيوتهم بين أهليهم ، بل تراهم دائما في المقدمة . * قال الأصمعي لما صاف قتيبة بن مسلم لقتال أعدائه وهاله كثرة عددهم ، سأل عن محمد بن واسع فقيل : هو ذاك في الميمنة قابض على قوسه يرفع أصبعه نحو السماء يدعو بها ، فقال قتيبة : تلك الأصبع أحب إليَّ من مئة ألف سيف شهير .

كان العلماء في أوائل الصفوف يدافعون عن دينهم بدمائهم كما يدافعون عنه بألسنتهم وعلمهم ودعائهم ودعوتهم .

* قال تعالى: "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ " ، وقال سبحانه : "شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ " فقرن أولي العلم مع ملائكته وأشهدهم على ذلك مع ذاته العلية فدل على رفعة قدرهم .

* يكفي العالم شرفا أنه من ورثة الأنبياء ، وارث علم النبوة ؟ والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر .

رؤية العالم يزيد بها الإيمان في القلب تأثرا بعلمه وأخلاقه ، لما أرسلت أم الإمام مالك ولدها الصغير ليتعلم العلم عممته بيدها وقالت له : اذهب فتعلم من ربيعة من أدبه قبل علمه . وقال جعفر بن سليمان: كنت إذا وجدت من قلبي قسوة؛ غدوت فنظرت إلى وجه محمد بن واسع، كان كأنه ثكلى . (وقال بعضهم : كلما قسي قلبي أزور محمد بن واسع فأجلس علي رؤيته أسبوعا) .

* لقد انقسم العلماء والدعاة وطلبة العلم بالنسبة إلى القضية السورية إلى ناطقين وساكتين، فالناطقون إما بحق وإما بباطل ، والساكتون إما لخوف وإما لتخاذل.
فأما الناطقون بالحق: فهم الذين دافعوا عن الشعب المظلوم ضد النظام الظالم، لقد أفزعهم ما فعله النظام المجرم من قتل وتعذيب وخطف واغتصاب، فصاحوا في وجه الظلم بأقلامهم وبألسنتهم ، بخطبهم ومحاضراتهم وفتاويهم ومقالاتهم ولقاءاتهم ، مبينين عقيدة النظام الفاسدة، داعين المسلمين للوقوف مع الشعب السوري بكل ما يقدرون، داعين الشعب للصبر والثبات، قائلين لهم: إن النصر لآت، وإن تنصروا الله ينصركم .
وكان للبيانات والفتاوى الصادرة عن الروابط والاتحادات الإسلامية أكبر الأثر، لأنها جهد جماعي تحوي توقيعات كثير من أهل العلم، كرابطة علماء المسلمين، ورابطة أهل السنة، والاتحاد العالمي، والحملة العالمية لمقاومة العدوان وغيرها.

وقسم وقف مع الظالم ضد المظلوم ، ومع المجرم ضد الضحية ، وهؤلاء هم علماء السوء الذين زينوا للمجرم إجرامه ووصفوا الثوار بالعمالة والإرهاب والإجرام،واتهموهم بتنفيذ مخطط كوني للنيل من دولة المقاومة والممانعة.
هؤلاء ليسوا بعلماء ، ضيعوا الأمانة واتبعوا أهواءهم الذي أرداهم ، والساكتون كالبوطي وحسون أعطوا غطاءا شرعيا للظالم فازداد أمد الفتنة والمحنة وتمادى الظالم في سفكه للدماء .

* أهمية دور العلماء يكمن في التالي :

1- للكلمة أثر لا يقل خطورة وقوة عن أثر الصاروخ والمدفع ، فبالكلمة يمكن أن تشعل حروب وبها يمكن أن توأد فتن ، بالكلمة يمكن أن تنهض همم وتحيا قلوب وبالكلمة يمكن أن تضلل عقول وتفسد نفوس وتموت عزائم :

أ) بيان أهمية بلاد الشام وأنها مفصل صراع حضارات بين الحق والباطل .

* عن أبي الدرداء إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : « يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ » (أخرجه أبو داود 2/ 210، والحاكم4/ 486 وأحمد 5/ 197، والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع 2/775 برقم (4205).) .

* عَنِ عبد الله بن حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : « سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجنّدة، جندٌ بالشام وجندٌ باليمن وجندٌ بالعراق". قال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسول الله إن أدركت ذلك. فقال: "عليك بالشام فإِنها خيرة الله من أرضه، يجتبى إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فإِن الله توكَّل لي بالشام وأهله »[ أخرجه أحمد 28/215، وأبو داود 3/4، وصححه الألباني في صحيح الجامع 1/682 برقم (3659)].

* عن معاوية بن قرة قال: سمعت رسول الله : " إذا فسدَ أهلُ الشامِ فلا خيرَ فيكم، لا تزالُ طائفةٌ من أُمتي منصورين ، لا يضرُّهم من خَذَلَهم حتى تقومَ الساعةُ " [ أخرجه الترمذي 2 / 30 وأحمد 3 / 436 وابن حبان 2313، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1/760 برقم (403)]. وجاء في بعض الروايات هم بالشام .

* روى البخاري عن معاوية يقول : سمعت النبي يقول : " لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك " . قال عمير: فقال مالك بن يخامر: قال معاذ: وهم بالشأم، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذا يقول: وهم بالشأم.

والشام هي مهبط الأنبياء ومسرى رسول الله ، وفيها أرض المحشر، وفيها يتمحور الصراع العالمي، وينزل عيسى بن مريم في آخر الزمان بالشام فيجتمع معه المؤمنون لقتال الدجال، وهناك يقتله المسيح عند باب لد .
فإذا تبين لنا أهمية بلاد الشام، وما تكتسبه من مكانة محورية في تاريخ الصراع بين الحق والباطل؛ فإن الأمة الإسلامية قد تحتم عليها اليوم أن تقوم بواجب الوقت وفريضة الزمان في نصرة الشام وأهله.

