523 - حُفَّت الجنة بالمكاره وحُفَّت النار بالشهوات ومعنى الهم في حديث من همَّ بحسنة أو سيئة والتحذير من محقرات الذنوب - شرح صحيح البخاري. - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري مكانة الصحابة في الكتاب والسنة ( خطب مسموعة ) - خطب جمعة صوتية 524 الأعمال بالخواتيم والعزلة راحة من خلطاء السوء ومعنى رفع الأمانة من القلوب والترهيب من الرياء والسمعة ومعنى مجاهدة النفس - شرح صحيح البخاري. - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري 525 التواضع وشرح حديث (من عادى لي وليا) وقول النبي (بُعثت أنا والساعة كهاتين) ومن علامات الساعة طلوع الشمس من مغربها - شرح صحيح البخاري. - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري مفهوم عهد الأمان في العصر الحاضر ( خطب مسموعة ) - خطب جمعة صوتية 526 من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وحال المؤمن والكافر عند سكرات الموت - شرح صحيح البخاري. - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري وإن تطيعوه تهتدوا ( خطبة مسموعة) - خطب جمعة صوتية 527 النفخ في الصور ويقبض الله الأرض يوم القيامة وتصبح الأرض بيضاء عفراء مستوية ليس فيها معلم لأحد - شرح صحيح البخاري. - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري 528 الحشر - يُحشر الناس حفاة عراة غرلا ويُحشر الكافر على وجهه وأول الخلائق يُكسى إبراهيم الخليل - شرح صحيح البخاري. - سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري آيات الله في السحاب والمطر ( خطبة مسموعة) - خطب جمعة صوتية
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في

إنني أعمل بتجارة الذهب وهناك فتوى بأنه يجوز مبادلة الذهب القديم بالجديد مع اختلاف الوزن وذلك ليس من الربا وأنه بالمصنعية تحول إلى سلعة أخرى غير الذهب الذي فيه علة الثمنية فما هو رأيكم؟

الفتوى
إنني أعمل بتجارة الذهب وهناك فتوى بأنه يجوز مبادلة الذهب القديم بالجديد مع اختلاف الوزن وذلك ليس من الربا وأنه بالمصنعية تحول إلى سلعة أخرى غير الذهب الذي فيه علة الثمنية فما هو رأيكم؟
22 زائر
03-11-2019
السؤال كامل

فتاوى المعاملات المالية رقم : 6433

السؤال : السلام عليكم ورحمة الله . إنني أعمل بتجارة الذهب وهناك فتوى بأنه يجوز مبادلة الذهب القديم بالجديد مع اختلاف الوزن وذلك ليس من الربا وأنه بالمصنعية تحول إلى سلعة أخرى غير الذهب الذي فيه علة الثمنية فما هو رأيكم ؟

البلد : مصر .

التاريخ : 13 / 6 / 2019

رقم الفتوى : 6433

جواب السؤال

الجواب : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

جمهور الفقهاء على تحريم بيع الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد ، وذلك لما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ " .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" :

[ (قَوْلُهُ: «وَلَا تُشِفُّوا»... أَيْ: تُفَضِّلُوا، وَهُوَ رُبَاعِيٌّ مِنْ أَشَفَّ وَالشِّفُّ بِالْكَسْرِ الزِّيَادَةُ وَتُطْلَقُ عَلَى النَّقْصِ، قَوْلُهُ: «وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ»... مُؤَجَّلًا بِحَالٍّ ، أَيْ: وَالْمُرَادُ بِالْغَائِبِ أَعَمُّ مِنَ الْمُؤَجَّلِ كَالْغَائِبِ عَنِ الْمَجْلِسِ مُطْلَقًا مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ حَالًّا. وَالنَّاجِزُ: الْحَاضِرُ] اهـ.

وروى مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد " ، وفي رواية أبي سعيد : " فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء " .

وروى أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الذهب بالذهب ، مثلًا بمثل ، سواءً بسواء ، يدًا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى " .

وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : " جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَيْنَ هَذَا ؟ قَالَ بِلَالٌ : كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : " أَوَّهْ أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا لَا تَفْعَلْ وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ " .
قال الإمام النووي رحمه الله في "شرح صحيح مسلم" :

[ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوَّهْ عَيْن الرِّبَا ) قَالَ أَهْل اللُّغَة: هِيَ كَلِمَة تَوَجُّع وَتَحَزُّن ، وَمَعْنَى عَيْن الرِّبَا : أَنَّهُ حَقِيقَة الرِّبَا الْمُحَرَّم ] اهـ .
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله في "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" (1/370) :

[ هو نص في تحريم ربا الفضل في التمر وجمهور الأمة على ذلك وكان ابن عباس يخالف ربا الفضل وكُلم في ذلك فقيل: إنه رجع عنه ] اهـ.