ب) كشف وفضح مخططات الرافضة والباطنية وبيان حقيقة هؤلاء وفضحهم لجميع الأمة وما يبيتون من مكر وخداع وتضليل للمسلمين ، فالتاريخ شاهد على إجرامهم وخيانتهم للأمة ، عندما وصل الخليفة العثماني سليمن القانوني على مشارف فيينا وكاد الإسلام يصل أعملق أوروبا وينتشر في ربوعها عمد الصفويون إلى إشعال حرب في الجنوب مع العثمانيين ليشغلوهم عن هذا الفتح العظيم ، فأشعلوا الجبهة الشرقية وشغلوا الخليفة عن مهمة الفتح فضاعت فرصة عظيمة لانتشار الإسلام في أوروبا .

وقبل ذلك ألم يتحالف الوزير ابن العلقمي الرافضي مع التتار وأغراهم بغزو بلاد المسلمين فكان نتيجة ذلك أن قُتل الخلفة العباسي ودُمرت العراق وأحرقت المكتبات وألقيت الكتب في النهر وذبح الأبرياء وهلكت البلاد على أيدي التتار وكان السبب في ذلك هو الشيعة الروافض .

لا ينبغي أن يغيب عن الأمة هذا التاريخ الأسود والسجل الحافل بفظائع هذه الفرقة الضالة وبيان شدة خطرها على الإسلام والمسلمين ، وصدق ابن تيمية حينما قال : " إذا صار لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم فهم دائما يوالون الكفار من المشركين واليهود والنصارى ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم " . منهاج السنة 2/ 378 " .

وقال : "... ويرون أن كفرهم أغلظ من كفر اليهود والنصارى . لأن أولئك عندهم كفار أصليون وهؤلاء مرتدون وكفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي . ولهذا السبب يعاونون الكفار على الجمهور من المسلمين فيعاونون التتار على الجمهور . وهم كانوا من أعظم الأسباب في خروج جنكيزخان ملك الكفار إلى بلاد الإسلام وفي قدوم هولاكو إلى بلاد العراق ؛ وفي أخذ حلب ونهب الصالحية وغير ذلك بخبثهم ومكرهم ؛ لما دخل فيه من توزر منهم للمسلمين وغير من توزر منهم . وبهذا السبب نهبوا عسكر المسلمين لما مر عليهم وقت انصرافه إلى مصر في النوبة الأولى . وبهذا السبب يقطعون الطرقات على المسلمين . وبهذا السبب ظهر فيهم من معاونة التتار والإفرنج على المسلمين والكآبة الشديدة بانتصار الإسلام ما ظهر وكذلك لما فتح المسلمون الساحل - عكة وغيرها - ظهر فيهم من الانتصار للنصارى وتقديمهم على المسلمين ما قد سمعه الناس منهم . وكل هذا الذي وصفت بعض أمورهم وإلا فالأمر أعظم من ذلك " مجموع الفتاوى (6/ 421) .

ج) دعوة المسلمين لنصرة إخوانهم بالشام بالمال والنفس والكلمة وبيان خطر السكوت على جرائم الطغاة وأثره السيئ على الأمة بأسرها .

2- دعوة أبناء سوريا إلى توحيد الصف وجمع الكلمة وإخلاص النية وترك التنازع ، {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

3- الجهر بكلمة الحق ولا يخافون في الله لومة لائم ، ويحذروا من تطويع النصوص إرضاءا لحفنة من المتفرنجين أو مجاملة لغير المسلمين فلن يرضى عنا من هم من غير ملتنا حتى نتبع ملتهم " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم " ، فقدر العلماء أن يبينوا للناس الحق ولا يكتمونه . ويحذروا من تشتيت جهود الأمة في قضايا فرعية جانبية يريد أعداؤها بسببها أن يوقعوا بينها العداوة والبغضاء باسم الحق والدين .

* قال تعالى: {وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] ، وقال أيضاً: {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} [البقرة: 159] .

4- القنوت والدعاء : والدعوة إلى التوبة إلى الله من جميع الذنوب، وتذكير المسلمين بإقامة الدين وتحكيم شريعة الله مع التذكير بأهمية الدعاء، والقنوت في الصلوات سائلين من الله تعالى أن يعجل بالفرج لإخواننا المظلومين في بلاد الشام، وفي سائر البلدان .

روى البخاري عن أنس : أن النبي أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لحيان، فزعموا أنهم قد أسلموا، واستمدوه على قومهم، فأمدهم النبي بسبعين من الأنصار، قال أنس: كنا نسميهم القراء، يحطبون بالنهار ويصلون بالليل، فانطلقوا بهم، حتى بلغوا بئر معونة غدروا بهم وقتلوهم، فقنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وبني لحيان .

5- بث الأمل ونزع اليأس من القلوب والصدور والتذكير بالصبر الجميل دون شكوى لغير الله ، والتذكير بنصر الله وتأييده والصبر على منازلة هذا العدو الغاشم موقنين بأن نصر الله قريب، وأن مع العسر يسراً، فلن يغلب عسر يسرين، مع بعث الأمل في نفوس المؤمنين وتنشيط عزائمهم مذكرين بقوله تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 193]، وبقوله تعالى: {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء: 104].

* روي البخاري عن أنس بن مالك : أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي فقالت : يا نبي الله ، ألا تحدثني عن حارثة - وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم غرب - فإن كان في الجنة صبرت ، وإن كان غير ذلك ، اجتهدت عليه في البكاء ؟ قال : " يا أم حارثة ، إنها جنان في الجنة ، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى " .

6- الحذر من الفتوى الفردية والتأكيد على الشورى وتفعيل الاجتهاد الجماعي في قضايا النوازل ، ويكون المرجع في الفتوى لجهة واحدة جمعا للكلمة . وقد كان سلفنا يقولون في بعض ما يرد عليهم من مسائل العلم : هذه مسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر، فإذا كان هذا هديهم في المسائل الشخصية الفردية، فكيف بالنوازل المصيرية التي يتأثر بها واقع الأمة.

* مثال على دور العلماء في التعرض لقضايا الأمة :

عطاء بن أبي رباح مع عبد الملك بن مروان :

قَالَ الأصمعي: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك، وهو جالس على السَّرير، وحوله الأشراف، وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته، فلما بصر به عبد الملك، قام إليه وسلم عليه، وأجلسه معه على السَّرير، وقعد بين يديه، وقال: يا أبا محمد ما حاجتك؟ قَالَ: يا أمير المؤمنين، اتق الله في حرم الله، وحرم رسوله، فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور، فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين، فإنك وحدك المسئول عنهم، واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم، ولا تغلق دونهم بابك، فقال له: أفعل، ثم نهض وقام، فقبض عليه عبد الملك، وقال: يا أبا محمد، إنما سألتنا حوائج غيرك، وقد قضيناها، فما حاجتك؟ قَالَ: ما لي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج، فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشَّرَف، هذا وأبيك السُّؤدد.

قَالَ ابن جريج: كان المسجد فِراش عطاء عشرين سنة ، وكان من أحسن النَّاس صَلاة.

2- كيف نفهم دور العلماء في سياق الأحداث التاريخية للأمة الإسلامية (أمثلة أحمد بن حنبل والعز بن عبد السلام وابن تيمية رحمهم الله ) ؟

* العلماء هم مصابيح الدجى ومشاعل النور الذي ينير للأمة طريقها في ظلمات الحياة خاصة عند توارد الفتن عليها كقطع الليل المظلم ، فالناس يفزعون للعلماء الربانيين يجدون عندهم الثبات واليقين والصبر الذي يربط على القلوب فلا يصيبها الهلع مع شدة الفتن ، والله حفظ هذه الأمة بالعلماء .

* العز بن عبد السلام :

1) بيعه للمماليك : عندما شرع العز فى بيع المماليك ، رفض السلطان نجم الدين أيوب ، وقال: إن هذا الأمر ليس من اختصاصه.. فعزل العز نفسه من مناصبه ، وحمل حوائجه ومتاعه على حمار ، وأركب عائلته على حمار آخر ، ومشى خلفهم.. وخرج من القاهرة ، قاصدا الشام.. فخفق قلب القاهرة لرحيل العز عنها.. وتناقل الناس الخبر ، فخرج معظم المصريين من العلماء ، والفقهاء ، والخطباء ، والصلحاء ، والرجال ، والنساء ، والصبيان ، والتجار ، والعمال ، والصناع.. فى موكب مهيب خلف موكب الشيخ البسيط.. " لحقه غالب المسلمين.. لم تكد امرأة ولا صبي ولا رجل لا يؤبه إليه يتخلف "... فبلغ السلطان الخبر.. فقال له أحدهم: خرج الناس كلهم ، فماذا بقى لك.. تدارك ملكك ، وإلا ذهب بذهاب الشيخ.. فركب السلطان بنفسه ، ولحقه واسترضاه ، وطيب خاطره ، فرجع.

القصة التي لم يسمع بمثلها فى التاريخ.. ولم يعرف رجل أقدم على مثل هذا العمل غير العز بن عبد السلام.. هذا المشهد الأخير الذي جمع بين نائب السلطنة (وكان مملوكيا ، وهو أحد المعروضين للبيع).. وقد جاء على فرسه ، حاملا سيفه ، ومعه حرسه وجنوده ليقتل العز ، بعد أن فشلت المفاوضات والملاطفات فى إثنائه عن عزمه وبين العز ، الذي خرج من بيته ليقابل نائب السلطان ، واثقا.. ثابتا.. يعلوه النور والوقار.. مستصغرا حتى نفسه ، أن تنال الشهادة فى سبيل الله.. وعندما رآه نائب السلطان ، أدرك قوة الشيخ ، الذي سوى بين الحياة والموت.. وشعر بضآلته ، وقلة شأنه أمام ذلك الجبل الشامخ " فيبست يد النائب ، وسقط السيف منها ، وأرعدت مفاصله.. فبكى ، وسأل الشيخ أن يدعو له وقال: يا سيدي خبر أيش تعمل ؟, قال: أنادي عليكم وأبيعكم.. قال: ففيم تصرف ثمننا؟, قال: فى مصالح المسلمين, قال: من يقبضه؟, قال:أنا.. فتم له ما أراد، ونادي على الأمراء واحدا واحدا، وغالى فى ثمنهم ، وقبضه ، وصرفه فى وجوه الخير.. وهذا ما لم يسمع بمثله.. رحمه الله تعالى ورضي عنه ".

2) مكانته عند الأعداء : عندما اعتقله الصالح إسماعيل في خيمة إلى جانب خيمته.. بعد اعتراض العز على تحالف الأخير مع الصليبيين.. كان الشيخ يقرأ القرآن ، والسلطان يسمعه ، فقال يوما لملوك الفرنج ، وهم مجتمعون معه : أتسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن ؟.. قالوا: نعم.. قال: هذا أكبر قساوسة المسلمين، وقد حبسته لإنكاره على تسليمي لكم حصوننا ، وعزلته عن الخطابة ، وعن مناصبه ، فجاء إلى القدس ، وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم.. فقالوا: لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه ، وشربنا مرقتها.

3) شجاعة العلماء : هذا الموقف الذي حكاه تلميذه الإمام علاء الدين أبو الحسن الباجى.. حيث قال: " طلع شيخنا ، عز الدين مرة إلى السلطان (نجم الدين أيوب) ، في يوم عيد إلى القلعة.. فشاهد العساكر مصطفين بين يديه ، ومجلس المملكة ، وما السلطان في يوم العيد من الأبهة ، وقد خرج على قومه فى زينته.. وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي السلطان.. فالتفت الشيخ إلى السلطان ، وناداه: " يا أيوب : ما حجتك عند الله إذا قال لك ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟!، فقال : هل جرى هذا؟, فقال: نعم، الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة.. فقال أيوب: - وكان سلطانا قويا مهابا - : يا سيدي ، هذا أنا ما عملته, هذا من زمان أبي.. فقال: أنت من الذين يقولون: " إنا وجدنا آباءنا على أمة ", فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة ثم سأل الباجى أستاذه العز عن ذلك الموقف، فقال : " يا بني رأيته فى تلك العظمة ، فأردت أن أهينه ، لئلا تكبر نفسه فتؤذيه.. فقال: يا سيدي، أما خفته ؟, فقال العز: والله يا بنى استحضرت هيبة الله تعالى فصار السلطان قدامى كالقط.