وهناك من أجاز بيع الذهب القديم بالذهب الجديد متفاضلا معللا ذلك بأن الذهب بالصياغة خرجت منه علة التحريم وهي الثمنية وصار سلعة مثل باقي السلع يجوز فيها التفاضل ، واستند من ذهب إلى هذا القول بأنه فعل معاوية رضي الله عنه في الشام وقول للإمام مالك رحمه الله ، وقد رد الإمام النووي رحمه الله في كتابه "المجموع شرح المهذب" هذه الدعوى وأبطل نسبتها للإمام مالك بل وإنكار المالكية هذا القول ونسبته إلى الخطأ وسوء فهم مقصود الإمام مالك حينما سُئل عن مسألة مشابهة ، وهذا ما قاله الإمام النووي رحمه الله بتمامه :

قال الإمام النووي رحمه الله في "المجموع" (ج10/ 83 - 84) :

[ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا وَلَا الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ كَذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَا مَصُوغَيْنِ أَوْ تِبْرَيْنِ أَوْ عَيْنَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَصُوغًا وَالْآخَرُ تِبْرًا أَوْ عَيْنًا أَوْ جَيِّدَيْنِ أَوْ رَدِيئَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا جَيِّدًا وَالْآخَرُ رَدِيئًا أَوْ كَيْفَ كَانَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَعَلَى ذَلِكَ مَضَى السَّلَفُ وَالْخَلَفُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْأُمِّ (وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُصَارِفَ الرجل الصائغ الفضة بالحلى الفضة الممولة وَيُعْطِيَهُ إجَارَتَهُ لِأَنَّ هَذَا الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مُتَفَاضِلًا .

ولا نعرف في ذلك خلافا إلا ماروي عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الرِّبَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ بِالتِّبْرِ وَلَا بِالْمَصُوغِ وَيَذْهَبُ إلَى أَنَّ الرِّبَا لَا يَكُونُ فِي التَّفَاضُلِ إلَّا فِي التِّبْرِ بِالتِّبْرِ وَفِي الْمَصُوغِ بِالْمَصُوغِ وَفِي الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ كَذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَقَدْ أَشَرْتُ إلَيْهِ هُنَاكَ .

وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الصِّحَاحِ بِالْمُكَسَّرِ لِأَنَّ لِلصِّنَاعَةِ قِيمَةً ، وَحَكَى أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى جَوَازَ بَيْعِ الْمَضْرُوبِ بِقِيمَتِهِ مِنْ جِنْسِهِ كَحُلِيٍّ وَزْنُهُ مِائَةٌ يَشْتَرِيهِ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي مُقَابَلَةِ الصَّنْعَةِ وَهِيَ الصِّيَاغَةُ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كَانَ أَهْلُ الشَّامِ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ فَنَهَاهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْمَالِكِيَّةُ يُنْكِرُونَ هَذَا النَّقْلَ عَنْ مَالِكٍ .

قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ : وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنَّا فِي هَذَا الْعَصْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْضَلَ بَيْنَهُمَا قَدْرَ قِيمَةِ الصِّيَاغَةِ وَهَذَا غَلَطٌ عَلَيْنَا وَلَيْسَ هَذَا بِقَوْلٍ لَنَا وَلَا لِأَحَدٍ عَلَى وَجْهٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ عُمُومُ الظَّوَاهِرِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَلَيْسَ فِيهَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمَصُوغِ وَالْمَضْرُوبِ . وَصَرَّحَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بِأَنَّ زِيَادَةَ قِيمَةِ الصَّنْعَةِ إنَّمَا لَا تُرَاعَى إلَّا فِي الْإِتْلَافِ دُونَ الْمُعَاوَضَاتِ فَلَا وَجْهَ لِنَصْبِ الْخِلَافِ مَعَهُمْ وَهُمْ مُوَافِقُونَ ، وَقَدْ نَصَّبَ أَصْحَابَنَا الْخِلَافَ مَعَهُمْ وَكَانَ شُبْهَةُ النَّقْلِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَةً نَقَلَهَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ مَالِكٍ فَكَأَنَّ الْأَصْحَابَ أَخَذُوا مِنْهَا ذَلِكَ لِمَا كَانَ لَازِمًا بَيِّنًا مِنْهَا وَهَا أَنَا أَنْقُلُ الْمَسْأَلَةَ مِنْ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ : رَوَاهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ سَوْءٍ مُنْكَرَةٌ لَا يَقُولُ بِهَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةٍ مَا يُخَالِفُهَا .

قَالَ مَالِكٌ فِي التَّاجِرِ يَأْتِي دَارَ الضَّرْبِ بِوَرِقِهِ فَيُعْطِيهِمْ أَجْرَ الضَّرْبِ وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ وَزْنَ وَرِقِهِ مَضْرُوبَةً قَالَ : إذَا كَانَ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ خروج الرقعة ونحوه فأرجو أن لا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ، وَقَالَ سَحْنُونَ عَنْ ابْنِ القاسم : أراه حقيقا لِلْمُضْطَرِّ وَلِذِي الْحَاجَةِ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَذَلِكَ ربا ولا يحل شئ مِنْهُ ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : لَا يَصْلُحُ هذا ولا يعجبني اهـ

وقد ذكر بن رُشْدٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ ونقل عن مالك أنه قال : إنى لا أرجو أن يكون حقيقا وَقَدْ كَانَ يُعْمَلُ بِهِ بِدِمَشْقَ فِيمَا مَضَى وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَى أَهْلِ الْوَرَعِ مِنْ النَّاسِ فَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ... إلى أن قال : وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ الْمَوَّانِ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْيَوْمَ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ ارْتَفَعَتْ وَقَالَ سَحْنُونَ لَا خَيْرَ فِيهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَحُكِيَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَنْ لَقِيَ مِنْ الْمَدَنِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ فَلَمْ يُرَخِّصُوا فِيهِ عَلَى حَالٍ...

)وَالْوَجْهُ الثَّانِي) اسْتِعْمَالُ الدَّنَانِيرِ وَمُبَادَلَتُهَا بِالذَّهَبِ بَعْدَ تَخْلِيصِهَا وَتَصْفِيَتِهَا مَعَ زِيَادَةِ أُجْرَةِ عَمَلِهَا ، قَالَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ لِمُضْطَرٍّ وَلَا لِغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ... ثُمَّ قَالَ : مَا هُوَ مِنْ عَمَلِ الْأَبْرَارِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَاهُ خفيفا لِلْمُضْطَرِّ وَذَوِي الْحَاجَةِ .

(وَالصَّوَابُ) أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ الَّذِي يُبِيحُ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَإِنَّمَا خَفَّفَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ مَعَ الضَّرُورَةِ الَّتِي تُبِيحُ أَكْلَ الْمَيْتَةِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ لَا يَرَى الرِّبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ كَلَامِهِ : وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ شِرَاءَ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِوَزْنِهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَزِيَادَةِ قَدْرِ الصِّيَاغَةِ ، وَإِنْ كَانَ مُعَاوِيَةُ يُجِيزُ تِبْرَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيرِ مُتَفَاضِلًا وَالْمَصُوغَ مِنْ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي ذَلِكَ فَرَاعَى فِيهِ قَوْلَهُ انْتَهَى مَا أَرَدْتُ نَقْلَهُ مِنْ كَلَامِهِ .

فَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ تَحْرِيرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَوَجْهُ الِاشْتِبَاهِ فِي النَّقْلِ عَنْهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَعْنَى مَا نُقِلَ عنه ومعنى ما قاله إلَّا لِلضَّرُورَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا لَمَّا نَقَلُوا عَنْهُ حُجَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ وَجَوَابَهَا فَنَذْكُرُهَا لِيُسْتَفَادَ وَيَحْصُلَ بِهَا الْجَوَابُ عَنْ مَذْهَبِ مُعَاوِيَةَ وَعَمَّا ذَهَبُوا إلَيْهِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ .

فَنَقَلُوا مِنْ احْتِجَاجٍ مِنْ نَصِّ قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ عَلَى رَجُلٍ حُلِيًّا وَزْنُهُ مِائَةٌ وَصِيَاغَتُهُ تُسَاوِي عَشْرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَعَشَرَةٌ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رِبًا فَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَاهُ وَقَدْ ذكر أصحابنا الجواب عن ذلك وأبسطهم جواب القاضى أبو الطَّيِّبِ...] اهـ. بحذف يسير .