* ابن تيمية : الراوي هو أبو بكر بن قوام بن علي بن قوام البالسي ولد سنة خمسين وستمائة ببالس وسمع من أصحاب ابن طبرزد وكان شيخا جليلا بشوش الوجه حسن السمت مقصدا لكل أحد كثير الوقار عليه سيما العبادة والخير وكان يوم قازان في جملة من كان مع الشيخ تقي الدين ابن تيمية لما تكلم مع قازان فحكى عن كلام شيخ الاسلام تقي الدين لقازان وشجاعته وجرأته عليه وأنه قال لترجمانه :

قل للقان أنت تزعم أنك مسلم ومعك مؤذنون وقاضي وإمام وشيخ على ما بلغنا فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا وابوك وجدك هلاكو كانا كافرين وما غزوا بلاد الاسلام بل عاهدوا قومنا ، وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت .

قال : وجرت له مع قازان وقطلوشاه وبولاي أمور ونوب قام ابن تيمية فيها كلها لله وقال الحق ولم يخش إلا الله عز وجل ، قال وقرب إلى الجماعة طعاما فأكلوا منه إلا ابن تيمية فقيل له ألا تأكل فقال كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس .

قال : ثم إن قازان طلب منه الدعاء ، فقال في دعائه : اللهم إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا وليكون الدين كله لك فانصره وأيده وملكه البلاد والعباد وإن كان إنما قام رياء وسمعة وطلبا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا وليذل الاسلام وأهله فاخذ له وزلزله ودمره واقطع دابره !!! قال : وقازان يؤمن على دعائه ويرفع يديه .

قال : فجعلنا نجمع ثابنا خوفا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله ، قال : فلما خرجنا من عنده قال له قاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى وغيره : كدت أن تهلكنا وتهلك نفسك والله لانصحبك من هنا ، فقال : وأنا والله لا أصحبكم .

قال : فانطلقنا عصبة وتأخر هو في خاصة نفسه ومعه جماعة من أصحابه ، فتسامعت به الخواقين والأمراء من أصحاب قازان فأتوه يتبركون بدعائه وهو سائر إلى دمشق وينظرون إليه ، قال : والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلثمائة فارس في ركابه وكنت أنا من جملة من كان معه .

وأما أولئك الذين أبو أن يصحبوه فخرج عليهم جماعة من التتر فشلحوهم عن آخرهم " .
(البداية والنهاية للحافظ ابن كثير - رحمه الله - 14/89) .

* ومن المواقف التاريخية التي تؤكد تحكيم المسلمين لتلك النصوص وعدم التغاضي عنها موقف ابن تيمية عندما فاوض المغول على أسرى من المدنيين قد أسروهم في هجماتهم على المدن في سوريا. وقد حاولوا تسليم الأسرى المسلمين فقط دون أهل الكتاب والاحتفاظ بهم كعبيد فقال لهم المفاوض: أهل الذمة (يقصد أهل الكتاب) قبل أهل الملة (يقصد المسلمين) أي أنه يطلب تسليم المسيحيين واليهود قبل المسلمين.

* الشيخ سعيد الحلبي :

إن الذي يمد رجله لا يمد يده : دخل جبار الشام إبراهيم باشا بن محمد علي حاكم مصر المسجد الأموي في وقت كان فيه عالم الشام الشيخ سعيد الحلبي يلقي درسا في المصلين . ومر إبراهيم باشا من جانب الشيخ ، وكان مادا رجله فلم يحركها ولم يبدل جلسته ، فاستاء إبراهيم باشا واغتاظ غيظاً شديداً ، وخرج من المسجد ، وقد أضمر في نفسه شراً بالشيخ .

وما أن وصل قصره حتى حف به المنافقون من كل جانب ، يزينون له الفتك بالشيخ الذي تحدى جبروته وسلطانه ، وما زالوا يؤلبونه حتى أمر بإحضار الشيخ مكبلا بالسلاسل . وما كاد الجند يتحركون لجلب الشيخ حتى عاد إبراهيم باشا فغير رأيه ، فقد كان يعلم أن أي إساءة للشيخ ستفتح له أبواباً من المشاكل لا قبل له بإغلاقها .

وهداه تفكيره إلى طريقة أخرى ينتقم بها من الشيخ ، طريقة الإغراء بالمال ، فإذا قبله الشيخ فكأنه يضرب عصفورين بحجر واحد : يضمن ولاءه ويسقط هيبته في نفوس المسلمين ، فلا يبقى له تأثير عليهم .

وأسرع إبراهيم باشا فأرسل إلى الشيخ ألف ليرة ذهبية ، وهو مبلغ يسيل له اللعاب في تلك الأيام ، وطلب من وزيره أن يعطي المال للشيخ على مرأى ومسمع من تلامذته ومريديه . وانطلق الوزير بالمال إلى المسجد ، واقترب من الشيخ وهو يلقي درسه ، فألقى السلام ، وقال للشيخ بصوت عال سمعه كل من حول الشيخ : هذه ألف ليرة ذهبية يرى مولانا الباشا أن تستعين بها على أمرك .

ونظر الشيخ نظرة إشفاق نحو الوزير ، وقال له بهدوء وسكينة: يا بني ، عد بنقود سيدك وردها إليه ، وقل له : إن الذي يمد رجله ، لا يمد يده .

* الفقيه ابن أبي ذئب :

إنما يقوم الناس لرب العالمين : قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) عند ترجمة الإمام العالم الرباني فقيه المدينة ابن أبي ذئب : ( حج المهدي بن المنصور ودخل المسجد النبوي، فقام له الناس ولم يقم ابن أبي ذئب، فقيل له: قم هذا أمير المؤمنين . فرد عليهم : إنما يقوم الناس لرب العالمين ، فقال المهدي: دعه ، فلقد قامت كل شعرة في رأسي ) .

3- كثير من العلماء وقف موقف المحايد مما يجري في سوريا، وهذا عكس واقع انفصال الفكر عن الممارسة في العالم الإسلامي ؟

* إذا اتضح الحق من الباطل فليس هناك حياد وإنما هو خيانة للأمة وخيانة لأمانة العلم ، نعم . قد يشتبه الأمر على بعض العلماء في بداية الأمر على أنه فتنة لا يتبين له وجه الحق فيها ، ويمكن لهذا الأمر أن يأخذ أسبوعا أو شهرا ، أما أن يمتد هذه المدة الطويلة فلا يمكن أن تجتمع الأمة على ضلالة خاصة أن المطالب فيها مشروعة والظلم فاش إلى درجة الفجور والطغيان واستباحة الأعراض ونهب الأموال بل والاعتداء على العقيدة وشعائر الإسلام ، فهل بعد هذا الوضوح في استبانة الحق يكون هناك حياد ، بل هناك فرقان : حق وباطل ، ومن كان مع أحدهما فلا شك هو على النقيض تماما من الآخر .

* أبو مسلم الخولاني مع معوية :

عن أبي مسلم الخولاني أن معاوية بن أبي سفيان خطب النَّاس ، وقد حبس العطاء شهرين أو ثلاثة، فقال له أبو مسلم: يا معاوية إن هذا المال ليس بمالك ولا مال أبيك ولا مال أمك، فأشار معاوية إلى النَّاس أن امكثوا، ونزل فاغتسل ثم رجع، فقال: أيها النَّاس إن أبا مسلم ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا بمال أبي ولا أمي وصدق أبو مسلم، إني سمعت رسول الله يقول: الغضب من الشَّيطان، والشَّيطان من النار، والماء يطفىء النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل، أغدوا على عطاياكم على بركة الله عز وجل .

هذا هو دور العلماء في الصدع بكلمة الحق دون أن يخافوا في الله لومة لائم .

* لماذا بابا عمرو في حمص يريدون الانتقام منها ؟!!!

قبيل معركة القادسية طلب قائد الجيش سعد بن أبي وقاص مددًا من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليستعين به على حرب الفرس، فأرسل أمير المؤمنين إلى سعد رجلين فقط ، هما : عمرو بن معد يكرب ، و طليحة بن خويلد ، وقال في رسالته لسعد : إني أمددتك بألفي رجل . رواه الطبراني .

وعندما بدأ القتال ألقى عمرو بنفسه بين صفوف الأعداء يضرب فيهم يمينًا ويسارًا ، فلما رآه المسلمون هجموا خلفه يحصدون رؤوس الفرس حصدًا ، وأثناء القتال وقف عمرو وسط الجند يشجعهم على القتال قائلاً : يا معشر المهاجرين كونوا أسودًا أشدَّاء ، فإن الفارس إذا ألقى رمحه يئس ، فلما رآه أحد قواد الفرس يشجع أصحابه رماه بنبل ، فأصابت قوسه ولم تصبه ، فهجم عليه عمرو فطعنه ، ثم أخذه بين صفوف المسلمين واجتز رأسه وقال للمسلمين : اصنعوا هكذا ، وظل يقاتل حتى أتمَّ الله النصر للمسلمين . رواه الطبراني .
توفي عمرو بن معديكرب
في حمص ودفن فيها في منطقة سميت فيما بعد بابا عمرو . فهل عرفت سبب الهجمة الشرسة على بابا عمروا ؟؟؟
* وسبب الصمود الأسطوري ؟؟؟
هل تعلم أن حمص تحوي فيها ثاني أكبر مقبرة في الإسلام بعد البقيع في المدينة المنورة وهي مقبرة الكتيب , وهل تعلم أن حمص مدفون بأرضها الطاهرة 400 صحابي من صحابة رسول .

* وهل تعلم أن الخالدية سميت نسبة لسيف الله المسلول " خالد بن الوليد " ، وفيها قبره و مسجده وترك فيها الكثير من أولاده و أحفاده من بني خالد . وهل تعرف أن بابا عمرو سميت نسبة للصحابي الجليل "عمرو بن معد يكرب " ، وفيها مسجده و قبره .

4- هل حقق مؤتمر علماء الأمة الأخير في مصر المطلوب منه ؟

* جاء متأخرا جدا ولكنه أفضل من ألا يأتي بالمرة ، هل كنا في حاجة أن ننتظر ثلاث سنوات لنعلن الجهاد والنفير والمقاطعة للظالم ؟ لقد جاء تحصيل حاصل فالشباب الطاهر لم ينتظر فتوانا لأنه أخذ زمام المبادرة على الأرض فبدأ جهاده الطاهر للدفاع عن الدين والعرض والشرف والنفس ، وهذا حق مشروع بكتاب الله وسنة رسوله ، بل بكل قوانين الأرض التي يحتكم إليها العقلاء وليس عصابات منتفعة من وراء قوانين هزيلة كسيحة موضوعة لحفظ مصالحهم .

اجتمع الحاضرون وخطبوا خطبا عصماء ثم رجعوا على بيوتهم وأهليهم ، فهل يقتصر الواجب على الخطب الرنانة وحدها ؟ وهل هذا ما تنتظره الأمة من علمائها وأئمتها ؟

كنت أتمنى أن يعقب هذا المؤتمر تفعيل عملي ، لا أن نذهب لبيوتنا ونقول قد فعلنا ما علينا وكل منا في أحضان أهله وولده ، بينما أهلنا في الشام يذبحون ويصب عليهم الحميم كل ساعة بلا رحمة ولا هوادة ، كنت أريد على الأقل أن يثمر هذا المؤتمر على الآتي :

1- أخذ المبادرة بالذهاب إلى أهلنا في سوريا ومخيمات اللاجئين والشباب المرابطين للشد على أيديهم وتصبيرهم وترغيبهم في الاستعانة بطاعة الله والصبر مع اليقين بالنصر والفرج القريب ، فالعلماء يتناوبون الزيارة واحدا بعد الآخر ، بعضهم للمخيمات من أجل تثبيتهم وبث روح الأمل والتاؤل بينهم ، والفريق الثاني في الخطوط الأولى بين المرابطين للشد على أيديهم وتثبيت قلوبهم ، فمن غير العلماء يقوم بهذا إن لم يقوموا هم ؟

2- ضبط مسألة الجهاد فليست فوضى لبعض المنفعلين أو المراهقين ، بل ينظر احتياج أهلنا في الداخل فقد لا يحتاجون إلا إلى السلاح أو من له خبرة بالقتال وليس الباب مفتوحا ليصبح عبئا على المرابطين لا عونا لهم .