وقال الإمام السرخسي رحمه الله في "المبسوط" (ج14 / 7 - 10) :

[ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَتَانِي الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ فَصَرَفْت لَهُ الدَّرَاهِمَ وَافِيَةً بِدَنَانِيرَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِيمَا أَظُنُّ، ثُمَّ جَاءَنِي فَقَالَ: اشْتَرِ بِهَا غَلَّةً فَجَعَلْت أَطْلُبُ الرَّجُلَ الَّذِي صَرَفْت عِنْدَهُ فَقَالَ لَا عَلَيْك أَنْ لَا تَجِدَهُ، وَإِنْ وَجَدْته فَلَا أُبَالِي، وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِالصَّرْفِ، وَأَنَّ التَّفَاضُلَ حَرَامٌ عِنْدَ اتِّفَاقِ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ كَانَ مَقْصُودُ الْأَسْوَدِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّرَاهِمِ الْجِيَادِ الْغَلَّةَ، وَعَلِمَ أَنَّ الْفَضْلَ حَرَامٌ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا دَنَانِيرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّنَانِيرِ الْغَلَّةَ، وَكَانَ هَذَا الْوَكِيلُ اشْتَغَلَ بِطَلَبِ ذَلِكَ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ ظَهَرَ عِنْدَهُ أَمَانَتُهُ، وَمُسَامَحَتُهُ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَبَيَّنَ لَهُ الْأَسْوَدُ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ فِيمَا هُوَ مَقْصُودٌ فَلَا يَتَكَلَّفُ فِي طَلَبِهِ.

وَعَنْ أَبَانَ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بِعْت جَامَ فِضَّةٍ بِوَرِقٍ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ قُلْت : الْحَاجَةُ ، قَالَ: رُدَّ الْوَرِقَ إلَى أَهْلِهَا، وَخُذْ إنَاءَكَ وَعَارِضْ بِهِ. فَفِيهِ دَلِيلُ حُرْمَةِ الْفَضْلِ، وَوُجُوبُ الرَّدِّ عِنْدَ فَسَادِ الْعَقْدِ، وَأَنَّ بِسَبَبِ الْحَاجَةِ لَا يَحِلُّ الرِّبَا لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَرْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ كَمَا هَدَاهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَخُذْ إنَاءَك وَعَارِضْ بِهِ، وَلَكِنَّهُ عَذَرَهُ لِلْحَاجَةِ، وَلَمْ يُؤَدِّبْهُ، وَكَانَ قَصْدُهُ بِالسُّؤَالِ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يَعْلَمَ سَبَبَ إقْدَامِهِ عَلَى هَذَا الْعَقْدِ حَتَّى إذَا بَاشَرَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ أَدَّبَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مُؤَدِّبًا يُؤَدِّبُ عَلَى مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ.

وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: سَأَلْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الصَّوْغِ أَصُوغُهُ فَأَبِيعُهُ قَالَ وَزْنًا بِوَزْنٍ فَقُلْت: إنِّي أَبِيعُهُ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَلَكِنْ آخُذُ فِيهِ أَجْرَ عَمَلٍ ، فَقَالَ: إنَّمَا عَمَلُك لِنَفْسِك، وَلَا تَرْدُدْ شَيْئًا فَإِنَّ " رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ نَبِيعَ الْفِضَّةَ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ" ، ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا رَافِعٍ : إنَّ الْآخِذَ وَالْمُعْطِيَ وَالشَّاهِدَ وَالْكَاتِبَ شُرَكَاءُ ، وَفِيهِ دَلِيلُ حُرْمَةِ الْفَضْلِ ، وَأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلصَّنْعَةِ فِيمَا هُوَ مَالُ الرِّبَا فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ عَمِلَ لِنَفْسِهِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ مَا يَأْخُذُ مِنْ الزِّيَادَةِ عِوَضًا عَنْ الصَّنْعَةِ ...

وَلَا قِيمَةَ لِلصَّنْعَةِ فِي الْبَيْعِ، ثُمَّ بَيَّنَ شِدَّةَ الْحُرْمَةِ فِي الرِّبَا بِقَوْلِهِ: الْآخِذَ وَالْمُعْطِيَ وَالْكَاتِبَ وَالشَّاهِدَ فِيهِ سَوَاءٌ أَيْ فِي الْمَأْثَمِ ...

وَعَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، الْكِفَّةُ بِالْكِفَّةِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، الْكِفَّةُ بِالْكِفَّةِ، وَلَا خَيْرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا " فَقُلْت إنِّي سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: لَيْسَ فِي يَدٍ بِيَدٍ رِبًا فَمَشَى إلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنَا مَعَهُ فَقَالَ لَهُ: أَسْمَعْت مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ نَسْمَعْ ؟ فَقَالَ: لَا، فَحَدَّثَهُ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا أُفْتِي بِهِ أَبَدًا " ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِجِنْسِهِمَا إذَا اعْتَدَلَ الْبَدَلَانِ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِتَيَقُّنِنَا بِالْمُمَاثَلَةِ وَزْنًا، وَالْمُمَاثَلَةُ إذَا وُزِنَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ أَظْهَرُ مِنْهُ إذَا وُزِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالصَّنَجَاتِ، وَفِيهِ دَلِيلُ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ فَتْوَاهُ فِي إبَاحَةِ التَّفَاضُلِ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ انْقَادَ لَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَهَذَا لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ بِالْعَدَالَةِ وَالْوَرَعِ ، وَإِنَّمَا مَشَى إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِطَرِيقِ الْخَشْيَةِ لِإِظْهَارِ الشَّفَقَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَوْ دَعَاهُ إلَى نَفْسِهِ لَأَتَاهُ ، وَهَذَا هُوَ الْأَحْسَنُ لِلْكَبِيرِ فِي مُعَامَلَةِ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ .

وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّبَا، وَقَدْ نُقِلَ هَذَا اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الْإِرْبَاءَ.

وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ بَقَايَا بَيْتِ الْمَالِ يَدًا بِيَدٍ بِفَضْلٍ فَخَرَّجَ خُرْجَةً إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ رِبًا، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَخْلَفَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَخْبَرَةَ الْأَسَدِيَّ ، فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَاهُ عَنْ بَيْعِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَامِلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْكُوفَةِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّ اخْتِلَافَ الصَّنْعَةِ كَاخْتِلَافِ النَّوْعِ، وَكَانَ يَجْعَلُ الْبِقَايَةَ مَعَ الْجَيِّدِ نَوْعَيْنِ فَيُجَوِّزُ التَّفَاضُلَ بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ " ، ثُمَّ سَأَلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْكُلَّ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ الْكُلَّ فِضَّةٌ...

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم :" الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ يَدٌ بِيَدٍ وَالْفَضْلُ رِبًا» فَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ لَهُ الْحَقَّ فِي مَقَالَتِهِ، وَمِنْ هَذَا يُقَالُ: عَالِمُ الْكُوفَةِ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى عَالِمِ الْمَدِينَةِ يُرَادُ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .

وَقَدْ نُقِلَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّ أَبَا صَالِحٍ السَّمَّانَ يَقُولُ سَأَلْت عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الدَّرَاهِمِ تَكُونُ مَعِي لَا تُنْفَقُ فِي حَاجَتِي فَأَشْتَرِي بِهَا دَرَاهِمَ تُنْفَقُ فِي حَاجَتِي، وَأَهْضِمُ مِنْهَا قَالَ: لَا، وَلَكِنْ بِعْ دَرَاهِمَك بِدَنَانِيرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ تُنْفَقُ فِي حَاجَتِك، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِيَادَ وَالزُّيُوفَ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَحَرُمَ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ هُنَا مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ»، فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا.

... ثُمَّ ذَلِكَ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الرِّبَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ «إذَا اشْتَرَيْتُمْ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَاشْتَرُوهُ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» يَعْنِي بِذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ لَمْ نَسْمَعْهَا فَقَالَ عُبَادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَشْهَدُ إنِّي سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّ بِهِ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِمَّنْ يُجَوِّزُ التَّفَاضُلَ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْحَدِيثِ؛ فَلِهَذَا قَالَ مَا قَالَ، وَقِيلَ: إنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَثْبِتَهُ فِي رِوَايَتِهِ، وَمُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ رُوَاةِ حَدِيثِ الرِّبَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: " أَحَادِيثَ لَمْ نَسْمَعْهَا " مَا ذَكَرَهُ فِي آخَرِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ اشْتَرَيْتُمْ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَأَكَّدَ عُبَادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَتَهُ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ " أَشْهَدُ " بِمَعْنَى أَحْلِفُ،قَالَ: " لَأُحَدِّثَنَّ بِهِ "؛ لِأَنِّي أَتَيَقَّنُ بِسَمَاعِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّبْلِيغِ فَلَا أَدَعُهُ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَلْ أُحَدِّثُ بِهِ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ مُعَاوِيَةَ.] اهـ. بحذف يسير

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (ج4/ 8 – 9) :

[ (فَصْلٌ جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ التَّمَاثُلِ وَتَحْرِيمِهِ مَعَ التَّفَاضُلِ)

فَصْلٌ : وَالْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ، وَالتِّبْرُ وَالْمَضْرُوبُ، وَالصَّحِيحُ وَالْمَكْسُورُ، سَوَاءٌ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ التَّمَاثُلِ، وَتَحْرِيمِهِ مَعَ التَّفَاضُلِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُ بَيْعِ الْمَضْرُوبِ بِقِيمَتِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَنْكَرَ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ، وَنَفَوْهُ عَنْهُ.

وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً، لَا يَجُوزُ بَيْعُ الصِّحَاحِ بِالْمُكَسَّرَةِ. وَلِأَنَّ لِلصِّنَاعَةِ قِيمَةً ؛ بِدَلِيلِ حَالَةِ الْإِتْلَافِ ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ ضَمَّ قِيمَةَ الصِّنَاعَةِ إلَى الذَّهَبِ.

وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ". وَعَنْ عُبَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَمَرَ بِبَيْعِ آنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ فَبَلَغَ عُبَادَةَ فَقَال : " َإنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى " .

وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ" . ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ ، فَكَتَبَ عُمَرُ إلَى مُعَاوِيَةَ، لَا تَبِعْ ذَلِكَ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَزْنًا بِوَزْنٍ. وَلِأَنَّهُمَا تُسَاوَيَا فِي الْوَزْنِ، فَلَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْقِيمَةِ، كَالْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ.

فَأَمَّا إنْ قَالَ لِصَائِغٍ : صُغْ لِي خَاتَمًا وَزْنُهُ دِرْهَمٌ، وَأُعْطِيكَ مِثْلَ وَزْنِهِ، وَأُجْرَتَك دِرْهَمًا. فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لِلصَّائِغِ أَخْذُ الدِّرْهَمَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا فِي مُقَابَلَةِ الْخَاتَمِ، وَالثَّانِي أُجْرَةً لَهُ. ] اهـ.

* الحل الشرعي يسير لبيع الذهب القديم بذهب جديد :

لقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم من يريد أن يشتري صنفا ربويا جيدا بآخر رديئ أو أقل منه ثمنا أو يبيع القديم أو الرديئ بالدراهم ثم يشتري الجيد الجديد ، كما سبق في حديث بلال مع التمر البرني الجيد ومبادلته بالتمر الردئ ، وأيضا لما رواه البخاري ومسلم : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر فجاءه بتمر جنيب (جيد)، فقال: " أكل تمر خيبر هكذا؟ " ، قال : لا، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة، فقال : " لا تفعل ، بع الجمع - بع التمر الذي أقل من ذلك – بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا " .
مما سبق يظهر بوضوح لا خفاء فيه أن تبديل الذهب القديم بذهب جديد متفاضلا ودفع الفرق مع إضافة أجرة التصنيع إلى أحدهما لا يجوز ، وهو داخل في الربا الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم .

والمخرج الشرعي لهذا الأمر كما سبق هو بيان إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم فيه من حديث تمر خيبر : أن يباع الذهب القديم بثمن من غير مواعدة ولا اتفاق ، وبعد أن يقبض صاحبه الثمن فإنه يشتري الذهب الجديد والأفضل أن يشتري الجديد من مكان آخر ، فإذا لم يجد طلبه لا حرج عليه أن يرجع إلى من باع إليه الذهب القديم ويشتري بماله ذهبا جديدا والزيادة هنا لا حرج فيها ، والمهم هو ألا تقع المبادلة بين ذهب وذهب مع دفع الفرق ، ولو كان ذلك من أجل الصياغة أوما يسمونها المصنعية ، وفي حالة كان التاجر صائغًا فإن لمن يريد ذهبا جديدا أن يقول للصائغ : خذ هذا الذهب القديم اصنعه لي على هيئة كذا وكذا ، ويعطيه أجرته على الصياغة أو المصنعية وهنا لا حرج عليه في دفع الأجرة مقابل الصنعة .

والله تعالى أعلم .

جواب السؤال صوتي
   طباعة 
التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق

3 + 4 =

/500
روابط ذات صلة
الفتوى السابق
الفتاوي المتشابهة الفتوى التالي