ولله درالقائل :

ملكنا هذه الدنيا قرونا * وأخضعها جدود خالدونا

وسطرنا صحائف مـن ضياء * فما نسي الزمان وما نسينا

وما فتئ الزمان يدور حتى * مضى بالمجد قـوم آخرونا

وأصبح لا يرى في الركب قومي * وقد عاشوا أئمة سنينا

وآلمني وآلم كل حر * سؤال الدهر أين المسلمونا

تُرى هل يرجعُ الماضي * فإني أذوبُ لذلكَ الماضي حنينا

5- كيف يمكن الاستفادة من فتاوى المؤتمر بوجوب الجهاد في سوريا ؟

* يمكن الاستفادة من هذا المؤتمر في تفعيل قراراته بتقديم العون والنصرة والإغاثة لأهل الشام ، ولهذا التناصر صور عديدة منها :

* من صور التناصر :

1- روى البخاري عن أنس عن النبي قال : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قيل: كيف أنصره ظالما؟ قال: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره " .

2- روى الترمذي عن أبي الدرداء عن النبي قال : " من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة " صححه الألباني .

3- عن جابر بن عبد الله عن النبي قال : " ما من امرئٍ يخذل امرءًا مسلمًا في موطنٍ يُنتَقَصُ فيه من عِرضِه ، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه ، إلا خذله اللهُ تعالى في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه ، وما من أحدٍ ينصر مسلمًا في موطنٍ يُنتقَصُ فيه من عِرضِه ، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه ، إلا نصره اللهُ في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه " . قال الألباني : حسن في صحيح الجامع .

4- قال تعالى : " والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " . روي الإمام أحمد في شأن وفد عبد القيس لما جاءوا مسلمين إلي المدينة أقبل النبي على الأنصار فقال : يا معشر الأنصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشباهكم في الإسلام وكان يطمئن عليهم ويسألهم : كيف رأيتم كرامة إخوانكم لكم وضيافتهم إياكم ؟ ، فقالوا : خير إخوان ألانوا فرشنا ، و أطابوا مطعمنا ، وباتوا وأصبحنا يعلموننا كتاب ربنا وسنة نبينا ، فأعجب النبي وفرح لذلك ثم أقبل عليهم رجلاً رجلاً يعرضهم على ما تعلموه وما علموه ، فمنهم من تعلم التحيات وأم الكتاب والسورة والسورتين والسنة والسنتين .

5- يمكن لكل ذي قدرة على فعل شئ أن يقوم كلٌ في مكانه بما يستطيع فعله ، سواء بالكلمة أو النصيحة أو البذل والتضحية أو إنفاق النفس والمال أو التواصل الإعلامي لتعريف الناس بل العالم كله بهذه القضية التي فاقت في بشاعتها كل صور الظلم والقسوة في التاريخ ، حتى أصبح طاغية الشام ومن معه عارا على الإنسانية كلها ، لقد فاق في بشاعته فرعون الذي كان يذبح الأطفال ويستحي النساء ، أما هذا فإنه يذبح الأطفال والنساء ويمثل بجثث الموتى أبشع تمثيل ، ولم يسلم منه مريض ولا عاجز ولا شيخ كبير ولا امرأة عجوز ولا طفل ولا امراة .

6- كثير من العلماء مازال يقصر دوره على إعطاء دروس الفقه، بعيداً عن بؤرة الأحداث، وصياغة مفاهيم المجتمع؟

* لا يكون العلم عالما فقيها حتى يكون لديه فقهان : فقه النص وفقه الواقع ، فلا يجوز أن يكون في واد والأمة في واد آخر وإلا فمن يبصرهم بما يجب عليهم فعله في كل وقت ؟

وإذا تتبعنا سيرة النبي وسيرة أصحابه نراها ملتصقة بالناس ، إذا حدثت مجاعة أو فاقة أو نزل ضر بقوم ترى الخطبة موجهة للإغاثة والإعانة ، إذا حدثت فتنة وخلاف ترى الكلام موجه للاعتصام بحبل الله ونبذ الفرقة ، إذا كان هناك جهاد لنشر الدعوة والحق كان هناك تحريض على التضحية بالغالي والنفيس ، وهكذا يناسب الخطاب حال الأمة وما تمر به من أزمات تحتاج إلى معرفة حكم الشرع فيما نزل بها ، وهذا لا يمنع بقية علوم الشريعة وعمارة المساجد بها ، لأن العلم هو العاصم للأمة من الجهل والخطأ والانحراف ، ولكن لكل مقام مقال ، وهذه أمثلة من السيرة :

1- عند نزول فقر وفاقة :

روى مسلم عن جرير عن أبيه قال: كنا عند النبي في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم - الآية إلى قوله - رقيبا" [النساء: 1] والآية التي في الحشر "ولتنظر نفس ما قدمت لغد" [الحشر: 18] تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره - حتى قال - ولو بشق تمرة . قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله : " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " .

مصائب الأمة كانت تحرك الرحمة الكامنة في قلب الحبيب المصطفي كيف لا وهو الرحمة المهداة المبعوث رحمة للعالمين ، وإذا كان كلنا نريد الرحمة ونريد المغفرة ، وهذا هو الطريق لمغفرة الله ورضوانه ، طريق يبدأ بالرحمة علي عباد الله والتنفيس عن المكروبين ، وإشباع جوعة الجائعين ، فالراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء .

2- عند حدوث فرقة وانقسام :

روى ابن إسحاق في السيرة : جلس جمع من الأوس والخزرج في المدينة وهم يتحدثون وبينهم ألفة وحب ومودة ، فمر أحد اليهود فساءه ما هم عليه من اجتماع وألفة ومحبة ، فأرسل رجلا معه ليجلس بينهم ويذكرهم بأيام بعاث ، وهذه كانت حرب دارت بينهما مائة وعشرين عاما ، رغم أنهما قبيلتان لأب واحد وأم واحدة .

فحميت نفوسهم وغضب بعضهم علي بعض ونادوا بشعارهم يا للأوس يا للخزرج وأخذوا سلاحهم وتواعدوا الحرة للاقتتال فلما سمع بذلك النبي جاء مسرعا وجعل يسكنهم ويقول : أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ وتلا عليهم قوله تعالي : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون " . فندموا علي ما كان منهم وبكوا وتعانقوا وألقوا سلاحهم رضي الله عنهم .

وعقب القرآن بعدها بآية : " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات " ، السؤال الذي يطرح نفسه : عند مجيء البينات هل الواجب أن نجتمع أم نفترق ؟ أن نتفق أم نختلف ؟ عند سطوع شمس الحق تزول الغشاوة ويظهر الحق ويلتئم شمل الأمة ، وهذا ما تؤكده شريعة الله لاستئصال سرطان الفرقة والخلاف من جذوره والذي يستفحل بسبب أمور أربعة حذرنا منها ديننا وهي : الجهل . و الجدال . و الغفلة . و المعصية .

قالَ الله تعالَى : {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .

3- عند بيان حدود الله وعدم التهاون فيها :

أخرج البخاري عروة بن الزبير : أن امرأة سرقت في عهد رسول الله في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أًسامة بن زيد يستشفعونه. قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله ، فقال: (أتكلمني في حد من حدود الله). قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله خطيبا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). ثم أمر رسول الله بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله .

7- تعيش الثورة السورية التي توصف بثورة الأمة حالة من التشرذم في صفوفها، ما حجم المسؤولية التي يتحملها العلماء في هذا الواقع ؟

* التفرق والتشرذم سببه الهوى والجهل ، ولا دواء لهما إلا العلم والبصيرة ، ودور العلماء هو جمع الكلمة بالاحتكام إلى الشرع وتأليف القلوب والتقريب بين الآراء وإن اختلفت بسبب اجتهاد أصحابها ، فالمسلمون كفاكهة متنوعة كثيرة ولكن يجمعها صحن واحد ، والعالم كالسفينة إذا غرقت غرق من فيها ، ولم تتفرق الأمة إلا من غياب علمائها عن الساحة وهذا هو الذي فتح الباب للرويبضة الذي حذر منه النبي ، وهو الرجل التافه يتكلم في أمر العامة ، ماذا ينتظر من سفينة تائهة وربانها نيام ؟!!

وعلى مدار التاريخ كان العلماء هم من يجمع عقد الأمة من الانفراط ، فالمسبحة فيها مائة حبة ولكن يجمعها حبل واحد ، فإذا انقطع هذا الحبل تفرقت حباته .

* روي أبو داود عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله : " عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية " وأخرج الترمذي عن ابن عباس أن النبي قال : " يد الله مع الجماعة " .

الحق نور واحد ، والباطل ظلمات متعددة ، وهذه الأمة علي بينة من ربها وبصيرة من دينها إذا اعتصمت بدين الله وحبله المتين ، فتوحيد الأمة هو الذي صنع أمة التوحيد ، فهذه الأمة ربها واحد . ونبيها واحد . وكتابها واحد . وقبلتها واحدة . وهي أمة الحق والحق نور واحد ، فمن أين يأتيها الخلاف والشقاق ؟ نعم . وحدة الأمة قوة ورحمة وفرقتها ضعف وهوان وعذاب .

* جاء النبي رحمة للعالمين ، وسببا في تأليف القلوب وجمع الكلمة ، وكان يكره الفرقة والتنازع والاختلاف ، وكم درء الله به من فتن عظيمة بما علَّمه للأمة بل للبشرية من أسباب الألفة والوحدة ، والتنفير من الفرقة والخلاف . " لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "

وهناك موقفان في حياته قبل البعثة وهو شاب لم يُوح إليه بعد يدلان علي ما يهيؤه الله له من النبوة والرسالة لدرء الفتن واجتماع القلوب :

* الموقف الأول : وكان سنه الشريف عشرين عاما حينما شهد بمكة حلف الفضول . ما هو هذا الحلف ولماذا سمي بذلك وما هو سبب نشأته ؟ [ رجل من زبيد قدم مكة ببضاعة ، فاشتراها منه العاص بن وائل أحد أشراف قريش فحبس حقه ، فاستعدي عليه الزبيدي أشراف قريش ، فأبوا أن يعينوا علي العاص بن وائل لمكانته وانتهروه ، واستغاث الزبيدي أهل مكة واستعان بكل ذي مروءة .

وهاجت الغيرة في رجال من ذوي المروءة والفتوة ، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاما وتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يدا واحدة مع المظلوم علي الظالم حتي يُؤدي إليه حقه ، فسمت قريش ذلك " حلف الفضول " وقالوا : لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر ، ثم مشوا إلي العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه .

وكان مغتبطا بهذا الحلف وهو ممن شهده وقال:" لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت ، تحالفوا علي أن يردوا الفضول علي أهلها وأن لا يعز ظالم مظلوما " .

ياليت المتحضرين في زماننا يلتفتون إلي قريش في جاهليتها فيأخذوا درسا من حلف الفضول غير أنه لا حلف في الإسلام . وسُمي بذلك لأن الذي دعا إليه ثلاثة من أشراف قريش كلهم اسمه فضل : الفضل بن فضالة ، والفضل بن وداعة ، والفضل بن الحارث .

* الموقف الثاني : وكان سنه خمسة وثلاثين عاما . اجتمعت قريش لبناء الكعبة بعدما هدمها سيل جارف ، ولما بلغ البنيان موضع الركن اختصموا في الحجر الأسود ، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلي موضعه دون الأخري ، وكل قبيلة تريد أن يكون لها هذا الشرف حتي آل الأمر إلي الحرب ، وقد كانت الحروب في الجاهلية علي أهون من هذا بكثير .

وأعدوا للقتال عدته ، وقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما وتعاقدوا هم وبنو عدي علي الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم بتلك الجفنة ، ومكثت قريش علي ذلك أياما في آية الموت والشر .

ثم اتفقوا علي أن أول من يدخل من باب المسجد يقضي بينهم ، فكان أول داخل عليهم هو رسول الله ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين رضينا ، هذا محمد . ودعا بثوب وأخذ الحجر ووضعه فيه بيده ، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ، ففعلوا ، حتي إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده الشريفة .

وهكذا درأ النبي الحكيم الحرب عن قريش بحكمة واعية وبصيرة نافذة ، وكان ذلك إرهاصا ومقدمة بدرء الحروب والشرور عن الشعوب والأمم بعد النبوة بحكمته وسنته ورحمته ورفقه وشفقته بعموم الخلق ، كيف لا وهو رحمة الله للعالمين .

* إن العرب قبل الإسلام كانوا متفرقين مختلفين لا يجمعهم دين ولا يوحدهم غاية ، فأهواؤهم مختلفة ، وقلوبهم شتي ، فجاء الإسلام فجمعهم علي الحق ، وأخرج منهم خير أمة أخرجت للناس ، وعلمهم رسول الله دين الله الذي يجمعهم ولا يفرقهم ، فالفرائض والأركان والسنن والنوافل والأحكام والشرائع كلها لجمع الأمة لا لتفريقها .

إذا أذن المؤذن وأقيمت الصلاة أين نتجه في صلاتنا مهما اختلفت مذاهبنا وآراؤنا أليس إلي قبلة واحدة ؟ إذا جاء شهر رمضان شهر الصوم ألا تصوم الأمة كلها في القارات الخمس شهرا واحدا ؟ إذا جاء الحج وحان وقت الوقوف بعرفة فهل هناك موقف واحد لكل أمة علي جبل عرفات أم لهم مواقف شتي ؟

الفرائض تجمع الأمة ، والفروع التي أجازت الشريعة الاختلاف فيها لا ينبغي أن تمزق الأمة ولا أن تفتح لها باب الخلاف لتخرج من الحق بالحق لأن هذا هو مراد الشيطان .

* يقول ربنا جل وعلا : " وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " ، وجاءت السُنة بنصوص كثيرة تدعو الأمة إلى الوحدة ونبذ الخلاف والشقاق والفرقة الذي يؤدي إلي الفشل والهزيمة ، فالاتحاد في الفكر والرأي واجتماع الكلمة وألفة القلوب نعمة من نعم الله تحتاج الشكر ، وقوة للوطن والأمة ، وهو من أكبر الحصون التي تقي الأمة شرور الفتن ، كما أنه أكبر عاصم لها من الخطأ والزلل :

1- روى الحاكم عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي أن النبي قال : " عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ اللهِ وَهَذِهِ الْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لاَ يَجْمَعُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلاَلَةٍ أَبَدًا " .

2- روى أحمد ومسلم عن أبي هريرة أن النبي قال : " إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثاً وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاَثاً ، يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ، وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ " .

3- روى أحمد والترمذي عن عمر أن النبي قال : " مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ " . و ( بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ ) : أيْ وسطَهَا.

وفِي حديثٍ آخرَ : " الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ " رواه أحمد والطبراني بسند ضعيف عن النعمان بن بشير . وقال السخاوي : سنده ضعيف ولكن له شواهد .

4- ومناصحة أولياء الأمور والدعاء لهم بالبطانة الصالحة والتوفيق لمنافع البلاد والعباد من هدى النبوة ، روى أحمد عن جبير بن مطعم وأبو داود عن زيد بن ثابت والترمذي عن ابن مسعود أن النبي قال : " ثَلاَثٌ لاَ يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ : إِخْلاَصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ ، وَالنُّصْحُ لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ " .

8- من هو العالِم وهل كل من حمل العلم صُنِّف عالم ؟

* لا يصبح الرجل عالما حتى يكون : عالما بدينه ، عاملا به ، داعيا إليه ، فهذه الثلاث تجعل منه عالما ربانيا مربيا ، وهناك نصوص كشفت عن حقيقة العلماء والمراد بهم ، فهم العالمون بشرع الله والمتفقهون في دينه ، العاملون بعلمهم على هدى وبصيرة، الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وهذا التعريف يقوم على ثلاثة أركان العلم والعمل والدعوة إليه، ومن الأدلة التي تشهد على صحة المعنى السابق من الكتاب قوله تعالى: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } (فاطر 28) ، وقوله تعالى : " أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب " (الزمر 9) .
فالعبرة في وصف العالم بالعلم هو ما اتصف به من تقوى الله وخشيته ، قال عبد الله بن مسعود : ليس العلم عن كثرة الرواية ، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب .

* معاذ بن جبل حامل لواء العلماء يوم القيامة ، وكان شابا صغير السن ويحبه النبي حبا شديدا وأقسم علي هذا الحب وقال : يا معاذ والله إني لأحبك ، لا تدعن دبر كل صلاة تقول : اللهم أعني علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " .

هذه هي شهوته من الدنيا ، لذلك جعله الله أمة وإماما يقتدي به ،قال ابن مسعود : إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا، فقال بعض جلسائه في نفسه : غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله -عز وجل-: { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله } . فأعاد ابن مسعود قوله ثم قال له : أتدري ما الأمة ، وما القانت ؟ فقلت:الله أعلم . قال: الأمة الذي يعلم الناس الخير، والقانت المطيع لله ولرسول الله ، وكذلك كان معاذ بن جبل ، كان معلم الخير، وكان مطيعا لله ولرسوله . الرجل الأمة هو الذي جمع هذه الخصال الثلاثة : العلم . والعمل . والدعوة .

* محمد بن واسع : قَالَ سُليمان التيمي: ما أحد أحب أن ألقى الله بمثل صحيفته، مثل محمد بن واسع.
* عبد الله بن المبارك مع الرشيد : قدم أمير المؤمنين الرَّشيد الرقة، فانجفل النَّاس خلف ابن المبارك، وتقطعت النِّعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولدٍ لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب، فقالت: من هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قَدِم، قالت: هذا والله الملك؛ لا ملك هارون الذي لا يجمع النَّاس إلا بشرطٍ وأعوان.

وأخيرا فليس كل من حفظ المتون وتكلم بالعلم صار من أهله ، فالعبرة ليست بكثرة المحفوظات وترديد النصوص إنما العبرة بالعمل بالعلم والورع عند الشهبات والزهد في متاع الدنيا الرخيص والجهر بكلمة الحق أمام من كان دون أن يخاف في الله لومة لائم .

والله تعالى أعلم .

   طباعة 
0 صوت

::: التعليقات : تعليق :::

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 5 = أدخل الكود

::: روابط ذات صلة :::

روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقالة التالية

::: جديد المقالات :::

جديد المقالات
حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ
الاستغلال الوظيفي - مقالات علمية للشيخ

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net